كعادته يجلس إلى جانب الشرفة يراقب الأطفال يلعبون ويمرحون بلا ملل، لا يزعجه صخبهم ولا حتى عراكهم إن هم فعلوا؛ بل يتمنى لو انفك من أسر كرسيّه المتحرك وشاركهم..
 لكنه لم يعد يبكي كالسابق، لم يعد ينكسر قلبه بنفس القدر الذي اعتاده صغيرًا، نعم لقد تعلم الرضا، وها هو يراقب بسعادة..
لعلّك تتساءل عن سر سعادته! إنه مع تلك الأم التي ترمقه بنظراتها الحانية من بعيد، التي قد سألت ربها يومًا أن يلهمها حسن الجواب على أسئلته، والتي تكررت كثيرًا، فلطالما سألها منتحبًا: أماه لماذا أنا فقط بهذا الحال؟ لماذا جميعكم تروحون وتذهبون كما تشاؤون وأنا لا أفعل؟! لماذا خلقني الله هكذا؟ ولِمَ لا يستجيب دعائي؟!
هل الله لا يحبني، وما الذي ارتكبته؟
أريد الذهاب للمسجد فقط، أريد أن أشتري لك حاجياتك مع أبي.. أريد أن أشارك أخي الذهاب للمدرسة كل صباح!
لَكَم تمزق فؤاد أمّه بسماع أنينه، وبثه شكواه، وكأن كلماته أسواط ملتهبة تنزل على قلبها الضعيف فتمزقه بلا رأفة أو رحمة، بينما ترى قرة عينها منكسراً حزينًاً.. مطأطئ الجبين
لكنها اهتدت أخيرًا إلى مصارحته بحقيقة هذه الحياة..  وبأن تلك هي مشيئة الله، وإرادته.
قد علّمته بأن له ربًا عظيمًا، وهو سبحانه على كل شيء قدير، أفعاله تتعلق بحكمته المطلقة، وهو الذي تنزه عن كل نقص وعيب، وحاشاه حاشاه أن يظلم أحدًا، لذا عليه أن يثق بأن ربه الرحمن الرحيم الرؤوف لم يرد به إلا خيرًا، وسيعوضه على صبره ورضاه خيرًا.. فربنا شكور
لا تتعجب.. فهي أم مؤمنة ولقد زرعت في قلب ابنها الإيمان، والإيمان بأن هناك دارًا يعوضه الله فيها ما حُرِم، ويَجبُر منه ما كُسِر، دارًا فيها ما يسُره ويرضيه إن هو صبر ورضي واحتسب..
ولا تزال تجلس إليه تحكي له عن نعيم الجنة وعظيم الأجر فيها، حتى لكأنك به يتعجل السفر إليها شوقًا وحبًا وأملًا ويقينًا..
لذا حُقَّ لي أن أقول: “إن الإيمان بالدار الآخرة وبالجزاء هو منتهى السعادة لكل حزين، والجبر لكل كسير، والعوض لكل فاقد، هو الدافع لكي نبقى صابرين ثابتين، فيه السلوى على ما يقع علينا من بلايا.. فيه الدواء والعافية لكل ما يصيب أمتنا من جراح..
فالحمد لله بكرة وأصيلا.

وبعد:
فإن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، كما أنه من الغيبيات.
 وهو مع هذا حقيقة وواقع لا مفر منه كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات:٥-٦]
وقد وردت آيات كثيرة في القرآن تدل عليه، وتشير لحقيقة أنه أمر ممكن عقلا؛ فلا العقل السويّ ينكره، ولا الفطرة السليمة ترفضه.
في هذا المقال -إن شاء الله- سنورد لكم من الأدلة على اليوم الآخر..  ما يهدي الله به الحيارى، وتَبطُل معه حُجة المنكرين.


جاء في كتاب [المعرفة] لمحمد القرني الذي يقول فيه:
يقوم الإيمان باليوم الآخر على أصلين، هما:
-البعث بعد الموت. 
-إثبات الجزاء والحساب.
أما الأصل الأول: وهو إثبات المعاد والبعث بعد الموت، فهو مقتضى الإيمان بقدرة الله عز وجلّ.
يقول الإمام (ابن تيمية -رحمه الله-): فإن “الإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي؛ بل يبقِي الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع، ولا معلوم الإمكان الخارجي“.
وعلى هذا فلا بد لإثبات الإمكان الخارجي لشيء من الاستناد إلى الواقع الخارجي المشهود، وذلك إنما يكون بأحد ثلاثة أوجه، ملخصها:
١) إثبات إمكان البعث بدلالة وقوعه فعلاً، وهذا دليل عدم امتناعه.
٢)إثبات إمكان البعث بدلالة وقوع نظيره، بحيث لا يمكن الحكم بامتناع ذلك الشيء إلا مع الحكم بانتفاء وجود نظيره، والذي قد تحقق وجوده استناداً إلى قياس الشيء على نظيره.
٣)إثباته بدلالة وقوع ما يكون البعث أولى بالوقوع منه (استناداً إلى قياس الأوْلى).
لذا، فالاستدلال على البعث قد شمل هذه الأوجه الثلاثة..
ومثال الأول: أن الله قد بعث بعض من مات في هذه الحياة الدنيا، وما طير إبراهيم، وصاعقة قوم موسى منكم ببعيد.
مثال الثاني: إيجاد الحياة في بذور النباتات بعد أن كانت في حكم الأموات.
مثال الثالث: الاستدلال على البعث بالخلق الأول.
وفي هذا المقال سوف نسوق لكم بعض أدلة القرآن على ذلك.


قد أشرنا منذ قليل _في العنصر الأول_ إلى إمكانية البعث بعد الموت عقلاً، وها نحن على نفس المسار نثبتها نقلاً
١)  في قياس الإعادة على البدء:
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الرُّومِ: ٢٧]، وقوله تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:٢٩].
٢) في قياس الإعادة على ما هو أبلغ منها:
يقول الله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر:٥٧]
ويقول تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس:٨١]، فهنا استدل الله (عزّ وجل) بالقدرة على خلق السماوات والأرض، على القدرة على ما هو دونهما.
٣) وفي قياس الإعادة على وقوعها:
قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:٢٨]، وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:٥٥-٥٦]
والآيات الدالة على إمكان البعث بعد الموت كثيرة جدا لا يتسع المقام لذكرها..
وأخيراً.. إذا ثبت أن الإحياء بعد الموت واقع فعلًا ولو لمرة واحدة؛ فإن هذا كافٍ في الدلالة القاطعة على إمكانه وقدرة الربّ -الخالق القادر- عليه.
وبعد أن عرضنا هذه الأدلة فإن العقل السليم يأبى إلا أن يرضخ لهذا الحق ويوقن به.
وسنوضح ذلك في المحور الثالث. 


خلق الله الإنسان ونفخ فيه من روحه وكرمه، فهل يليق بربٍّ خالقٍ حكيم أن يترك هذا الإنسان جاهلاً لمصيره متخبطاً في الأرض، يمضى في حياته بلا دليل ولا قبس يهديه؟ كلا وحاشاه سبحانه؛ بل إن حكمة الله تأبى إلا أن نهتديَ إلى أن هذا الكون لم يُخلَق عبثًا، وأن خلق الله للإنسان بصفاته التي هو عليها ليس باطلًا، ويستحيل أن تكون نهاية قصة خلق الإنسان محدودة بظروف هذه الحياة!
يستحيل أن تكون هذه هي نهاية ما نشاهده فيها من أعمال خير وشر!
وهذا هو الذي يوجه فكرنا إلى باب الإيمان بالجزاء، ويهدي عقولنا للاعتقاد بوجود حياة أخرى بعد الموت، يتم فيها الجزاء الأمثل وفق ما تقتضيه حكمة الخالق العظيم.
هكذا يظهر لنا -بتسلسل البناء الفكري المنطقي- ركن الإيمان باليوم الآخر، والدار الآخرة، وهو أحد أركان الإيمان الأساسية التي تألفت منها القاعدة الإيمانية في الإسلام، وفي كل الشرائع الربانية الحقّة التي لم يدخل إليها التحريف والتغيير والتشويه.
-أما احتمال العبث من وراء هذا الخلق، فاحتمال مرفوض عقلا.
إذن، لا بد من وجود حياة أخرى تتحقق فيها الغاية من الحياة الأولى.
ينقل [تيلر] عن عالم الأحياء البريطاني [ميداور] وهو ملحد مثله، قوله: (إن الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالبدايات والنهايات، أمر خارج منطقيًّا عن مقدرة العلم الطبيعي).
لكن يعلق على هذا بقوله: (إن هذا مسلك يصعب قبوله، فما زالت هناك فجوة في حياة أناس كثيرين بسبب انعدام الغاية هذه)
حتى أنه قد نقل تساؤل لصحفي معاصر _يقال أنه: ابن لأحد الفيزيائيين_ وهو: (أي نوع من الحياة تلك التي يقدمها العلم الطبيعي لأهله؟ ماذا يقول لنا عن أنفسنا؟ وكيف نحيا؟ ثم يقول: ليس هناك من جواب جاهز على هذا السؤال!).
لذا من لا يؤمن باليوم الآخر وبإمكانية البعث بعد الموت وبحقيقة الجزاء؛ فيا للحيرة التي رمى نفسه فيها، ويا للتعاسة التي طغت على حياته فكَسَتها ظلمة وضياعاً..
فها هو هائم على وجهه؛ لا يدري لماذا هذا الذي سلبه حقوقه يعيش متنعماً، وذاك الذي مد له يد العون يعيش وحيداً فقيراً، لا يزال يتساءل كيف لفلان أن ينتصر عليه دائماً وبلا جهد؛ بل قل: لماذا هذا غني وغيره فقير، ولمَ ذاك قوي وغيره ضعيف، وهكذا تدور به الدوائر، ولا يعلم لِمَ يعيش وما الهدف إن استقام أو حتى طغى وتتعدَّى؟!
وهذا يسوقنا للعنصر التالي، ويؤكده👌🏻 العنصر الرابع والأخير معنا: [توقف الإلزام الخلقي عليه]

فمما يتنافى مع المبادئ الخلقية العقلية الفطرية:
ألا تعتقد بالدار الآخرة وبالجزاء، وأن تستنكر أن يكون مصير المحسن كالمسيء.
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}! [القلم: ٣٥]
لذا فالإيمان بالدار الآخرة وبالجزاء ضرورة خلقية، وإن شئت فقل ضرورة عقلية؛ لأن المبادئ الخلقية هي من بين الموازين التي فطر الله العقول لقياس الأمور وتقويمها، فما يتنافى مع الأخلاق يتنافى مع العقل الفطري.
فتلك الحياة التي نعيشها قد تسمح للمجرم بعيش رغيد، وقد تسمح للمسلم بذلك أو ربما بخلافه، وقد يقتُل فيها الفاجرُ التقيَّ، أو يظلم القويُّ الضعيفَ ويعذبه.. ومع هذا لا يلقى جزاءً معجّلًا على طغيانه!
وإن احتمالية عدم وجود الجزاء الأخروي تساوي بين المسلمين والمجرمين، والمظلومين وظالميهم
وهذا مستحيل!  ويتنافى مع أصول العدل والحكمة الإلاهية؛ لذا هو مرفوض عقلًا
 
فالحقيقة أن الإيمان باليوم الآخر:
-ضرورة أخلاقية.
-مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية.
 
فالحمد لله الذي أمرنا بما فيه سعادتنا، الحمد لله الذي لم يتركنا حيارى، الحمد لله الذي جعل لنا يومًا تطيب فيه جراحنا، وتسكن فيه آلامنا، ونلقى فيه ربنا بأعمالنا، فللمحسن الإحسان وزيادة، وللمسيء الذل والهوان، والخيبة والخسران.
الحمد لله أن جعل لنا في الإيمان بالبعث والجزاء ينبوع أمل وتفاؤل لا يجف ولا ينضب.. ننادي في العالمين: «بأنَّا سَعدنا يا قومي؛ لأنَّا أُناسٌ ذوي أهدافٍ خَالدات..»

بقلم: زينب عطية –الاء الصباغ –فاطمة محمد

——————————————————-———————-
المراجع:
-كتاب المعرفة للدكتور عبدالله القرني.
-كتاب العقيدة الإسلامية.
-الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد.
_كتاب الفيزياء ووجود الخالق.


اقرأ أيضًا / 

بعد الموت… !

 


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 4 / 5. عدد الأصوات 32







مشاركة عبر البريد الإلكتروني