أدلة وجود الخالق مع أصول متعلقة بالحكمة من أفعاله

 


الشبهات المعاصرة تعود إلى نوعين:

[١]  شبهات يراد بها الطعن في أصل الإسلام. 

[٢]  شبهات يراد بها الطعن في ثوابت الشريعة دون أصل الإسلام. 

فأما النوع الأول فيتفرع إلى أبواب ، وأول هذه الأبواب: 

الشبهات حول الإيمان بوجود الله سبحانه وكمال أفعاله، وقبل الإجابة عن الإشكالات في هذا الباب سأذكر أصلين يُرجَع إليهما ليكونا منطلقين للإجابة عن الاعتراضات،

  • الأول: أدلة وجود الله سبحانه .
  • الثاني: أصلٌ في باب الحكمة من أفعال الله سبحانه. 

الأصل الأول: أدلة وجود الله سبحانه: 

أولا: دليل الفطرة:

تدل الفطرة البشرية على وجود الخالق سبحانه وتعالى من ثلاث جهات:

الجهة الأولى: أن هناك معارف أولية ضرورية حاصلة لكل البشر، لم يتعلموها في مدرسة، ولم يتلقّوها في جامعة، وإنما ولدت معهم، وغُرِزت في عقولهم؛ كمعرفة أن الحادث لا بد له من مُحدث، وأن الجزء أصغر من الكل، وهذه المعارف يُستدل بها على وجود الله سبحانه من طريقين:

–    الطريق الأولى: من جهة النظر والاستدلال، وذلك بأن يُنظر في الكون والإنسان والمخلوقات، فيُعلَم بأنها حادثة، ثم نستدل بالمعرفة الفطرية القائلة بأن لكل حادث محدث على أن للكون والمخلوقات مُحدثاً خالقاً وهو الله سبحانه وتعالى.

–    الطريق الثانية: أن مجرد وجود هذه الغرائز المعرفية الفطرية يدل على أن هناك من أودعها في نفس الإنسان؛ لأنها لم تحصل عن اكتساب ولا عن تعلم، وهذا دليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى.

    الجهة الثانية: من دلالة الفطرة: ضرورة الافتقار والتعبد، أو الاعتراف النفسي الضروري بالحاجة إلى الخالق سبحانه. 

إذ إنّ في فطرة الإنسان افتقار ذاتي إلى قوة غيبية كاملة غنية يرجو منها الإنسان النفع، ويستدفع بها الضر، ويتذلل لها، وخاصة عند الشدائد؛ ولذلك تجد أن الأمم كلها من قديم الزمان وفي مختلف البلدان لها أماكن للعبادة، حتى عبدوا الشمس والكواكب والنار والأحجار ملتمسين بذلك جلب النفع ودفع الضر، وما ذلك إلا لافتقار الإنسان بطبيعته إلى الإله الذي يملا تطلعات روحه وحاجاته؛ غير أن البيئة التي ينشأ فيها الإنسان قد تساهم في تشويش الغاية الصحيحة، فبدل أن يتوجه للإله الحق، يتوجه إلى آلهة باطلة يُعلَم بالعقل قبل الشرع بُطلانها، ولذلك فإن الرسل حين بعثوا إلى أقوامهم لم يكن محور رسالتهم إثبات وجود الخالق؛ لأن الأمم كانت تقر بذلك في الجملة، وإن كان بعض الناس قد يحتاج إلى تذكير بهذه الحقيقة الفطرية، وإنما كان محور رسالتهم: الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، والتخلص من عبادة كل ما سواه، ولذلك نجد أسلوب خطاب الرسل عند الحديث عن هذه الحقيقة الفطرية تذكيريّاً لا تأسيسيّاً، كأنه يُحيي الفطرة في النفوس، أو يوقظها، لا أنه يغرسها أو يبنيها

ومع أن طوائف من الناس تُنكر هذه الحاجة الفطرية إلا أنها مركوزة في النفوس بلا ريب، و إنكارها إنما هو بسبب الجحود والكبر، أو بسبب فساد الفطرة وتغيرها بمؤثرات خارجية. 

وقد يقول قائل: وهل يُمكن أن تَفسد الفِطَر؟ ما الدليل على ذلك من الواقع المشاهد؟ 

والجواب عن ذلك: أنه يوجد في الواقع أناسٌ أنكروا المبادئ العقلية الأولية، وآمنوا بالحس – وحده -، حتى وقعوا فيما يثير ضحك الأطفال قبل الكبار، فمثلا: تسأل أحدهم عن عمارة تتكون من عشرين طابقاً، وفي كل طابق عشر نوافذ فما نسبة النافذة الواحدة إلى مجموع العمارة؛ هل هي، أصغر منها أو أكبر؟ فيكون جوابه بأنه لا يعرف حتى يرى العمارة بالحس (البصر) ثم يحكم! 

فبالقياس على من تشوهّت عنده المعارف العقلية الأوليّة بسبب شبهات – أو شكوك أفسدت بديهته، نستدل على إمكانيّة تشوُّه الفطرة الداعية إلى وجود الخالق سبحانه؛ إذ إن المعارف العقلية البديهيّة هي أمر فطري أيضاً . 

    الجهة الثالثة: الغرائز والأخلاق، وذلك أننا نرى في الإنسان والحيوان غرائز فطرية غير مكتسبة من المجتمع ولا من البيئة، وإنما هي مما أودع فيه بغير كسب منه، فأنت ترى الرضيع إذا ألقمته أمه ثديها عرف كيف يمصه ويستخرج الطعام منه، وكذلك غريزة ميل الجنسين أحدهما إلى الآخر، وغريزة النكاح، وحب الولد، وغير ذلك من الغرائز الكثيرة جداً. 

ومن الغرائز التي أودعت في الإنسان: القيم الأخلاقية الفاضلة كاستحسان الصدق، والعدل، واستبشاع الظلم والقتل وتعذيب الأطفال، ونحو ذلك.

إن وجود الخير في نفس الإنسان لا يمكن أن يفهم في دائرة العبثية والعشوائية، وإنما يتم فهمه باتساق وانتظام تحت مظلّة الإيمان بوجود الخالق المدبّر سبحانه وتعالى الذي خلق النفوس وألهمها فجورها وتقواها. 

    ثانياً: دليل إيجاد المُحدثات وخلقها: 

وهذا الدليل متوجّه إلى الأشياء الحادثة، فكل ما هو حادث فإن العقل يدعو ضرورة إلى البحث عمّن أحدثه، وهو قائم على الترتيب التالي : 

[١] الكون حادث، والمخلوقات حادثة بعد أن لم تكن . 

[٢] وكل حادث فلا بد له من محدث. 

[٣] إذاً؛ الكون والمخلوقات لها خالق أوجدها بعد أن لم تكن . 

وهذا المبدأ ـ أعني – لكل حادث مُحدث – يعترف به كل البشر من الناحية العَمَلية، وإن أنكره بعضهم بلسانه، فأنت ترى أننا نبحث عن الفاعل خلف كل حَدث لم يكن موجوداً، وترى الأطباء يبحثون عن أسباب فُشوّ الأمراض التي لم تكن فاشية، ويفنون أعمارهم في البحوث والدراسات اعترافاً بالمبدأ العقلي الذي يقول بالسببية. 

لذلك كله؛ فإن الإنسان المتوائم مع فطرته، لا يحتاج في الاستدلال على وجود الخالق سبحانه إلى أكثر من النظر في حدوث الكون والمخلوقات، لتتولى الضرورة العقلية بعد ذلك إكمال الاستدلال والاعتراف بوجود الخالق. 

ومن المراجع المهمة في باب إثبات وجود الله سبحانه وتعالى ودلائل الفطرة والعقل على ذلك كتاب « شموع النهار» للشيخ عبد الله بن صالح العجيري. 

    ثالثًا: دليل الإتقان: 

بعد أن استدل العقل على وجود الخالق سبحانه بحدوث المخلوقات، فإن ها هنا دليلا اخر، يزيد الأمر جلاء، ويقطع كل ريب، ويذهب كل شك، ألا وهو أن تلك المخلوقات الحادثة لم يكن الشأن فيها مجرد الحدوث، وإنما هي – مع ذلك – قد ظهرت بأتقن صورة وأحسن صنع، بل إن الإتقان الذي فيها معجز لكل القدرات البشرية بحيث لا يُمكن محاكاته ولا مماثلته، وهنا يصرخ العقل بأن هذا الإتقان والإحكام لا يمكن أن تُنتجه الصدفه، ولا أن تبدِعه العشوائية، وإنما قوة الله العليم الحكيم القدير، سبحانه. 

لذلك؛ فإن من أعظم وسائل زيادة اليقين بوجود الله سبحانه: التأمل في المخلوقات، والنظر في علامات إتقانها، ودلائل إحكام صنعها، وقد أتاحت البرامج الوثائقية فرصة كبيرة للمتأملين والمتفكرين، وكذلك الكتب العلمية التي تتحدث عن وظائف الأعضاء، وتركيب الخلية، والمعلومات الوراثية، ونحو ذلك كلها شاهدة بأن هذه المخلوقات على درجة مُعجِزة من الإتقان، وقد قال الخالق سبحانه: ‏ ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ[الذاريات: ٢٠ – ٢١].

ومن المراجع في معرفة الإتقان في المخلوقات كتاب «الله يتجلى في عصر العلم» لنخبة من علماء الطبيعة الأمريكيين. 

    رابعًا: دليل العناية: 

بعد أن ذكرنا دليل الإيجاد ثم دليل الإتقان، نجد دليل العناية زائداً على ذينك الدليلين، مؤكدا على ضرورة وجود الخالق الحكيم العليم الرحيم سبحانه وبحمده، وهذا الدليل وإن كان داخلا في باب الإتقان في الجملة، إلا أنه يستحق أن يُفرَد؛ لأنه يتناول العلاقة بين الإنسان المُتقَن صنعُه، وبين المخلوقات المُحكَم خلقها، فزيادة على كون المخلوقات مُتقنة محكمة، فإنك ترى أنها مسخرة ليستفيد منها الإنسان ويقضي بها حاجاته من الغذاء، والدواء، والركوب، والسفر، والرعي، والقتال، والصناعة، والبنيان! إنها عناية مقصودة لا عبثية، بدءاً من تهيئة الظروف المناسبة له في بطن أمه، وبعد ولادته بتكوين الغذاء في صدر أمه، وتحنين قلبها عليه، ثم بتسخير النباتات والحيوانات له بما يناسب حاجته، وتهيئة الأرض ليسير في فجاجها ومناكبها، وتسخير البحر ليركبه، وإيداع المعادن في باطنها مع إمكان استخراجها للاستفادة منها، وموافقة الشمس والقمر والليل والنهار لمصالح الإنسان وحاجاته، وكذلك منحه القدرة العقلية التي يفهم بها الكون، ويعمر بها الأرض! وصور العناية أكبر من ذلك بكثير، تُدرك بالمعرفة والتأمل. 

الأصل الثاني:

مقدمة مهمة في التعامل مع السؤالات المتعلقة بالحكمة والعدالة الإلهية

إن معرفة الجواب عن الأسئلة المتعلقة بكمال الله وعدله، والحكمة من أفعاله لا تستقيم تمام الاستقامة إلا بعد الإقرار بعدد من الاعتقادات السابقة، المبنية على البراهين القطعية، وسأذكرها مرتبة: 

  • أولاً: الإيمان التام بوجوده سبحانه وتعالى. 
  • ثانياً: الإيمان بكماله في ذاته وفي أفعاله، وهذا مبني على ما نشاهد من الاحكام والإتقان في المخلوقات ونظامها، كما نستدل بصنعة المخلوقين على بعض صفاتهم .
  • [ ومبني أيضاً على غيرِه ]
  • ثالثاً: الإقرار بأن المخلوق محدود القدرة والعلم والحكمة، وأن الخالق مطلق العلم والقدرة والحكمة؛ فالإنسان لا يزال يتعلم ما كان يجهله في السابق، ولذلك نرى الآخر يأتي فيُصحّح ما كان يظنه الأول الصوابَ المطلق، وتأتي نظرية فتنقض ما كان يعتقد أنه حقيقة قبل ذلك، وكل هذا بسبب عجز الإنسان ومحدودية علمه وقدرته، وأما الخالق فإنه أبدع ما عجز البشر عن فعله، وقضى ما لا يستطيع البشر كلهم رده، وما من ذرة في هذا الكون في الجزء المنظور منه وغير المنظور إلا وهو يدبرها، في نفس الوقت الذي يسمع فيه الدعاء ويجيبه، وينصر فيه مظلوماً، ويُهلك ظالماً، ويقسم رزقاً، ويؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء؛ فأفعال الخالق تابعة لعلمه المُطلق، وأحكام المخلوق تابعة لعلمه المحدود؛ فاعتراض المخلوق على الخالق مبنيّ على أساس هش. 

وإذا كان عجز الإنسان في إدراك ما يتعلق بالمخلوقات ظاهراً؛ فمن باب أولى عَجزه فيما يتعلق بالخالق سبحانه وتعالى، فنحن لا نحيط علما بذات الله سبحانه وتعالى ولا بصفاته، ولم نعرف عنه سبحانه إلا ما أطلعنا عليه. 

  •   رابعا: الإيمان بأنه سبحانه أرسل رسلا، وأوحى إليهم ما يعرفُ الناسُ به خالقهم، ومراده من خلقه إياهم، وأيدهم بما يبين صدقهم، من كمال الأخلاق، وصدق اللهجة، واستقامة الحال، والبعد عن مواطن الشك، ومحالِّ الريبة، إضافة إلى الآيات التي أعطاهم إياها لتكون دليلا آخر على نبوتهم وصدفهم.

وإذا ثبت ذلك؛ فإنه لا أحد أعلم بإجابة هذه الأسئلة المتعلقة بالحكمة من أفعال الله من الله نفسه، وهو قد بيّنها في كتابه الذي أنزله هدىً للناس ونورا، فطريق المعرفة الصحيحة في هذا الباب هو المصدر الإلهي لا المحدوديّة البشرية. 

فإدراك الحقائق السابقة جميعها، يجعل إيماننا وتسليمنا بما جاء في القرآن والسُّنة مما لم نعرف حكمته من أفعال الله موقفاً عقلياً صحيحاً؛ ولا يكون التسليم – حينئذ- هروباً من الحقيقة، ولكن مبنيّاً على البرهان العقلي. 

وهناك مثال لطيف من الواقع يبين شيئا من التقرير السابق: 

وهو أننا إذا رأينا هاتف جوال، صنعته شركة معروفة بالإتقان في صناعتها؛ ك(آبل) أو (سامسونج)، ثم وجدنا فيه قطعة لم نعرف فائدتها، فلن نقول إنها عديمة الفائدة، بل سنبحث عن سبب لوجود هذه القطعة، لمعرفتنا المسبقة – من خلال منتجات الشركة – بأنها لن تصنع شيئا عبثيّاً لا فائدة منه؛ وكذلك هذا الكون العظيم المبني على نظام متقن، وهذه المخلوقات التي أحسن خلقها، وبنيت على نظام لا يقوم شيء من أنظمة الهواتف ولا غيرها مقامه، والتي تدل على أن صانعها هو الكامل في علمه وقدرته وحكمته، فهل من الصواب بعد ذلك أن نقول فيما لم نفهم حكمته في هذا الكون بأنه عديم الفائدة أو لا حكمة من وجوده؟! لا شك أن ذلك مما يأباه العقل السليم، والقياس الصحيح. 

وبعد هاتين المقدمتين – في وجود الله، وفي كماله – فإننا سنتعامل مع كل الإشكالات المثارة حول باب جود الله سبحانه وحول باب الحكمة من أفعاله على ضوئهما، ومن الخطأ أن نتعامل مع سؤال متعلق بحكمة الله بعيداً عن الأصول السابقة

 

 

0

الكاتب: أ. أحمد بن يوسف السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى