شبهات حول وجود الله مع ردود مختصرة

 


الأولى: سؤال من خلق الله؟ 

كثيرا ما يعترض الملحدون على أدلة وجود الله سبحانه بسؤال: من خلق الله؟ وهذا السؤال باطل في ذاته، غير صحيح، فإنه مماثل لقولك: هل مدة حمل الرجل كالمرأة تسعة أشهر؟ وما وزن درجة الحرارة؟ ونحو ذلك من الأسئلة المغلوطة. 

فإنه سؤال عن الخالق بما لا يُمكِن، وهو أن يكون مخلوقا، فالخالق خالق لا يكون مخلوقا حتى يُسأل عنه بمن خلقه؟ 

كما أن من الإشكالات في السؤال كونه مبنيا على التسوية بين الخالق والمخلوق، وعلى التسوية بين قاعدة (كل حادث له محدث) وبين قول البعض: (كل موجود فله موجد) وكلا التسويتين خطأ. 

ثم إن من دلائل بطلان هذا السؤال أنه يستلزم ألا يكون الكون موجودا أصلا؛ فإن من المعلوم أن سؤال (من خلق الخالق؟) ليس بأولى من سؤال (من خلق خالق الخالق؟) ولا (من خلق خالق خالق الخالق؟) وهلم جرا، وبهذه الطريقة فلن يكون لهذا الكون وجود؛ لأنه إذا كان وجود الخالق لهذا الكون معلقا على وجود الخالق الذي قبله، والذي قبله معلقا وجوده على الذي قبله، وهكذا إلى ما لا نهاية؛ للزم أنه لن يوجد الخالق الذي خلق هذا الكون؛ لأنه لا يوجد خالق (أول) تقف عنده السلسلة ويصدر منه الخلق الأول؛ فالسلسلة مستمرة إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن يوجد الكون إلا إذا كان هناك مصدر أول لا بداية له .  

وأما قاعدة (كل موجود فله موجد) فهي غير صحيحة، وإنما الصواب فيها أن لكل حادثٍ مُحدث، وهذا الكون قدثبت حدوثه، فلا بد له من مُحدِث . 

 

 الثانية: دعوى الاستغناء بالقوانين الكونية: 

ينشر بعض الملحدين دعوى لا دليل عليها، بل الدليل ينقضها ويُفسدها، ألا وهي: أن القوانين الدقيقة التي يسير عليها الكون تُغنينا عن القول بوجود خالق له، فالكون أنشأ نفسه بنفسه على ضوء هذه القوانين. 

وهذا الكلام فيه مغالطة وتجاوز لحقيقة مهمة، ألا وهي أن القوانين واصفة ومُفسرة لا خالقة ومنشئة؛ فهل يُمكن أن نقول: بما أن المعاملات المالية لها قوانين حسابية؛ فإن هذه القوانين يمكنها إنشاء محل تجاري؟ 

وهل يمكن لقوانين الميكانيكا أن تصنع سيارة؟ أم أنها تحتاج إلى صانع يُطبّق هذه القوانين. 

وهل قانون الجاذبية يخلُق أم يُفسّر؟ 

إن وجود قانون يفسر ظاهرة معينة لا يلغي وجود سبب لنشأتها، فمعرفتنا بالقوانين التي تعمل الطائرة وتطير وتهبط على وفقها، لا يلغي وجود صانع لها، وهكذا بالنسبة للكون سواء. 

وأمرٌ آخر؛ وهو أن في هذه الدعوى تجاوزا لسؤال عقلي ضروري، ألا وهو: من الذي سن هذه القوانين؟ ومن الذي جعل الكون يعمل على وفقها؟ 

 

   الثالثة: نظرية التطور الدارويني: 

لا يسعني في هذا المقام المختصر أن أناقش بشكل مُفصل نظرية تربعت على عرش الجدل الديني/العلمي، والتي هي (من أهم الحجج التي يستند إليها الملاحدة لتفسير تنوع الكائنات الحية دون الحاجة إلى وجود الله الخالق) كما ذكر أنتوني فلو – الملحد الأشهر في نهايات القرن العشرين، والذي ختم حياته بالاعتراف بوجود الخالق -. 

فقد صارت هذه النظرية عند البعض عقيدة لا تقبل النقاش ولا الجدل، إضافة إلى كونها التفسير الطبيعي (الوحيد) لنشأة الكائنات الحية في مقابل الإيمان بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وهذا ما يدفع الوسط العلمي – الذي يُفضّل التفسير المادي – إلى مزيد من التشبث بها، وإلى المبالغة في الاعتماد عليها وتعظيمها. 

إن نقد نظرية التطور لم ينطلق من دائرة الدين – فقطـ -؛ فإن من العلماء التجريبيين من انتقدها وأبرز ثغرات كبيرة فيها، وبينوا كثيرا من التحديات والإشكالات التي تواجهها، منهم د. مايكل بيهي أستاذ الكيمياء الحيوية لجامعة ليهاي في بنسلفانيا، وألف كتابا في ذلك وهو (صندوق دارون الأسود) وقد أحدث ضجة في الأوساط الفكرية، وانطلق فيه من عبارة دارون نفسه في كتابه أصل الأنواع: (إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد لا يُرجّح أنه قد تشكل عن طريق العديد من التعديلات المتعاقبة والطفيفة فسوف تنهار نظريتي تمام)”؛ فشرح د. مايكل بيهي في كتابه تعقيد الخلية الرهيب، وهو ما يتفق مع كلام دارون المذكور. وقد قام مركز براهين بترجمة الكتاب، وطبع في مركز تكوين في ٤٣٠ صفحة. 

وهناك كتب أخرى لعلماء غربيين انطلقوا في نقدهم للنظرية من منظور علمي، منها: كتاب أيقونات التطور للدكتور جوناثان ويلز، وقد صَدّر باحثو مركز براهين ترجمتهم لهذا الكتاب بقولهم: “الرسالة الأساسية لكتاب (أيقونات التطور) حول فكرتين جوهريتين؛ الأولى هي إبراز مقدرة خبراء العلم الطبيعي على توظيف العلم توظيفا أيديولوجيا قمعيا سلطويا إقصائيا متى أرادوا ذلك أو شعروا بالحاجة إليه. وأما الفكرة الثانية فهي إبراز قابلية العلم الطبيعي نفسه لأن يتحول من خلال نظرياته وفرضياته ومؤيديه إلى أساطير ذات أقانيم وأيقونات، ومرويات وسرديات، ورموز وإشارات خاصة” انتهى . 

وكتاب آخر – أيضا – وهو: العلم وأصل الإنسان، ألفه ثلاثة من العلماء هم (آن جوجر، ودوغلاس إكس، وكيسي لسكين) في نقد التطور الدارويني، وكذلك الكتاب المهم جدا، وهو: تصميم الحياة، تأليف: د. ويليام ديمبسكي ود. جوناثان ويلز. 

وأحب التنبيه – أيضا – إلى أن بعض الباحثين المسلمين المتصدين للطرح الإلحادي يتبنون فكرة التوفيق بين نظرية التطور، وبين الإسلام؛ وذلك لاعتقادهم أن تطور الأنواع ثابت علميا، ولكنهم يخالفون الملحدين الداروينيين في مبدأ العشوائية (الانتخاب الطبيعي)، فهؤلاء المسلمون يقولون بتطور مُوجّه؛ أي: أن الله سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، ولكن بسُنّة التطور، وكما يقول بعضهم: من الذي يمنع الإله أن يخلق خلقه بطريق التطور؟ 

وهذا القدر من الطرح أكثر ما يظهر اصطدامه بالشرع في موضوع خلق آدم عليه السلام؛ فإن النصوص القرآنية واضحة الدلالة في أن الله خلقه خلقا مباشرا بلا أب ولا أم؛ أي: أنه لم يكن نتيجة تطور سلالة سابقة شبيهة بالإنسان. 

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.[آل عمران:59]

وممن عرض أقوال هؤلاء وناقش استدلالاتهم الدكتور هشام عزمي في كتابه التطور الموجه والذي طبع في مركز براهين، والشيخ سلطان العميري في رسالة الدكتوراة. 

4)    رابعا: فرضية الأكوان المتعددة: 

دار حوار ببن ريتشارد داوكنز (رأس الملحدين في هذا العصر) مع ستيفن واينبرغ (من أشهر الفيزيائيين في العالم، وهو ملحد) حول فرضية الأكوان المتعددة، وكان دوكنز يؤمل أن يسمع ممن هو أعلم منه ما يقوي من جانب تلك الفرضية، ولكن خاب فأله، وهذا نص الحوار:

(دوكنز: أنا قبلت رأي علماء الفيزياء أن هناك نوعا ما من التضبيط الدقيق، وقد حاولت أن أضع ثلاثة تفسيرات محتملة، أحدها: الله، وقلت: إنه ليس بتفسير، والآخر: نظرية تعدد الأكوان، ونحن موجودون في أحد الأكوان. والثالث: نسبته إليك. 

واينبرغ: اوه، لا 

دوكنز: ربما بالخطأ 

واينبرغ: تمنيت أنك لم تفعل 

دوكنز: هو ما أسميه الفيزيائي الجريء هو الذي يقول بأننا حاليا لا نفهم لماذا هذه الأشياء (الثوابت) هكذا، ويوما ما سنفهم عندما يكون لدينا نظرية كل شيء، ولكن يبدو من خلال حديثنا أنني أسأت تمثيلك.

واينبرغ: لا أظن أن على أحدنا أن يستهين بالورطة التي نحن فيها وأننا في النهاية لن نستطيع أن نفسر العالم. 

هناك مجموعة من قوانين الطبيعة التي لن نستطيع فهمها بتحويلها إلى قوانين رياضية؛ لأننا يمكن أن نحصل على قوانين رياضية ولكنها لا تفسر العالم كما نعرفه. 

وسيبقى دائما سؤال لماذا قوانين الطبيعة كما هي الآن وليست مختلفة، ولا أجد أي طريقة للخروج من هذا. 

دوكنز: الفكرة الأخيرة والتي يعطيها أغلب الفيزيائيين بعض الوقت كما أظن هي نظرية الأكوان المتعددة. 

واينبرغ: لم يضع أحد هذا في نظرية حقيقية، فهي ليست فقط بتخمين لأن النظرية ستكون تخمينا، ولكننا لا يوجد لدينا نظرية نستطيع أن نضع بها التخمين في قوانين رياضية، ولكنها احتمالية . 

دوكنز: وحقيقة أن الإلغاء دقيق جدا؛ يعني: أن عدد هذه الأكوان يجب أن يكون كبيرا جدا لنستطيع أن نقول: إن كوننا من ضمنها. 

واينبرغ: يجب أن يكون عددها على الأقل ١٠ مرفوعة للقوة ٥٦، وإذا كان لديك فكرة عن الترددات في المسافات القصيرة، فسيكون عددها على الأقل ١٠ مرفوعة للقوة ١٢٠، وفي الحقيقة هذا شي مزعج ) انتهى. 

إن فرضية الأكوان المتعددة من الفرضيات التي يتعصب لها طائفة من الملحدين على اعتبار أنها مخرج لهم في تفسير نشأة هذا الكون العظيم بعيدا عن الاعتراف بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وذكري للحوار السابق بين دوكنز وواينبرغ إنما هو لإثبات عدم استقرار هذه الفرضية علميا، وعدم اعتراف بعض كبار الملاحدة الفيزيائيين – كستيفن واينبرغ -بها، ويوجد على موقع يوتيوب ثلاث مواد مرئية يعطي مجموعها تصورا أكثر تفصيلا عن الفرضية وفيها رد على من استدل بها على إلحاده، وهذه المقاطع هي : 

–    حلقة حوارية بين د. محمد العوضي والبروفيسور الفيزيائي المسلم محمد الطائي بعنوان (فرضية الأكوان المتعددة والموازية). 

–    مقطع بعنوان (سؤال حول نظرية الأكوان المتعددة) للفيزيائي مصطفى قديح.

–    حلقة بعنوان (الأكوان المتعددة) لرشاد القرني في برنامجه (ارجع لأصلك)، وبالمناسبة فللأخ رشاد مناقشات جيدة لعدد من المعطيات العلمية التي يستدل بها عدد من الملاحدة في برنامجه المتميز السابق ذكره.

وكما ترى فإن الملحد على استعداد لنسبة حدوث الكون إلى أي شيء إلا للخالق سبحانه، وقد كان واينبرج في غنى عن هذا الحساب المزعج بإيمانه بالله سبحانه.

 

0

الكاتب: أ. أحمد بن يوسف السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى