تعزيز اليقين

دلائل نبوة النبي محمد ﷺ

 


       اعتنى العلماء بإثبات نبوته ﷺ بالدلائل العقلية والنقلية، وإن كان كثير منهم قد غَلَّبوا جانب المعجزات الحسية أو خرق العادات، على غيرها من البراهين.
وفي الحقيقة، فإن تنويع الدلائل لتجمع بين العقل والنقل هو الأكمل في الاحتجاج، خاصة وأن القران فيه ذكرٌ للدليل العقلي في إثبات النبوة. وقد نبّه غير واحد من العلماء كالغزالي في المنقذ من الضلال، وابن تيمية في شرح الأصبهانية وفي النبوات إلى أن دلائل نبوة محمد ﷺ لا تقتصر على المعجزات الحسية الخارقة للعادة، بل هي متنوعة.

كما أن من المهم الإشارة إلى تفاوت الناس في تحصيل اليقين بهذه الدلائل، فبعضهم يحصل له اليقين بأحدها، والبعض الآخر يحصل له اليقين بضم بعضها إلى بعض، إلا أن الذي لا ينازع فيه عاقل عادل، هو أن مجموع دلائل نبوة محمد ﷺ تفيد القطع واليقين المتجاوز لكل شك وريب.

وهذا ذكرٌ لبعض الدلائل والبراهين:

أولا : برهان صدقه وأخلاقه ﷺ :
فإنّ من المعلوم (أن مدعي الرسالة، إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم، وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟
فـ(النبوة إنما يدّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تُعرب عنهما، وتُعرِّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟)
وهاتان العبارتان من ابن تيمية، وابن أبي العز الحنفي رحمهما الله فيهما دلالة عقلية واقعية جميلة جدا؛ إذ باب النبوة إنما هو ادعاء خبر معين، والمُخبر بهذا الخبر إما أن يكون صادقا، وإما أن يكون كاذبا، والتمييز بين الصادق والكاذب في الدعاوى العظيمة يمكن تمييزه بكل سهولة، والخداع فيه لا يستمر حتى يُكشف.
وإن معرفة سيرة محمد ﷺ وأحواله لتبين أنه لا يمكن أن يكون كاذبا في دعواه النبوة، فإن العدو والصديق يشهدان له بأنه رجل كامل الأخلاق والمروءة والأمانة، وأنه معروف بالصدق في حديثه منذ صباه.
وهو قبل أن يبعثه الله بالرسالة لبث عُمُراً في قومه بمكة لقب فيه بـ(الصادق الأمين)، وقد قال لهم حين صعد الصفا أول أمر الرسالة: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل؛ أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: ما جرَّبنا عليك كذبا! قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
ومن شواهد صدقه ﷺ
● أنه حين غطت المدينة سحابة سوداء قاتمة من الإشاعات الباطلة التي تتهم عائشة زوج النبي ﷺ بالزنا، ولحق النبي من ذلك أذى شديد، واشتد الكرب وضاق الحال، فما الذي عمله النبي ﷺ؟ إن كان القران من تأليفه فلِمَ لم يبادر بتبرئة زوجه من هذه التهمة وسيصدقه الناس!
لماذا طفق يشاور أصحابه في الموضوع، ولماذا يخطب في الناس معلنا أن رأس الفتنة (ابن أُبيّ) قد آذاه في أهله، وهو مع هذا كله لا ينسب شيئا من هذا لله سبحانه؟ حتى جاءه الوحي بعد مدة بتبرئة عائشة رضي الله عنها.
● وحين ذهب أبو سفيان إلى الشام قبل إسلامه، وكان سيد قريش وقائدها ضد رسول الله، استدعاه هرقل عظيم الروم ليعلم منه خبر محمد ﷺ، فسأله عن عدد من الأمور التي أراد بها التوصل إلى معرفة حقيقته، فكان فيما سأله: «هل كنتم تتهمونه بالكذب»؟ فأجابه أبو سفيان: لا. فقال له هرقل قولة حكيمة: «سألئك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا؛ فعرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله».

● وكسفتِ الشمس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ، فقال الناس: كسفتِ الشمسُ لموت إبراهيم. فماذا كان رد النبي محمد ﷺ على هذا الكلام؟ هل أيّدهم عليه؟ أو على الأقل سكت؟ بل قام فيهم خطيبا مصححا هذا الاعتقاد الخاطئ، معظّما ربه وخالقه ومولاه قائلا: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» ثم أرشدهم إلى الصلاة والاستغفار والصدقة.

● ومن شواهد صدقه ﷺ أنه بلغ القران كاملا مع أن فيه آيات عتاب الله له؛ كقوله سبحانه وتعالى: { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ، أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} وقوله: { عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }وقوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ } وقوله: { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ }
فلو لم يكن محمد رسول الله حقا أكان يُبّلغ هذه الآيات؟ ما الذي يضطره لقول هذا الكلام الذي يقرؤه الناس إلى يوم القيامة إلا أنّه مأمور بتبليغه؟

ثانيا: براهين القرآن على صدق نبوته:
إن هذا القرآن الذي خرج به النبي ﷺ على الناس، لهو أكبر دلالة وبرهان على صدق نبوته، وأنه من عند الله، ومع أنه ﷺ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف الشعر، إلا أنه جاء بهذا القرآن متحديا به البشرية كلها، طالبا منهم – إن أرادوا إبطال دعوته – الإتيان بمثله، بل بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة، فآثروا قتاله على أن يأتوا بسورة؛ لأنهم عجزوا عن ذلك، مع وجود أقوى الدواعي وهو الخصومة الشديدة، والأنفة من الهزيمة، ومع وجود وتوفر كل الأسباب التي يمكنهم بها أن يجاروا ما كان مُختَرَعا من كلام البشر مهما كان فصيحا؛ إذ هم غاية ما وصل إليه البشر في الأدب والفصاحة والبيان، ثم يأتيهم الرسول ﷺ ليعلن في مجالسهم قول الله تعالى: { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }.
ثم يقول لهم: { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }.
فهو يتحداهم، وفوق ذلك يخبرهم أنهم لن يفعلوا، وأن الخير لهم أن يتقوا عذاب النار لأنه حق! فكان العجزُ جوابهم، وهذا دليل على أن القرآن ليس من عند البشر.
وأمرٌ آخر، وهو أن في القرآن من أخبار الغيب الجازمة القاطعة التي لا تردد فيها، ما لا يمكن لشخص كاذبٍ مدّعٍ أن يجازف في اختراعها؛ لأنها لو لم تقع فستكون دليلا كافيا على كذبه، وسيكون ذلك سببا لمغادرة أصحابه للإيمان لأنه كذب عليهم! خاصة وأنه ليس محتاجا لقولها وقد اتبعوه، أو على الأقل يمكنه أن يذكر أخبارا مستقبلية بصيغة غير مؤكدة، أو بألفاظ تحتمل التأويل؛ لأن المغامرة هنا تعني خسارة الدعوة كلها حال الهزيمة، ولكن هيهات، فهذا كله لو كان القرآن من عند محمد ﷺ، أما وهو من عند الله تعالى فلا تتعجب أن تقرأ فيه هذا الوعد الفخم، القوي الأسلوب، القاطع التأكيد.
● وهو قول الله سبحانه: { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }، ففي الآية وعد بأن النصر في الدنيا قبل الآخرة سيكون حليف النبي محمد ﷺ. فقوله سبحانه﴿ يَنصُرَهُ﴾ ؛ أي: ينصر نبيه. فالضمير يعود إلى محمد عليه من الله أزكى سلام.
● وكذلك قول الله تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.
ففي الآية عدد من المؤكدات اللفظية على حفظ القرآن الكريم، وهي خبر عن مستقبل، وقد تحقق هذا الوعد، رغم تتابع الهجمات على الإسلام والمسلمين بدءا من بعثة النبي ﷺ وحتى وقتنا هذا.
● وكذلك من أخبار الغيب في القرآن: قول الله تعالى:  { الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
والسؤال هنا: ماذا لو لم تنشب هذه الحرب؟ وماذا لو نشبت ولكن كانت النتيجة فيها لصالح الفرس؟ بل وماذا لو انتصر الروم ولكن بعد المدة الزمنية المحددة أو قبلها؟
ومما يدخل في البرهان القرآني: القصص عن الأمم السابقة: وهي من الدلائل العظيمة؛ فإن العرب في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون تفاصيل قصص الأنبياء مع أقوامهم، وأما أهل الكتاب فعندهم في كتبهم شيء من ذلك، وهذه الموافقة هي من دلائل الصحة والقوة لا العكس كما يظن البعض، كما أنه ليس كل ما في القرآن من قصص موجودا في كتبهم، إضافة إلى أن في سياق القرآن ما يصحح بعض ما جاء عندهم، فمن أين لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب وعاش في وسط مكة أن يأتي بكل هذا؟ مع جمال في العرض، وفصاحة في السرد، وبلاغة في الوصف، وعبرة في الخاتمة، وذكرى في البداية، مما لا يمكن لشخص اطلع على كل ما كتبته الأمم أن يأتي بمثله فضلا عن رجل لم يقرأ صحيفة واحدة في حياته ﷺ.
ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى هذا المعنى في سياق القصص القرآني، وما أجمل هذه الآيات بعد قصة موسى :
{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ، وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
وكذلك في قصة نوح قال الله سبحانه وتعالى: { تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ }.
وهناك وجوه أخرى من دلالات القرآن على نبوة محمد ﷺ أتركها بُعدا عن التطويل والإملال.

ثالثا: برهان كمال التشريعات والعقائد والآداب التي جاءت على لسانه ﷺ
لم يفرغ الفقهاء والمحدثون والمؤرخون والمفسرون وشراح الحديث بعدُ – وقد تجاوزنا أربعة عشر قرنا من وقت الرسالة – من استخراج كنوز نصوص الكتاب والسنة، ولم تعد المكتبات الضخمة تتسع لما أنتجه العلماء في مجال واحد من مجالات النصوص الشرعية كالأحكام الفقهية مثلا، وإنك لتجد آلاف المؤلفات في باب واحد من أبواب الدين وكلها تستند على نصوص الكتاب والسنة اللذين بلغهما رسول الله ﷺ.
وليس البرهان معلقا بالكثرة، وإنما بالشمولية والإحاطة والصلاحية والإتقان، وتتكامل العظمة حين نتذكر أن هذا الرسول الكريم كان منشغلا في الثلاثة والعشرين عاما – مدة نبوته – بأعمال تنوء بحملها الجبال، فقد كان منشغلا بدعوة قومه، وبعرض نفسه على وفود الحجاج في مكة، حتى خرج منها باحثا عن مأوى، وبمتابعة شؤون أصحابه المستضعفين في مكة، ثم بهجرتهم إلى الحبشة، ثم الانتقال إلى المدينة التي كان فيها الحاكم والقاضي والخطيب والإمام وقائد الجيش، وكان عنده تسعة بيوت، وغزا قرابة عشرين غزوة، فقد فيها عددا كبيرا من أصحابه، وفقد فيها عمه وابن عمه، ومولاه؛ فمتى كان يتفرغ لاختراع هذا النظام التشريعي المتكامل إلا أن يكون وحياً أوحاه الله إليه!
وإذا نظرت فيما تحمله نصوص الوحيين في باب صفات الله وتعظيمه وذِكره لكان ذلك كافيا على أن من بلغها نبي مرسل من عند الله؛ إذ إن الخيال البشري مهما استرسل وانطلق متفكرا في الخالق، فإنه لا يُمكن أن يصل إلى الجلال الذي جاء في القرآن والسنة عن الله؛ وهذا لأنه صادر عن الله أصلا، ولا أحد أعرف بالله من نفسه!
فتأمل في سورة الفاتحة، واية الكرسي، وسورة الإخلاص ثم انظر في العقل البشري المجرد هل يمكن أن يصف الخالق بما جاء في هذه الآيات؟
وفي المجال الأخلاقي والمنظومة القيمية السلوكية في القرآن والسنة تجد التكامل والجمال والصلاح والإصلاح للفرد في نفسه، وللمجتمع، وقد أشرتُ إلى شيء من ذلك في كتاب كامل الصورة/١ تحت عنوان (ماذا يقدم الحديث النبوي للسلوك الإنساني؟)، وقد كتب الدكتور محمد دراز رحمه الله تعالى كتابا كبيرا بعنوان (الدستور الأخلاقي في القرآن)، كما أن كتب السنة زاخرة بأبواب البر والصلة والأدب؛ حتى أفردها المحدثون في كتب مستقلة؛ ككتاب الأدب المفرد للإمام البخاري والذي تجاوزت أحاديثه الألف حديث!

رابعاً : برهان المعجزات الحسية:
لقد تواترت أخبار الصادقين، المعروفين بالعدالة والضبط، بالأسانيد المتصلة إلى وقت النبوة، أن عددا من السنن الكونية قد انخرمت بين يدي الرسول محمد ﷺ، في مواقف كثيرة جمعها العلماء في كتب مفردة تعرف بـ (دلائل النبوة)، فمن ذلك: سماع أهل المسجد لصوت حنين جذع النخلة الذي كان يستند إليه النبي ﷺ في الخطب، بعد أن تركه واتخذ مكانه منبرا، ومنها: تحرك الشجر وانقياده بين يديه ليستتر به النبي ﷺ عند قضاء حاجته، ومنها تكثيره الطعام في مواقف متعددة، ومنها تفجر الماء من بين يديه، إلى غير ذلك من المواقف الكثيرة، ومن أراد الاستزادة فليراجع كتاب (دلائل النبوة) للبيهقي، وأبواب فضائل النبي ﷺ ودلائل النبوة من كتب السنة عموما .
وهذا التواتر المعنوي للأخبار لا سبيل لإنكاره إلا بإنكار كون الخبر الصادق مصدرا للمعرفة، وإن العلماء في مختلف التخصصات الشرعية والطبيعية والاجتماعية، يتحدثون عن حقائق تاريخية متعلقة بالعلم الذي ينتمون إليه، وإنما كان مصدرهم في ذلك الخبر الصادق، فما الذي يجعله مقبولا هناك ومرفوضا هنا؟
بل إن أخبار المعجزات يتوفر فيها من معايير القبول ما لا يتوفر في كثير من غيرها، مما لا يكاد يرده أحد من الناس كاشتهار أرسطو بالمنطق، وحاتم الطائي بالكرم، وابن سينا بالفلسفة.
وإذا ضممنا برهان المعجزات إلى البراهين السابقة ازداد الأمر جلاء، وتضاءل الشك وتقلص وانكمش، حتى يفنى.

خامسا: دليل أخبار النبوات السابقة المبشرة به ﷺ:
أخبرنا الله أن موسى وعيسى عليهم السلام قد بشَّرا برسول الله محمد ﷺ فقال: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ}، وقال سبحانه عن عيسى عليه السلام: { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ }
وأخبرنا سبحانه أيضا أن أهل الكتاب حرفوا ما بأيديهم، ولكن التحريف لم يأت على كل شيء أنزله الله، وإنما قد بقي عندهم من الحق شيء، والعجيب أن التحريف لم يكن مختصا بما قبل وقت النبي محمد ﷺ فقط، بل امتدّ التحريف إلى ما بعد ذلك في ترجمات الكتاب المقدس إلى اللغة العربية.
ومع ذلك كله؛ اجتهد علماء وباحثون مسلمون في إبراز عدد من النصوص، ضمن الكتاب المقدس،
● المبشرة برسول أو شفيع يأتي من بعد نبي الله عيسى عليه السلام،
● ونصوص أخرى فيها وصف لأمته أو بلده،
● بل ونصوص يرون أن فيها تصريحا بذكر اسم النبي ﷺ إلا أنها حُرفت في التفسير أو الترجمة، فمن ذلك مثلا:
ما جاء في إنجيل (يوحنا/الإصحاح السادس عشر من فقرة ٥ إلى ١٤):
قول عيسى عليه السلام: (وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني: أين تمضي؟ لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم. لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم «المُعَزِّي»، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم) إلى أن قال: (إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني؛ لأنه يأخذ مما لي ويخبركم). انتهى.
وهذه بشارة بمن يأتي بعده صفته أنه لا يتكلم من نفسه بل يتكلم بما يسمع، ويخبر بأمور آتية، وهذه صفة تُذكرنا بقول الله عن محمد ﷺ: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ } وقوله سبحانه:{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ }.
هذا غير ما ذكره عدد من الباحثين ومنهم د: منقذ السقار – وهو متخصص في هذا الباب – في معنى كلمة (المعزي) وأنها ترجمة غير دقيقة للنص الأصلي باليونانية (باراقليط) وأن المعنى الأدق للكلمة اليونانية هو: الذي له الحمد الكثير، فيكون الاسم الدال على ذلك (أحمد) أو (محمد) أو (الحامد) وليس المُعزّي فيكون ذلك – لو صح – من جملة تحريفاتهم.
وأيضا في الكتاب المقدس ذِكرٌ لمكة باسمها الوارد في القرآن (بكة)، ففي المزمور ٨٤ العدد ٦ نجده يقول: (طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك (سلاه) طوبى لأناس عزهم بك وطرق بيتك في قلوبهم، عابرين في (وادي البكاء)، يصيرونه ينبوعا أيضا ببركات يغطون موره يذهبون من قوة إلى قوة).
وفي النسخة العربية المشتركة في نفس الموضع يقول: (هنيئا للمقيمين في بيتك، هم على الدوام يهللون لك، هنيئا للذين عزتهم بك، وبقلوبهم يتوجهون إليك، يعبرون في (وادي الجفاف)، فيجعلونه عيون ماء، بل بركاً يغمرها المطر، ينطلقون من جبل إلى جبل..) وفي النسخة الياسوعية: (طوبى لسكان بيتك فإنهم لا يكفون عن تسبيحك، طوبى للذين بك عزتهم وفي قلوبه مراق إليك، إذا مروا بوادي البَلَسَان جعلوا منه ينابيع) فهده ثلاث نسح عربية مختلفة، وكلها تخالف النسخة الإنجليزية حيث جاء فيها:
((As they pass through the Valley of Baca)) فالنص هنا يذكر (بكة) على صيغة (اسم)، حيث بدأت بالحرف الكبير. وهي كذلك في عدد من النسخ الإنجليزية.
وفي دائرة المعارف الكتابية، Encyclopedia of The Bible نجد فيها كلاما عن (البَلَسَان) الوارد في إحدى النسخ العربية: (أما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء، فهو بلسم مكة، الذي ما زالت مصر تستورده من شبه الجزيرة العربية، كما كان الأمر قديما).
وقد أشار بعض الباحثين إلى أن جملة (ينطلقون من جبل إلى جبل) تشير إلى السعي بين الصفا والمروة والله أعلم.
وأختم بموضع آخر في الكتاب المقدس فيه التبشير بنور يتلألا من جبال فاران – وهي جبال مكة -، جاءت في سفر التثنية الإصحاح ٣٣ (١ – ٣) (هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألا من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة، فأحب الشعب، جميع قديسيه فى يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك) (التثنية ٣٣/ ١ – ٣).
وفي سفر حبقوق (٢/٣ – ٣) (يا رب قد سمعت خبرك، فجزعت، يا رب عملك في وسط السنين أحيِه، في وسط السنين عرف، في الغضب اذكر الرحمة، الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه).
قال د. منقذ السقا . (وتُنبِئُ المواضع التي ورد فيها ذكر «فاران» في الكتاب المقدس أنها تقع في صحراء فلسطين في جنوبها، لكن تذكر التوراة أيضا أن إسماعيل قد نشأ في برية فاران. (انظر: التكوين ٢١/٢١)، ومن المعلوم تاريخيا أنه نشأ في مكة المكرمة في الحجاز. ويرى المسلمون أن النص نبوءة عن ظهور عيسى عليه السلام في سعير في فلسطين، ثم محمد ﷺ في جبل فاران، حيث يأتي ومعه الآلاف من الأطهار مؤيدين بالشريعة من الله عزوجل.
وذلك متحقق في رسول الله لأمور:
[١]. أن جبل فاران هو جبل مكة، حيث سكن إسماعيل، تقول التوراة عن إسماعيل: (كان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر) (التكوين ٢١/ . ٢ – ٢١).
[٢]. أن وجود منطقة اسمها فاران في جنوب سيناء لا يمنع من وجود فاران أخرى، هي تلك التي سكنها إسماعيل، فقد ورد مثلا إطلاق اسم سعير على المنطقة التي تقع في أرض أدوم والتي هي حاليا في الأردن، وتكرر ذلك الإطلاق في مواضع عديدة في الكتاب، ولم تمنع كثرتها أن يطلق ذات الاسم على جبل في وسط فلسطين غربي القدس في أرض سبط يهوذا. (انظر: يشوع ١٥/١٠).
ولنا أن نسأل أولئك الذين يصرون على أن فاران هي فاران سيناء: من هو القدوس الذي تلألا من ذلكم الجبل الذي لا يرتبط بأدنى علاقة بأي من أحداث الإنسانية المهمة، فمن الذي تلألا عليه؟
[٣]. لا يقبل قول القائل بأن النص يحكي عن أمر ماض، إذ التعبير عن الأمور المستقبلة بصيغة الماضي معهود في لغة الكتات المقدس.
[٤]. ونقول: لم خص جبل فاران بالذكر دون سائر الجبال لو كان الأمر مجرد إشارة إلى انتشار مجد الله كما زعم بعض كُتّاب اليهود، فإن مجد الله لم يتوقف عند حدود فاران أو جبل سعير .
[٥]. ومما يؤكد أن الأمر متعلق بنبوءة الحديث عن آلاف القديسين، والدين تسميهم بعض التراجم «أطهار الملائكة»؛ أي: أطهار الأتباع، إذ يطلق هذا اللفظ ويراد به: الأتباع، كما جاء في سفر الرؤيا أن (ميخائيل وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنينُ وملائكتُه . ..) (الرؤيا ١٢/ ٧). فمتى شهدت فاران مثل هذه الألوف من الأطهار إلا عند ظهور محمد ﷺ وأصحابه؟
[٦]. وما جاء في سفر حبقوق يؤيد قول المسلمين حيث يقول: ( الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوباء، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الامم…) (حبقوق ٣/٣- ٦).
فالنص شاهد على أنه ثمة نبوة قاهرة تلمع كالنور، ويملأ الآفاق دوي أذان هذا النبي بالتسبيح.
وتيمان كما يذكر محررو الكتاب المقدس هي كلمة عبرية معناها: «الجنوب»، لذا يقول النص الكاثوليكي للتوراة: (االله يأتي من الجنوب، والقدوس من جبل فاران)، ولما كان المخاطبون في فلسطين فإن الوحي المبشر به يأتي من جهة الجنوب؛ أي: من جزيرة العرب، فالقدوس سيبعث في جبل فاران. ومن هذا كله فالقدوس المتلألئ في جبال فاران هو نبي الإسلام، فكل الصفات المذكورة لنبي فاران متحققة فيه، ولا تتحقق في سواه من الأنبياء الكرام) انتهى باختصار.
و من الكتب في هذا الباب:
١. تباشير الإنجيل والتوراة بالإسلام ورسوله ﷺ. لنصر الله أبو طالب.
٢. يجدونه مكتوبا عندهم. لفيصل علي الكاملي .
٣. هل بشّر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ؟ لمنقذ السقار.

الكاتب: أ. أحمد بن يوسف السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى