معالم الموجة التشكيكية المعاصرة وسماتها والخير المنطوي فيها ..


       مع أن القصد الأكبر في هذا الكتاب: بيان منهجية الوقاية والمعالجة من الشبهات الفكرية، وعرض أبرز التساؤلات والإشكالات والإجابة عنها، إلا أنه يحسن في البداية وصف الموجة التشكيكية المعاصرة، وبيان سماتها ثم أسباب التأثر السلبي بها، وبعد ذلك نَلج إلى المقصود بإذن الله.

معالم الموجة التشكيكية المعاصرة وسماتها:-

 أولاً:-

هذه الموجة في غالبها تثير الإشكالات، وتبرز الاعتراضات، ثم لا تقدم رؤية أو فكرة بديلة متماسكة، ويظهر هذا لدى المتابع للطرح الإلحادي؛ حيث يجد في كثير منه البعد عن تقرير الفكرة الإلحادية الأساسية، وهي نفي وجود الخالق، وإنما تجد أكثر اهتمامهم بنقد الدين – وخاصة الإسلام – مع وجود الثغرات الكبرى في صميم الفكرة الإلحادية ذاتها، ولكنهم يعرضون عنها، ولا ينشغلون بالإجابة عن الأسئلة الحقيقية التي تواجه اعتقادهم.

ثانياً:-

هذه الموجة محملة بالأسئلة المفتوحة دون حدود؛ ولا يوجد سؤال يمكن أن يستبعد منها، سواء ما كان منها متعلقا الله سبحانه، أو بأفعاله، أو بالتشريعات الإسلامية، ونحو ذلك، وهذا يستدعي استعدادا نفسيا ومعرفيا من المتخصصين للتعامل مع هذه الأسئلة.

 ثالثاً:-

 تحمل الموجة التشكيكية المعاصرة شعارات عامة ذات بريق وجاذبية، ولكنها غير محددة المعالم، وغير منسوجة نسجا منهجيا علميا يقي صاحبه من الفوضى أو التناقض، ومن أبرز هذه الشعارات: (تحرير العقل، نقد الموروث، رفض الوصاية، الحرية) ونحوها، وهذه الشعارات ليست باطلا محضا، وإنما تحتاج إلى بيان الإجمال الذي فيها، وفرز المقاصد الخاطئة التي يدعو إليها المشككون في الإسلام وثوابته عن طريقها، وتمييز المعاني الصحيحة عن تلكم المقاصد الفاسدة؛ حتى لا تتحكم الأهواء في تطبيقها على الواقع، فعلى سبيل المثال هناك من ينكر السنة كلها تحت دعوى (نقد الموروث)! وهذا استعمال فاسد نتيجة الشعارات الفضفاضة والتحكم في تنزيلها.

 رابعاً:-

التأثر بهذه الموجة في مجتمعنا المحلي يأخذ حالة بين الخفاء والعلن، وهي إلى الخفاء أقرب، ولذلك فإن قياس حجم الشريحة المتأثرة بهذه الموجة فيه صعوبة، وفي نفس الوقت فإن حالة الخفاء هذه تعتبر امرا مقلقا للآباء والأمهات والمربين .

 خامساً :

الميدان الأكبر لبث شبهات هذه الموجة، ولاستقبالها والتأثر بها هو شبكات التواصل الاجتماعي – حتى هذه اللحظة -، وهذا يعطى الموجة بعدا توسعيا كبيرا غير خاضع للموانع الجمعية المفترضة، وأقصد بالموانع الجمعية المفترضة (المسجد، المدرسة، الأسرة).

سادساً :

خطورة هذه الموجة أنها موجهة ضد أصل الإسلام وثوابت الشريعة المتفق عليها،   ووجه الخطورة يظهر إن نظرنا إلى المتأثرين بها؛ فحين يفقد أحدهم أصل الإسلام فذلك كفر يؤدي إلى النار، كما أن خسارة الثوابت الشرعية تضييع للهوية وانحراف للبوصلة وانحلال من التكاليف، بل إن إنكار بعض الثوابت كفر، وكل هذا يجعل الأمر في مستوى لا يحتمل التغافل والتجاهل والتهوين .

  سابعاً :

مما يزيد من خطورة هذه الموجة، أن أغلب المتأثرين بها هم شريحة الشباب ذكورا وإناثا؛ ومعنى ذلك أن تكامل ظهور الآثار السلبية سيكون في المستقبل القريب حين يصل هؤلاء الشباب إلى مرحلة العطاء والعمل والتربية والإرشاد ـ ما لم يحصل تدارك واعٍ على المستوى الذي تتطلبه المرحلة ـ

  ثامناً :

 ينقسم المتأثرون بموجة الشبهات المعاصرة إلى قسمين:

الأول:
العابثون الفوضويون الباحثون عن أهوائهم الشخصية في ثنايا هذه الشبهات، وهم كثير.

الثاني:
الذين تأثروا بالشبهات تأثرا فكريا حقيقيا أدى إلى تبنيهم لأفكار جديدة فيها مخالفات شرعية. وهذا يدفعنا وإلى الكف عن إطلاق التهم العامة ، وإلى البحث عن سبل متنوعة للعلاج بما يتناسب مع اختلاف الحالات.

  تاسعاً :-

تختلف مرادات مثيري موجة الشبهات المعاصرة، فبعضهم يقصد صرف الناس عن الإسلام، وإخراجهم منه، بل وعن الأديان كلها، وهذا يمثله الملحدون الجدد، والربوبيون، والمستفيدون سياسيا من ضياع قوة المسلمين وتفتت كيانهم. والبعض الآخر من مثيري الشبهات لا يريد هدم الإسلام ولا تقويض بنيانه، بل ربما يثيرها بمقصد حسن في نفسه، ألا وهو تحسين صورة الإسلام، وإظهاره بما يوافق النفس العصري، وقد يؤدي به تحقيق هذا الغرض إلى إنكار بعض الثوابت الشرعية، أو تأويلها بما يخفف من إثارة حفيظة غير المسلمين. وأقصد بالثوابت الشرعية: الأحكام والأخبار التي اتفق أهل السنة والجماعة على الأخذ بها، مثل اعتبار السنة مصدرا تشريعيا للأحكام والأخبار الدينية، ومثل الحدود الشرعية.

عاشراً :

هذه الموجة تتشكل من مجموعة من الاعتراضات على وجود الله وكماله وعلى النبوة والشريعة، وفي الغالب تجد أن الأسئلة ذاتها تتكرر على ألسنة المتأثرين بها على اختلاف أعمارهم وبلدانهم، ولم يكن ذلك نتيجة تفكير واستنتاج عقلي اكتشفوا به هذه الأسئلة والاعتراضات، وإنما لتداول المعلومات في فضاء الشبكة التي قربت البعيد وجعلت العالم مجتمعا على طاولة واحدة، وسأذكر في ثنايا الكتاب طائفة من أبرز هذه الأسئلة والاعتراضات التي تتضمنها الموجة، وهناك كتب متعددة اعتنت ببيان أبرز الإشكالات بوجه عام أو في أبواب معينة، منها موسوعة بيان الإسلام، ومن أفضلها في نظري رسالة الدكتوراه لسلطان العميري بعنوان (ظاهرة نقد الدين في الفلسفة الحديثة).


الخير المنطوي ضمن موجة الشبهات الفكرية المعاصرة

الله سبحانه لا يخلق شرا محضا، وحين نتلمس جوانب هذه الموجة ونكشف خباياها نتفاءل بخير يمكن أن يحصل بسببها! ولكن حصول هذا الخير مشروط بأمر مهم سأذكره بعد بيان وجوه هذا الخير :

 أولاً :

قد تؤدي هذه الموجة إلى ردة فعل عكسية عند كثير ممن تأثر بها او من يشعر بخطورتها، وردة الفعل هذه هي (إعادة أخذ الإسلام بيقين لا بتقليد)، وفي الحقيقة فإنه لا شيء أنفع للإسلام من أن يكون أهله على يقين تام بصحته وعلى تذوق مستمر لحلاوته. وربما يكون في طريق هذه النتيجة الجميلة مرحلة فتنة يسقط فيها أقوام، وينهض آخرون.

 ثانياً :-

بث روح البحث والحوار والمناظرة.

 ثالثاً  :-

استنهاض الهمم الميتة.

إن كثيرا من حملة العلم الشرعي لم يحققوا الآمال المرجوة منهم في مجال بث العلم، والدفاع عن الإسلام، والدعوة إليه، غير أن مما يرجى تحققه فيهم حين يرون رياح الشك تعصف من حولهم أن تنبعث فيهم جذوة الغيرة على الإسلام، فتستنهض منهم العزائم والهمم، وهذا الأمر – وحده – لو تحقق فإنه خير كبير.

 

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى