إشكالات حول الحدود الشرعيّة

إشكالات حول الحدود الشرعيّة

أكثر الجدل في باب الحدود الشرعية يعود إلى حد الرجم، وعقوبة الردة:

  • أولاً: حد الرجم:

يًنكر بعض المسلمين أن يكون في الإسلام عقوبة الرجم بالحجارة للزاني المُحصن، ويرون أنه أمر وحشي، والمستند الظاهري لاستنكارهم هو أنها عقوبة لم تُذكر في القرآن، خاصة وأن الجلد للزاني قد جاء في سورة النور دون الرجم، كما يرون أنها عقوبة تعارض بعض الآيات القرآنية .

فأما ما يتعلق بالوحشية فإن الرجم عقوبة وليس مكافأة ومن شأن العقوبات الزجر، وقد شرع الله في القرآن عقوبة رادعة زاجرة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، وهي قطع اليد والرجل من خلاف، ويقبلها كثير ممن يدعي الوحشية في الرجم.

إن تقدير العقوبات من الله سبحانه وتعالى أمر تابع لحكمته وعلمه، ونحن لم نخترع هذا الحد من عند أنفسنا، وإنما تصديقاً بالأخبار الصحاح الثابتة عن رسول الله ﷺ.

ومن المفترض أن يقول المؤمن: ما أبشع الزنا من المتزوج؛ لأن الله شرع فيه حدّاً شديداً وهو الرجم، وهذا يدل على قبح هذا الذنب.

وأما إنكار الرجم لأنه لم يرد في القرآن فغير مستقيم على طريقة المتبعين للنبي ﷺ؛ فقد ثبت عنه في الشنة القطعية أنه رجم عددا ممن زنى في وقته من المتزوجين، ووجه القطعية في هذه الأخبار أنها قد نقلت من وجوه صحيحة كثيرة تفيد العلم لمن يعرف قوانين الأخبار، وأحوال الرواة، لا من يجهل ذلك.  

وقد جمع أهل السُّنَّة على هذا الحد:

قال ابن عبد البر رحمه الله حيث قال: «وأما أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيِّباً كان أو غير ثيب، وإنما حد الزناة عندهم الجلد، الثيب وغير الثيب سواء عندهم. وقولهم في ذلك خلاف سُّنَّة رسول الله ﷺ، وخلاف سبيل المؤمنين فقد رجم رسول الله ﷺ، والخلفاء بعده، وعلماء المسلمين في أقطار الأرض متفقون على ذلك من أهل الرأي، والحديث. وهم أهل الحق» انتهى.

وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: «وجوب الرجم على الزاني المحصن…. وهذا قول عامة أهل العلم… ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج».

وقال ابن بطال: «وثبتت الأخبار عن الرسول أنه أمر بالرجم ورجم، ألا ترى قول علي: رجمنا بسُّنَّة رسول الله ﷺ ورجم عمر بن الخطاب، فالرجم ثابت بسُّنَّة رسول الله ﷺ وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم، منهم مالك بن أنس في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والثوري وجماعة أهل العراق، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة واعتلّوا بأن الرجم ليس في كتاب الله تعالى».

وأما إنكار العقوبة بدعوى تعارضها مع بعض الآيات القرآنية كقول الله في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ﴾ [النساء: 25]، فيقولون إن المحصنات هن المتزوجات، وعلى المتزوجات الرجم في قولكم، وهذا يعارض الآية؛ لأن الرجم لا يُنصَّف.

والرد على هذه الدعوي يكون ببيان خطأ تفسير المحصنات في الآية بالمتزوجات، بل المراد بهنّ: الحرائر، وهذا في غاية الجلاء لمن قرأ أول الآية؛ إذ فيها الحث على نكاح المحصنات؛ أي: الحرائر .

وعقوبة الحرائر إن زنين وكنَّ متزوجات: الرجم، وهو لا ينصف، وعقوبتهن إن كن غير متزوجات: مائة جلدة، وهي مما ينصف؛ فيكون حد الأمة الزانية إذاً نصف ذلك، وهو: خمسين جلدة.

وختاماً فإن الكلام عن الإشكالات المثارة حول هذا الحد أكبر من هذا العرض المختصر، وقد أجبت في كتاب كامل الصورة/١ عن بعض ما أثير عليه، وأحيل من يرغب التوسع في هذا الموضوع إلى كتاب «شبهات حول أحاديث الرجم وردها» للدكتور سعد المرصفي. وهو متوفر على الشبكة. مع العلم بأن عقوبة الرجم لا تكاد تتحقق إلا بالاعتراف؛ لأن شروط ثبوت الحد في غاية الصعوبة، والذي يجيء معترفاً فإنما هو مختار لذلك ليس مُكرهاً عليه، والمستحب هو الستر على النفس لا المبادرة بالاعتراف بالذنب، وحتى من رأى شخصا آخر على زنا؛ فإن الأفضل أن يستره، و لا يبلغ الحاكم عنه، إلا أن يكون مجاهر بسوء فقد يكون هذا من باب الردع والزجر .

  • ثانياً: عقوبة الردة:

أبرز اعتراض على هذه العقوبة هو أنها تعارض قول الله سبحانه وتعالى : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ﴾ [البقرة: 256]، وفي الحقيقة فإن هذه الآية لم تكن تخفى على أي عالم من علماء المسلمين، الذين أجمعوا على القول بأن للردة عقوبة القتل، قال ابن قدامة المقدسي: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين».

وها هنا لدينا ثلاثة احتمالات حيال موقفهم من الآية:

  • إما أنهم جميعا لم يفهموا المراد منها.
  • وإما أنهم فهموه وعلموه ولكنهم كتموه وتعمدوا مخالفته.
  • وإما أنهم علموا من تفسيرها ما لا يتعارض مع حديث قتل المرتد.

ولا شك أن الاحتمال الثالث هو الصواب، وهو الذي يرضاه كل مسلم لنفسه، فكيف بحق علماء الأمة كلهم.

فإنهم لم يكونوا غافلين عن هذه القضية، فقد قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: «المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنه أَكره على الإسلام قوماً، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم؛ كان بيِّناً بذلك أن معنى قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ﴾ [البقرة: 256] إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام».

وقال ابن كثير في تفسيره: «وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب».

وقضية عقوبة الردة من أكبر ما يُثار اعتراضاً على الإسلام من جهة المُلحدين، واللادينيّين، كما أنها تُثار من كثير المسلمين بقصد الدفاع عن الإسلام، حيث يرون أنها تخالف مبادئ التسامح الإسلامية، كما أنهم يستدلون ببعض الأحداث في السيرة النبوية، وهم في ذلك كله يتجاوزون النصَّ الصحيح الصريح عن رسول الله ﷺ في قتل المُرتد، وإن كانوا لا يتعمدون مخالفة هديه عليه الصلاة والسلام، – أعني المسلمين لمدافعين منهم – وفي رأيي أن هؤلاء الذين أشكلت عليهم هذه العقوبة من المسلمين يجب أن يُتعامل معهم دون تشنج، و انما بكشف الإشكالات، وتبيين ما يلتبس في هذا الباب، فإنه باب كثر فيه الكلام، وفيه من الآثار والأخبار ما يحتاج إلى ناظر عادل يجمع بين الفهم والتقوى ليصل إلى الصواب في هذه القضية.

كما أن التشبث بكلمة (حدّ) في هذا الباب قد تورث بعض الالتباس في الفهم.

ومنشأ الإشكال الأصلي في باب عقوبة الردة هو نابع من ثقافة مركزية الإنسان المسيطرة على هذا العصر، فإن هذه العقوبة لم تكن محل إشكال في التراث الإسلامي ولم يقع فيها هذا القدر من الإشكال إلا في العصر الحديث، مع أن المنكرين لهذه العقوبة لا يصرحون بقضية مركزية الإنسان وإنما يتشبثون ببعض النصوص التي توصل إلى إنكار هذه العقوبة في رأيهم ويحاولون توهين النصوص الأخرى لأسباب متكلفة جداً، تشعر الناظر بأن هذا الحرص والتشبث إنما ينبع من دافع باطن آخر قد لا يشعرون به، وهو ضغط ثقافة مركزية الإنسان، وأما حين كان سائدا في كل القرون السابقة ما يُعارض هذه الثقافة وما يُقدم مركزية الرحمن على مركزية الإنسان لم تكن تُستشكل هده العقوبة التي هي تابعة لدنوّ منزلة المرتد.

وعلى كل حال فليس من مرادي هنا استقصاء مستمسكاتهم في هذا الإنكار، وقد ذكرت في كتاب (كامل الصورة/ ١) عشرَ اعتراضات على عقوبة الردة والإجابة عنها، كما أن من الكتب المفيدة جداً في هذا الباب كتاب فضاءات الحرية لسلطان العميري، وكتاب الردة بين الحد والحرية لصالح العميريني.

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى