شبهات حول السُّنة النبوية

شبهات حول السُّنة النبوية

والإشكالات المثارة حول السُّنة هي الأكثر حضوراً من بين هذه الأبواب، ويعود غيرها إليها، وتجد – في الغالب – من عنده إشكالات في باب السُّنة فإن لديه إشكالات في أبواب كثيرة أخرى؛ كالحدود، وأخبار الغيب، والمعجزات، وعذاب القبر، ونحو ذلك.

ومن ضَبَطَ باب حجية السُّنة وأتقن الرد على الإشكالات المثارة حولها، ثم ضبط باب العلاقة بين العقل والنقل، وبين العلم التجريبي والنقل، فقد أخذ بمجامع الردود على النسبة الكبرى من الشبهات المثارة حول الثوابت الشرعية .

وترجع الإشكالات المثارة على حجية السُّنة إلى ستة أمور:

  • الأمر الأول: أصل حجيتها والاستغناء بالقرآن عنها:

ويستدل المشككون في السُّنة على دعواهم في الاستغناء بالقرآن عنها بعدد من الآيات القرآنية، منها:

  • قول الله سبحانه وتعالى : ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38].

قالوا: وهل تريدون أوضح دلالة من هذه الآية في أنه لا حاجة إلى السُّنة بعد القرآن؟

والجواب: أن المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ، وليس القرآن، بدليل سياق الآية نفسها: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38] وهي كقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ [هود: 6]، فرزق كل دابة ومستقرها ومستودعها إنما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وليس في القرآن!.

ولو سلمنا – جدلاً – بأن المراد بالكتاب هنا القرآن فإنه لا وجه للاستدلال بالآية على إسقاط حجية السُّنَّة، وبيان ذلك في التعليق على دليلهم الثاني.

  • الدليل الثاني: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89].

 قالوا: فبما أن القرآن تبيان لكل شيء فما الحاجة إلى السُّنة؟

والرد على الاستدلال بهذه الآية: أن من تبيان القرآن إرشاده إلى اتباع الرسول ﷺ والتحذير من مخالفته، وقد جاء ذلك في القرآن في عشرات المواضع، فيها من صيغ العموم ما لا يمكن حمله على خصوصية ما بلَّغَ من القرآن، وبالتالي؛ فمخالفته ﷺ إنما هي مخالفة للقرآن الكريم.

قال البيضاوي في تفسيره لهذه الآية التي استدلوا بها: «﴿لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السُّنَّة أو القياس» انتهى. وقال الألوسي في روح المعاني مفسراً هذه الآية: «وكون ﴿الْكِتَابَ تِبْيَانًا﴾ لذلك باعتبار أن فيه نصّاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السُّنَّة حيث أمر باتباع النبي ﷺ، وقيل فيه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [النجم: 3] وحثّاً على الإجماع في قوله سبحانه: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾».

وقال الشوكاني في فتح القدير: « ومعنى كونه ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ أن فيه البيان لكثير من الاحكام، والإحالة فيما بقي منها على السُّنة».

  • الدليل الثالث: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114].

قالوا: فأنتم باتباعكم السُّنة قد اتخذتم غير الله حكماً؛ وهذا شرك! ولذلك فإن كثيراً منهم يسمي أهل السُّنة مشركين كفرة، بسبب اتباعهم للرسول ﷺ في سنَّته! ولا أتحدث هنا عن خيال أو أساطير، بل أتكلم عن واقع حقيقي من أعجب ما يمكن أن تراه في الناس! وبالمناسبة، فالقرآنيون المنكرون لجميع السُّنة هم من أعجب الناس، وأضيقهم أفهاماً وأصغرهم عقولاً، ومع أني لا أحب أن أتحدث عن المخالفين بهذه الطريقة إلا أني رأيت منهم العجب! ولديهم قناعة بباطلهم بصورة غير عادية! حتى إن أحدهم طلب مني المباهلة وهو من أجهل خلق الله!.

وعلى كل حال فالرد على استدلالهم بهذه الآية من وجوه، منها:

  • أولا: الله سبحانه أرشد في القرآن صراحة إلى اتخاذ حكام يحكمون بين الناس بالعدل، فمن ذلك قوله سبحانه: ﴿وإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] ولو لاحظنا فإن (حَكَماً) جاءت هنا بنفس التركيب واللفظ الذي جاء في الآية التي يستدلون بها!، وأيضاً، فقد جاء الإرشاد باتخاذ الحكام في قول الله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95] وقوله: ﴿وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] فكيف يوفقون بين هذه الآيات وبين فهمهم لقول الله: ‏﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114]‏؟ وإذا كان الله قد أرشد إلى اتخاذ رجل من أمة محمد (حَكَماً) في الخلاف الأسري؛ أفيكون اتباع محمد ﷺ نفسه فيما يأمر به وينهى عنه شركاً؟! ما لكم كيف تحكمون؟
  • ثانيا: أن طاعة الرسول ﷺ إنما هي طاعة لله سبحانه، كما قال الله سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وقد أمر الله في القرآن صراحة برد النزاع إلى الرسول وتحكيمه فقال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].
  • ثالثا: أن المراد بهذه الآية ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: 114]‏؛ أي: أي بيني وبينكم».

وقال ابن عاشور: «والمعنى: لا أطلب حكَماً بيني وبينكم غير الله الذي حكم حكمَه عليكم بأنكم أعداء مقترفون». وغيرهما من المفسرين كثير قالوا بقولهما وتركتُ النقل عنهم تخفّفاً.

وما سبق هو الرد على أبرز أدلتهم، ثم ننصب بعد ذلك أدلة حجية السُّنة، ليرتفع البناء بعد زوال الإشكال.

ووجوه إثبات حجيتها كثيرة من القرآن، والسُّنة، والإجماع، وعمل المسلمين المتواتر المستمر في كل الدهور، وسأشير هنا إلى أهم الدلائل باختصار شديد، وقد بينتُها بصورة أوسع في كتاب «أفي السُّنة شك؟».

فمن القرآن: جاءت آيات كثيرة فيها الأمر بطاعة الرسول ﷺ، وتحكيمه عند النزاع، والنهي عن مخالفته، ووجه الدلالة من تلك الآيات: أننا مخاطبون بالقرآن كما خوطب به أصحاب محمد ﷺ، ومما خوطبنا به من القرآن آيات طاعة الرسول ﷺ، ولا سبيل لنا لامتثالها إلا باتباع ما ثبت من الأخبار الصحيحة عنه، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه «جماع العلم»: «فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزّ وجل في اتباع أوامر رسول الله ﷺ، أو أحد قبلك أو أحد بعدك، ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ – : إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟» .

وأيضا؛ من دلالة القرآن على حجية السُّتة: آية سورة النساء: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. فقوله سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾، يشمل كل شيء، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. المراد بالردّ إلى الله: الرد إلى كتابه –  وهذا واضح لكل أحد-، وكذلك فإن الرد إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته، وإلى سنّته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم.

قال ابن حزم رحمه الله تعالى: «والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا، وإلى كل من يُخلَق، ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنّة والناس». وقال ابن القيم رحمه الله: «الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنّته بعد وفاته».

وأما دلالة حجية السُّنة من السُّنَّة نفسها – وهذا الاستدلال إنما يفيد من يأخذ ببعض السُّنَّة ويترك بعضها ومن هو متذبذب في موقفه من السُّنَّة، وأما منكرها مطلقاً فلا يفيده هذا الاستدلال إلا في باب المحاجة، إذا استدل علينا ببعض الآثار، فنقول له: لا تستدل علينا ببعض ما نؤمن به، بل بجميعه – والنصوص الصحيحة في إثبات حجيتها كثيرة، ومنها: ما رواه غير واحد من أصحاب السنن، من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ من أمري؛ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ »، وهو حديث إسناده صحيح، وهو نص في المسألة دالِّ على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله ﷺ مما زاد على القرآن.

وأخرج الإمام أحمد من وجه آخر في مسنده من حديث المقدام عن النبي ﷺ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه»، وإسناده لا بأس به .

وأما دلالة الاجماع على حجية السُّنة:

فالإجماعات على ذلك كثيرة، والإجماع العملي بيِّنٌ في هذه المسألة، وأعني به توارد العلماء على الاستدلال بالسُّنة والعمل بها، وسأكتفي بنقلين هنا فقط :

  • في قول الله ما : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59] قال الإمام عبد العزيز الكناني: «هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته؛ فإنما هو إلى سُنّته، وإنما يشك في هذا الملحدون».
  • وقال ابن عبد البرّ القرطبي المالكي – رحمه الله تعالى – في مقدمة التمهيد: «أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار – فيما علمت – على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً». اهـ . وهذا إجماع على حجية خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.
  • الأمر الثاني: من الإشكالات المثارة على السُّنة: التشكيك في حجية أحاديث الآحاد:

أُذكّر بدايةً بأن أخبار الآحاد – اصطلاحاً – ليست منحصرة في خبر الشخص الواحد، وإنما فيما دون التواتر؛ فخبر الواحد والاثنين والثلاثة وأكثر كلها أخبار آحاد، ما لم تصل إلى حد التواتر.

وأبرر الإشكالات المثارة على حجية أخبار الآحاد أمران، بُني ثانيها على أولها:

  • الأول: إطلاق القول بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن.
  • والثاني: ادعاء أن الظن كله مذموم.

وصياغة حجتهم كالتالي: أخبار الآحاد تفيد الظن، وكل ظن فهو مذموم في القرآن؛ إذن: الأخذ بأخبار الآحاد أمر مذموم في القرآن.

والرد على هذه الحجة يكون بإبطال إحدى المقدمتين؛ فإن لم يقنعك ما كُتب من إبطال كلا المقدمتين، فيكفي لعدم صحة النتيجة إبطال إحداهما فقط، وأزعم أن هذا حاصل هنا.

  • فأما المقدمة الأولى (أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن) فهي غير صحيحة شرعاً ولا واقعاً.
  • فأما شرعاً فلأن النبي ﷺ كان يقيم الحجة على الأمم، في أصل دين الإسلام، بآحاد من أصحابه يبعثهم إليهم، ومثل هذا إنما يكون بما يقطع كل احتمال للريب.
  • وأما واقعاً؛ فلأننا جميعا (الموافقين والمخالفين) يحصل لنا اليقين في كثير من أحوالنا بناء على أخبار آحاد لم تصل إلى حد التواتر؛ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصَر، من أخبار الزواج والوفاة والولادة والنجاح والفشل والربح والخسارة… إلخ، فيكون اعترافنا بحصول اليقين بهذه الأخبار الآحادية كافياً في نقض الإطلاق بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن .

وأخبار الآحاد (الصحيحة) المنقول بها السُّنة، فيها ما يفيد اليقين، وفيها ما يفيد الظن الراجح، بحسب أحوال الرواة والأسانيد والقرائن لكل رواية بعينها.

  • وأما المقدمة الثانية، وهي أن (اتباع الظن مذموم في القرآن) فهذا التعميم غير صحيح، فقد جاء في القرآن ذم نوع من الظن وامتداح آخر، فجاء في الذم قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28] وجاء في المدح ﴿الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 45-46]، والظن في هذه الآية معناه: اليقين؛ وإلا فهل يفيد ظنهم شيئاً لو كان لديهم أدنى نسبة من الريب في لقاء ربهم؟ قال القرطبي في تفسيره: «والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 20] وقوله: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: 53]» انتهى.

وقال الإمام الشنقيطي بعد أن ذكر عدداً من الآيات القرآنية التي ورد فيها الظن بمعنى اليقين: «فالظَّنُّ في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين، والعرب تُطلق الظَّن على اليقين وعلى الشك» انتهى.

ومقارنة الظن المستفاد من أخبار الآحاد الصحيحة بظن المشركين المذموم في الآية مقارنة خاطئة لا شك في خطئها، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره لآية النجم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28] قال: «والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين» انتهى.

وأيضا فإن الله سبحانه قد شرع في كتابه الأخذ بشهادة الشهود، وهم آحاد، فإما أن يقول المخالفون إن شهادتهم تفيد اليقين فيكون في ذلك نقض للمقدمة الأولى، وإما أن يقولوا بأنها تفيد الظن ومع ذلك شُرعت، فيكون في ذلك إبطال للمقدمة الثانية، فما ثبت أنه تشريع من الله لا يكون مذموماً بحال.

قال ابن حزم رحمه الله: «إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة، عن النبي ﷺ. وأيضاً فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد».

وقد ذكرتُ وجوهاً أخرى في الرد على المشككين في حجية أحاديث الآحاد في كتابي: «أفي الشنة شك».

 

 

  • الإشكال الثالث: حول نَقَلَة السُّنَّة ورواتها:

فيقولون: إن السُّنة قد نُقلت إلينا عن طريق رجال غير موثوقين، ولا مأمونين، ويستدلون على ذلك ببعض ما رُوي عن عدد من رواه السُّنَّة من مخالفات شرعية.

والرد على هذا الإشكال من وجوه:

  • الوجه الأول: أن علم الجرح والتعديل يعطي كل شيء قدره من جهة الطعون في الرواة، فإن من الطعون ما يؤثر في قبول الرواية ومنها ما لا يؤثر، وأما التعامل السطحي مع الراوي دون تفريق بين ما يؤثر و ما لا يؤثر في القبول فهذا غلط.
  • الوجه الثاني: كثير من القصص التي طُعِن على الصحابة أو الرواة الثقات بسببها، لا تثبت من جهة الإسناد! وذلك مثل الطعن على أبي هريرة بأنه إنما لزم النبي ﷺ من أجل الطعام، وأن النبي تضايق من كثرة دخوله عليه لأجل ذلك، فقال له: «يا أبا هر: زُر غِبّاً تزدد حُبّاً»، فرَبطُ حديث (زُر غباً) بقضية الطعام باطل، بل إنّ حديث زر غبا من أصله لا يثبت. فقد قال البزار: لا يُعلم في «زر غبا تزدد حباً» حديث صحيح. وذكر العُقيلي أنه ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء يثبت.
  • الوجه الثالث: أن علم الجرح والتعديل هو الميزان في هذا الباب، وقد بلغ الغاية في الإتقان البشري، وكثير ممن يطعن في علم الحديث لا يعرف قدر هذا العلم ولا يعرف دقة المحدثين فيه، وقد وضعوا قواعد موضوعية في باب الجرح والتعديل طبقوها على الموافق والمخالف لهم في المذاهب الفقهية والعقدية، ولذلك تجد في كتابي البخاري ومسلم رواة من مختلف المذاهب العقدية، ففيهما الراوي السُّني، والشيعي، والناصبي، والقدري، والخارجي، بشرط أن تثبت عدالته وصدقه، وأما من لم تثبت عدالته فإنهم لا يخرجون له، سواء أكان سُنيّاً أم ليس سُنّي.
  • الإشكال الرابع: حول النهي عن كتابتها وما يتعلق بتاريخها وتدوينها:

فأما ما يتعلق بالنهي عن الكتابة، فإن الذين يستدلون بالحديث الوارد في ذلك فإنهم يقعون في الاضطراب والتناقض وسوء الاستدلال من أربعة وجوه:

  • الوجه الأول: أنهم يستدلون بالسُّنَّة التي لا يرونها حُجة على عدم حجيتها.
  • الوجه الثاني: أنّ الذي جاء عنه النهي عن كتابة الحديث ﷺ هو الذي أمر بحفظه وتبليغه ونهى عن رده، والأسانيد في ذلك صحيحة بل أصح من حديث النهي عن الكتابة؛ فلماذا الانتقائية؟ أفيؤمنون من الحديث بما يوافق أهواءهم، وما لا؛ يردّونه؟!
  • الوجه الثالث: أنه كما جاء حديث في النهي عن الكتابة، فقد جاءت أحاديث متعددة في الرخصة بها، منها قوله ﷺ مجيباً طلب أبي شاه في كتابة خطبته: «اكتبوا لأبي شاه»، ومنها أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأيّده النبيّ ﷺ على ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق، وأشار إلى فيه».

فعلى أي أساس يقوم المنكرون للسُّنَّة باختيار حديث النهي وإلغاء أحاديث الرخصة؟

  • الوجه الرابع: أن هناك فجوة في الاستدلال بالنهي عن الكتابة على عدم الحجية! فالصواب في الاستدلال بالنهي عن الكتابة ألا يُتَجاوَز به مورد النص، وهو الكتابة، لا الحُجيّة؛ إذ النص لا إشارة فيه للحجية من قريب ولا من بعيد، بل جاء في حديث النهي عن الكتابة نفسِه قولُ رسول الله ﷺ: «وحدثوا عني».

وبعد ذلك، فإن من أهل العلم من قال: إن النهي عن الكتابة لا يصحّ مرفوعاً إلى النبي ﷺ، وأن الصواب فيه الوقف على أبي سعيد الخدري (أي: أنه من كلام أبي سعيد). وهذا المسلك هو طريقة الإمام البخاري (رحمه الله)، وقد ذكر ذلك ابن حجر (رحمه الله) في (فتح الباري)، وبعضُ طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله.

ومن أهل العلم من أثبت الحديث ولكنهم رأوا أنه منسوخ بأحاديث الرخصة، وهناك وجوه أخرى يطول الكلام بسردها. ومن المراجع في هذا الباب للتوسع:

  1. كتاب تقييد العلم، للخطيب البغدادي.
  2. كتاب تدوين الحديث، للسيد مناظر الكيلاني، مكتوب بالأوردية ومترجم للعربية طبعته دار الغرب.
  3. كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، لمحمد مصطفى الأعظمي.
  4. كتاب السُّنة قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب.
  5. كتاب تدوين السُّنة النبوية، لمحمد مطر الزهراني.

وأما ما يتعلق بتأخر تدوينها: فإن الإشكال الذي يثار في هذه القضية مبني على تصور ناقص لطريقة توثيق السُّنة، ولذلك؛ فإن الإجابة الوافية عن هذا الإشكال، تكون بالعرض التفصيلي لتاريخ توثيق السُّنَّة، وطريقة روايتها ونقلها، وما لم يكن عند المرء تصور تفصيلي لذلك فإنه لن يعرف وثاقة نقل السُّنة، وسيظل يتحدث عن تصورات ذهنيّة لا واقعية.

مع العلم بأنّ التدوين لم ينقطع من وقت النبي ﷺ إلى وقت التدوين الشامل، وممن اعتنى بتتبع الصحف التي كتبت في مرحلة ما قبل التدوين الشامل، الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه.

  • الإشكال الخامس: حول علم الحديث ومناهج المحدثين:

يقول كثير ممن ينكر السُّنة أو يشكك فيها: «إنه لا يُنكرها من حيث هي سُّنَّه، وإنما من جهة عدم الوثوق بطريقة نقلها» وهنا سؤال مهم لهؤلاء؛ ألا وهو: هل يستحيل – علميّاً – معرفة صحّة الأخبار المنقولة عن النبي ﷺ من ضعفها؟ الجواب ب(نعم) أو (لا)  لا بد أن يكون مبنيّاً على تصور تام صحيح لواقع الرواية والرواة والأسانيد، ولا بد أن يُبنى بعد تصور تام ل(العلم) المتعلق بتحقيق صحة الأخبار النبوية، وهو (علم الحديث) كونه الأداة المتفق على الاعتماد عليها بين أهل السُّنَّة في معرفة صحة الأخبار، وكونه الأشهر أو الذي لا يكاد يوجد غيره في هذا الباب، وكونه مبنيّاً على الأمر الأول الذي هو التصور التام الصحيح لواقع الرواية.

وأقول بتمام الثقة: إن أغلب المشككين في السُّنَّة لا يملكون تصوراً واقعياً عن الأمرين كليهما، لا عن واقع الرواية والرواة، ولا عن العلم المتعلق بذلك؛ فكيف يحكمون بأن نقل السُّنَّة غير موثوق؟ وعلى أي شيء يبنون؟!

إذا فالخطوة الأولى للحكم على علم الحديث بعدم الصلاحية والكفاية، هي: تصور هذا العلم تصوراً صحيحاً كما بناه علماؤه، وهذا – كما سلف – ما لا يتوفر في جُلّ المشككين فيه.

وأما بيان دقة المحدثين وانضباط منهجهم فيستبين من وجوه كثيرة، وكلما رجعنا إلى كتب المحدثين المتقدمين وطريقتهم كان ذلك أظهر في إدراك عظمة هذا العلم.

ومما يمكن أن يُظهر دقة هذا العلم وموضوعيته: الوقوف مع شروط الحديث الصحيح وتفصيلاته، وهي شروط خمسة: العدالة، والضبط، واتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة.

ومن يعرف علم الحديث معرفة مُحكمة؛ فإنه يستطيع أن يعرض ما يدخل تحت كل شرط من هذه الشروط الخمسة من دلائل التوثيق ومعالم الضبط، مما لا مزيد عليه في العلوم البشرية الممكنة.

مثال ذلك: إذا تحدثنا عن شرط الضبط، فإن مما يُعرض ضمن هذا الشرط: آلية حكم المحدثين على الراوي بالضبط، وهل حكمهم على راوِ بالضبط يعني أن كل ما يرويه صحيح؟ أم أنه يمكن أن يُخطى؟ وإذا كان  يخطى فكيف يتم اكتشاف خطئه وقد حكمنا عليه بأنه عدل ضابط؟ وهل الرواة الضابطون على درجة واحدة من جهة قبولنا لأخبارهم؟ أم أنهم على مراتب؟ وما الفائدة من هذه المرات؟ هل نقدم الأكثر ضبطاً منهم على من دونه حال التعارض؟  وما حكم الراوي الصدوق الذي يصيب كثيراً ويخطى كثيراً؟ متى يقبل المحدثون خبره ومتى يردونه؟ وكيف نعرف أن الراوي الذي حكمنا عليه بالضبط لم يتغير حفظه بعد سنوات من حُكمنا عليه؟ إلى آخر هذه التفاصيل التي تُظهر دقة قوانين علم الحديث.

  • الأمر السادس: استشكال أحاديث صحيحة معينة بدعوى التعارض:

إن استشكال روايات صحيحة ليس أمراً مُنكراً إذا كان على سبيل التفهم وطلب رفع ما تُوهِّم من تعارض، فقد استشكلت عائشة وحفصة وغيرهما من الصحابة بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ، وبيّن لهم ما يزيل الإشكال، وإنما المستنكر هو الفوضى في التعامل مع الروايات المُستَشكلة، واستجهالُ أئمة المسلمين، وعرضُ الأحاديث المتوهم تعارضها على سبيل الاكتشاف والمفاجأة للناس، مما قد أجاب العلماء عن وجه الإشكال فيه قبل قرون.

فلقد اعتنى علماء المسلمين بمبحث التعارض بين الأدلة، إما بين آيات القرآن، أو بين القرآن والحديث، أو بين الحديث والحديث، أو بين الحديث والعقل أو الحس، ورسموا منهجاً للتعامل مع هذه القضية، تجده في مبحث «التعارض بين الأدلة» في كتب الأصول، وفي مبحث «مختلف الحديث» في كتب علوم الحديث.

وقد أُلِّفت كتب كثيرة متخصصة في هذا المجال – قديماً وحديثاً – يطول سردها، أذكر منها على سبيل المثال والإشارة: اختلاف الحديث للشافعي، شرح مشكل الآثار للطحاوي، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.

ومن الكتب المعاصرة: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد دراسة لما في الصحيحين لعيسى النعمي، التعارض في الحديث النبوي للطفي الزغير، أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين لسليمان الدبيخي، وغيرها كثير.

وقد ذكرتُ في كتاب «أفي السُّنة شك؟» قواعد منهجية للتعامل مع الأحاديث التي يتوهم تعارضها مع القرآن، ومع العقل، ومع روايات حديثية أخرى، ومع العلم الحديث، فلتراجَع.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى