شبهات حول التشريع الإسلامي

شبهات حول التشريع الإسلامي

لا زلنا في النوع الأول من نوعي الشبهات المعاصرة ألا وهو: الشبهات ‏التي يراد بها الطعن في أصل الإسلام، وذكرنا أنها تعود إلى أربعة أبواب، وهذا هو الباب الرابع: شبهات حول التشريع الإسلامي.

وأبرز ما يثار من إشكالات حول هذا الباب ثلاثة أمور:

  • الأمر الأول: ادعاء مظلومية المرأة في الإسلام.
  • والثاني: ادعاء أن الدين الإسلامي دين سفك للدماء وإرهاب بسبب ‏شعيرة الجهاد.
  • والثالث: ادعاء الوحشية في الحدود والعقوبات الشرعية. ‏
  • الأمر الأول: وهو ادعاء مظلومية المرأة ‏في الإسلام ‏

فإنهم يستدلون على مظلوميتها بعدد من التشريعات الإسلامية التي لم ‏يفهموا حكمتها، وبِعادات خاطئة يمارسها بعض المسلمين، فينسبها الطاعنون ‏إلى الشريعة جهلا أو تدليساً. ‏

وباب الشبهات حول المرأة في الإسلام قد تناوله الباحثون كثيرا، ‏وأجاب علماء المسلمين عن تلكم الإشكالات في مقالات، وبحوث وكتب ‏وندوات، ومحاضرات ومشاريع، وقد امتلأت المكتبة الإسلامية المقروءة ‏والمسموعة والمرئية بالمنتجات في هذا الباب. ‏

ومن أبرز الإشكالات المثارة في هذا – مع أنها أخذت حظها من النقاش ‏والرد، وقد أجبت عنها في كتاب كامل الصورة 2 وأذكرها هنا لشهرتها في ‏الخطات الغربي، مع عدم حبي للتكرار – ألا وهي قضية ميراث المرأة، وأن ‏من الظلم لها أن يكون على النصف من ميراث الرجل، والرد على هذه الشبهة ‏من وجوه: ‏

  • الأول: أن الميراث له حالات متعددة، منها ما تعطى فيه المرأة أكثر من ‏الرجل، ومنها ما تعطى فيه مساوية للرجل، ومنها ما ترث فيه الأنثى ‏ولا يرث الرجل، ومنها ما يكون نصيبها فيه أقل من نصيب الرجل، فلو ماتت ‏امرأة وتركت زوجا وبنتا فإن البنت هنا ترث أكثر من الزوج، ولو مات ابن ‏وخلف أبوين وأولاداً فإن نصيب الأب والأم يكون متساويا لقول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، مع العلم أن قول الله: ﴿‏لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] هو في نفس الآية، غير أنهم يجهلون ‏ذلك أو يتجاهلونه، كما أن من الحالات التي يتساوى فيها الذكر بالأنثى ما ‏جاء في قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: 12] وهذا في حال الإخوة لأم.
  • الوجه الثاني: أن الذكر وإن أعطي في بعض الحالات مثل حظ الأنثيين ‏إلا أنه مأمور شرعا بأن يبذل للأنثى مهرا عند زواجه بها، ومأمور كذلك أن ‏ينفق عليها طول حياته حين تكون زوجة له ولو كانت غنية، أفيُستكثَر عليه بعد ‏ذلك أن يكون له نصيب من الميراث على الضعف من نصيبها؟
  • الوجه الثالث: أن منشأ هذا الاستنكار هو مخالفة ما قرروه واستحسنوه من‏التساوي المطلق بين الذكر والأنثى في كل شيء، وهذا التساوي يخالف ‏طبيعة تركيب كل منهما، وبالتالي فهو مخالف للعدل، بينما تجد الإسلام ‏يجعل التساوي في التشريعات هو الأصل ما لم يكن مخالفا لطبيعة المرأة أو ‏لما يصلح لها، فنجده يمنحها حق التزين بالذهب لاحتياجها الأنثوي للتزين ‏والتجمل بالحلي، بينما يمنع ذلك على الرجل، كما نجد في القرآن والسّنة ‏تشديداً ووعيداً في ترك الجهاد في سبيل الله – إذا وجب – ولكن هذا في حق ‏الرجال لا النساء، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم ‏المؤمنين رضي الله عنها قالت: «استأذنت النبي ﷺ في الجهاد، فقال: جهادُكنّ ‏الحج». قال ابن بطال رحمه الله تعالى: «دل حديث عائشة على أن الجهاد ‏غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله: «جهادكن الحج» أنه ليس لهن ‏أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن عليهن واجباً» انتهى. ‏

وأما أولئك المنادون بالمساواة المطلقة للمرأة مع الرجل، فإنك إن ‏نظرت إلى واقعهم لا تجد أنه مصدق لدعواهم في كل الجوانب، فعلى كرسي ‏رئاسة الدولة – مثلا – لا تقارن نسبة النساء بالرجال بل لا تكاد تذكر، فهل ‏هذا لأنهم علموا أن جنس الرجل أقدر على هذا العمل من المرأة؟ أم لأن ‏المبادئ تنهار أمام شهوة الحكم؟ أم لأن أساس دعوى المساواة عندهم زائفة؟ ‏

ومن جهة أخرى فإننا إذا تعاملنا مع كلام المدّعين مظلومية المرأة في ‏الإسلام بتفكير ناقد ونظرة شمولية فاحصة لنكتشف الثغرات التي تتخلل ‏خطابهم فسنجد أنهم يقومون بعملية تدليس كبيرة في هذا الباب، منها:

  • أولا: أنهم يخلطون بين عادات بعض المنتسبين للإسلام التي يظلمون ‏بها المرأة، وبين الحكم الإسلامي.

فمثلا: حين يقوم ولي المرأة بإكراهها على الزواج ممن تكره، فإنهم ‏ينسبون ذلك إلى الإسلام؛ لأن الذي قام بذلك شخص مسلم، والصواب: أن ‏هذه العادة مما جاء في الإسلام النهي عنها، فقد ثبت في الحديث الصحيح ‏عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى ‏‏تُستأذن» قالوا: يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».

  • ثانيا: أنهم لا يذكرون جوانب الإكرام والتقدير التي قررها الإسلام ‏للمرأة مما قد لا تحظى به في أي مكان وزمان ونظام آخر! ويظهر ذلك جليا ‏في حق الأم المعظم، حتى إن قارئ القرآن ليدرك أن للأم حقا في الإسلام ‏ليس أعلى منه إلا حق الله وحق رسوله فقط، فتجد الأمر ببرها معطوفاً على ‏الأمر بالتوحيد ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، ‏وتجد الحث على شكرها مقروناً بالحث على شكر الله ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14]، وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ‏رسول الله! من أحق الناس بحسن ‏صحابتى؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: ‏«أمك»، قال: ثم من؟ قال: ‏«أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».
  • ثالثا: أنهم لا يذكرون الأحكام الخاصة بالمرأة التي جُعلت تخفيفا عليها ‏في مقابل التشديد على الرجل فيها بما يناسب الفارق بينهما، فيجوز للمرأة ‏لبس الذهب ويحرم ذلك على الرجل، ويجوز للمرأة لبس الحرير ويحرم على ‏الرجل، ويجب على الرجل بذل المال وجوبا للزوجة كنفقة مستمرة ولو كانت ‏غنية، ولا يجب على المرأة الإنفاق عليه!

ويجب على الرجل حضور صلاة الجماعة في المسجد – على الأقرب ‏من أقوال الفقهاء – ولا يجب ذلك على المرأة. ‏وتؤخذ الجزية من الرجال غير المسلمين ولا تؤخذ من النساء!

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه أحكام أهل الذمة: «ولا جزية على صبي ‏ولا امرأة ولا مجنون؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة وأتباعهم». قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم. وقال أبو محمد في المُغْني: «لا نعلم بين أهل ‏العلم خلافا في هذا».

  • رابعا: أنهم يتجاهلون الآثار السيئة الكثيرة المترتبة على الانفلات من ‏تشريعات الله للمرأة.

ومنها على سبيل المثال: إسقاط ملايين الأجنّة سنوياً بعمليات الإجهاض ‏التي تسببت بها علاقات غير شرعية؟ أليس لها حق الحياة؟ فبأي ذنب قُتلت؟

  • الأمر الثاني من الشبهات حول التشريع الإسلامي: شبهات حول الجهاد والقتال في الإسلام ‏

وهذا الباب من أكثر الأبواب حساسية عند غير المسلمين، ومن أكثرها ‏تداولا، ولا يمكن تناول كل شيء فيه في هذا المقام المختصر، إلا أن هناك ‏إشارات منهجية يحسن ذكرها، وهذه الإشارات تتناول جوانب الخطأ أو ‏التدليس في خطاب المشككين في الإسلام عن طريق شعيرة الجهاد، فمن ‏ذلك : ‏

  • أولا: أنهم يبنون تصورهم عن شعيرة الجهاد في الإسلام من خلال ‏الجماعات الجهادية أو القتالية المعاصرة التي تنتمي إلى الإسلام، وهذا ‏الحكم ليس منهجيا، ولا علميا، بل الصواب أن هذه الجماعات تُحاكَم إلى ‏الإسلام، وليس العكس، ومعنى قولنا: «تُحاكَم إلى الإسلام»؛ أي: تُعرضُ ‏أعمالها على نصوص القرآن وهدي النبي ﷺ في القتال وتوجيهاته، فما وافقها ‏فذاك، وما خالفها فإنه لا يُنسب ‏إلا إلى من ابتدعها وعملها.

والسؤال الموجه للمشككين في المقابل: هل يحكمون على الإلحاد بأنه مذهب إجرامي إرهابي بسبب ‏أفعال الشيوعيين الملحدين الذي ارتكبوا في ‏العصر الحديث أبشع الجرائم؟ أم أن الميزان في الحكم يختل إذا كان ‏المحاكَم غير مسلم؟ ‏

  • ثانيا: أنهم يجهلون أو يتجاهلون جوانب الرحمة والرفق في أحكام ‏الجهاد في الإسلام.

فعلى سبيل المثال: القانون الإسلامي المتمثل في نصوص الوحيين فيه ‏نص واضح بيّن بعدم جواز استهداف النساء والأطفال بالقتل، وفيه نص واضح على الكف عن قتال المحاربين إذا هم رجعوا عن كفرهم ، وفيه نص ‏واضح على جواز إبقاء الكفار – أو أهل الكتاب – على كفرهم ودينهم إذا هم ‏دفعوا الجزية، وفيه نص واضح بيّن على تحريم الغدر مع كل أحد، وفيه ‏امتداح إيثار الأسير بالطعام، وفيه نص بيّن في التحريم المؤكد للتمثيل بجثث ‏الأعداء، وفيه نص على تأمين من ‏جاء من المحاربين يريد الاستماع ‏للإسلام ثم إيصاله إلى مأمنه وإن لم يُسلم!.

وهذه كلها من المعانى السامية والأخلاق العالية في الحرب والتي لا ‏تجد عند غير المسلمين مثلها. ‏

  • ثالثا: أنهم يتناسون ملايين البشر الذين قتلوا على أيدي غير المسلمين ‏في التاريخ المعاصر والقديم، ولو عاملوا الأديان والدول والتوجهات التي ‏تنتمي إليها الجيوش التي شاركت في تلك الحروب بنفس الطريقة التي يعاملون ‏بها الإسلام لأسكتهم الخجل من أنفسهم قبل أن يتكلموا ضد المسلمين . ‏

بعد هذه النقاط الثلاثة أقول: شتان بين دوافع القتال في الإسلام ‏وبين دوافعه في غيره، ومن الظلم التسوية بين القتال لأجل دين أنزله الله وأمرَ ‏بالدفاع عنه، وبين القتال لأجل دين محرف أو مذهب وضعي زائف. ‏

وليس الدافع للقتال في الإسلام اجتثاث الكفار، ولا إفناءهم قتلا، ولا ‏التسلط عليهم بالظلم والطغيان، وإنما الدافع لذلك هو نشر دين ‏الله، وإنقاذ ‏الناس من النار، والتخلية بينهم وبين ‏الاختيار الحر للدين بإزالة الطغاة ‏المتسلطين على رقاب الضعفاء، وأما وجود نماذج إسلامية في التاريخ خالفت ‏هذا المبدأ، فإنه لا يعود عليه بالإبطال وإنما يعود على المخالف بالذم.

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى