مجتزآت / كتب

كتاب تثبيت حجيَّة السُّنة

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب الله تبارك وتعالى ويرضى، اللهم صلّ وسلّم على نبيّك الهادي البشير، محمّد بن عبد الله، صلاة زاكية موصولة إلى يوم الدين، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، أما بعد:

فقد أخذتُ أُقلّبُ -في السنتين الماضيتين- النظر في كثير من الكتب المؤلفة في باب إثبات حجية السنة ورد الشبهات عنها، وشرعت في كتابة بحث تعريفي بهذه الكتب، بعنوان: (مسالك العلماء في تثبيت حجية السنّة)، فرأيتُ قدر الجهود المبذولة في سبيل الدفاع عن سنة النبيﷺ، ووجدت أن تلك الكتب لا يكاد يفوتها شيء مما أثاره المستشرقون ومن تأثر بهم، وأنها تناولت موضوعات كثيرة ومتنوعة في الإثبات والرد، إلا أن هناك بعض القضايا المهمة في هذا الباب لم يتناولها كثير ممن كَتَب فيه، ورأيتُ أنها تستحق مزيداً من البحث والدراسة، وهي:

▪️[١] الإجابة عن الاعتراضات المثارة ضد “أدلة” حجية السنة. وهي تختلف عن الاعتراضات المثارة ضد السنة على وجه العموم، فالنوع الثاني هو أغلب ما تجده في كتب مناقشة المنكرين بخلاف النوع الأول. إضافة إلى أنَّ أن كثيرا ممن كتبوا في الإثبات لم يُوْلوا بيان وجوه دلالة النصوص القرآنية على حجية السنة -بالصورة الملزمة للمخالف- عناية خاصة.

▪️[٢] إثبات حجية السنة عن طريق التواتر من وجوه متعددة ملزِمة

▪️[٣] إثبات صحة علم الحديث، وكفاية قوانينه لتوثيق السنة.

▪️[٤] إبراز الخلل المنهجي في خطاب المنكرين، وتأسيس القواعد الكلية في محاجّة منكري السنة.

وقد حرصت في هذا البحث على بيان ما يتعلق بهذه القضايا الأربع، ولم أقصره عليها، بل تناولت فيه عموم ركائز الإثبات، ونقض أصول المنكرين.
سائلا الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيما كتبتُ وأن يغفر لي التقصير والزلل.

تمهيد

لماذا الحديث عن موضوع حجيّة السنّة ؟

فإن مِن أكثر الأسئلة التي نوقشتُ فيها خلال العام الماضي سؤال: (هل صار الإلحاد يُشكِّل ظاهرة في مجتمعنا الـمحلِّي؟)، وكنتُ – ولا زلتُ- أحْرِصُ عند تقديم الجواب على نقل تفكير السائل واهتمامه من دائرة مصطلح (الإلحاد) الضيقة، إلى دائرة أكثر اتساعاً؛ لتعينَ على تصوّرٍ شامل للمشكلة، وعلى فهمٍ منهجي لها، مما يقود إلى دراسةٍ أكثر انضباطاً وواقعية لتقدير حجمها وانتشارها.

فالإلحاد الصريح ليس إلاَّ نتيجة لتراكمات من الشبهات والشكوك والمواقف التي لم يكن عند المتأثر بها من اليقين ما يدفع به أثرها المضاد للإيمان، ولا من المنهج المعرفي والنقدي ما يضعها به موضعها الذي لا ينبغي أن تتجاوزه وتتعداه، ولا من المعرفة التفصيلية بالشريعة ما يرد بها تفاصيل ما اشتبه عليه، فمادَتْ به هذه الإشكالات والشبهات في دائرة الحيرة والاضطراب زمناً، ثم ألقته في مهاوي الإنكار والجحود للنبوة والوجودِ الإلهي.

ولو أنه عالج تلك الإشكالات بمنهجية معرفية منضبطة، وبيقين يؤوب إليه عند الاضطراب، لما انتقل من هذه الدائرة الواسعة إلى دائرة الإلحاد الضيقة.

وعلى ذلك؛ فمَن يُريد أن يُعالِج مشكلة الإلحاد، ويُقلل من انتشارها، ويضيق من دائرتها؛ فليجعل جزءاً كبيراً من اهتمامه متوجهاً إلى الدائرة الواسعة التي يُمكن أن نسميها (مُقدمات الإلحاد) وهي الدائرة التي تأثر بها عدد كبير جدا من المنتسبين إلى الإسلام، ويمكن أن نصفها بالظاهرة، بخلاف الإلحاد الصريح؛ فإنه يصعب تقدير حجم انتشاره -في هذه المرحلة-؛ لعدم قدرة الملاحدة في مجتمعنا وفي بعض المجتمعات المجاورة على الإعلان والكشف عن أنفسهم، فيلجؤون إلى الكتابة بالأسماء المستعارة، فتختلط حساباتهم بالحسابات الإلحادية التي تكتب من الخارج، إلا أن الأمر البيّن هو أنَّ نسبة الإلحاد في تصاعد وازدياد، ويظهر ذلك بعدد من الأمور، منها: كثرة الرسائل والاستشارات -المحليّة- التي تصلني وتصل غيري من المهتمين بهذا الملف في شأن الإلحاد الصريح، وفي شأن إنكار أصل الدين والنبوات، مقارنة بما كان يصل قبل سنتين، فإن تلك المرحلة كانت تتميز بكثرة الأسئلة في الدائرة الواسعة أكثر من دائرة الإلحاد الصريح.

ومما يجدر التنبيه إليه في سياق الحديث عن مقدمات الإلحاد، أنه لا يلزم انتهاء كل من وقع في هذه المقدمات إلى الإلحاد الصريح أو الربوبية -التي يُنكر أصحابها الأديان مع اعترافهم بوجود الخالق-، فقد يظل بعضهم في دائرة المقدمات متقلباً مضطرباً، دون أن يُنكر الديانة والنبوات، بل قد يكون مدافعاً عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو في هذه الدائرة-، ولكن بمنهجية منحرفة، وقد يُلحد بسببه خلق كثير ممن ليس عندهم من المعرفة بالإسلام ودلائله ما عنده، فيظل هو واثقاً بصحة أصل الإسلام -مع انحرافه في باب الثوابت ومنهجية الاستدلال- ويفارقه كثير من جهلة أتباعه إلى الجحود التام بعد أن هدم عدداً من الـمُسلّمات الصحيحة التي كانوا يؤمنون بها، وبعد أن جرّأهم على رد النصوص الصحيحة وعلى تخطئة الإجماعات الثابتة بكل سهولة، وهذا مُشاهد بكثرة في النموذج العدناني -أعني عدنان إبراهيم-، الذي سقط بسببه عدد كبير في ظلمات الكفر الصريح مع أنهم اتبعوه أولَ الأمر على أنه النموذج الأكثر فهماً للإسلام، ولولا أني رأيت بعينيّ كثرة الحالات الإلحادية التي يقول أصحابها إنهم ابتدؤوا بعدنان إبراهيم؛ لما تصورتُ أن يبلغ الأمر إلى هذا الحدّ، ولكم أن تسألوا عدداً من المعتنين بهذا الملف عن هذه القضية تحديداً وانظروا مدى موافقتهم أو مخالفتهم لما ذكرت.

 

والمقصود بمُقدمات الإلحاد أربعة أمور:

الأول: إنكار الثوابت الشرعية أو التشكيك فيها دون إنكار أصل الإسلام.

مثال ذلك:
إنكار حجية السنة، وإنكار بعض الحدود الشرعية المتفق عليها كحد الرجم على الزاني المحصن، و التشكيك في منزلة الصحابة، وكذلك التكذيب ببعض الأخبار النبوية الصحيحة الصريحة التي بلغت حد التواتر أو تلقاها الصحابة ومن تبعهم بالقبول والتثبت والرضا، كالإخبار عن نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان، وكالإخبار عن فتنة القبر، ونحو ذلك. مع ملاحظة قضية مهمة، وهي أن إنكار هذه الأخبار والأحكام في الوقت المعاصر يختلف عن إنكار بعضها في إطار المذاهب العقدية الإسلامية المخالفة لأهل السنة، لأن تلكم المذاهب تنطلق من رؤية معرفية شاملة لأبواب الديانة، بخلاف الإنكار المعاصر الذي ينشأ -في غالب الأمر- من الاضطراب المنهجي، والتشتت المعرفي، والتأثر بضغط القيم المستوردة.

الأمر الثاني: التأثر بالمفاهيم الفكرية الغربية المصادمة لثوابت الإسلام،

كمفهوم الحرية الغربي بكل تفاصيله وتبعاته، وليس ببعض صوره الصحيحة التي لا تعارض الإسلام، أو تبنّي المناهج المعرفية التي تعارض نصوص الوحي ومقاصده، كالغلو في المنهج العلمي التجريبي وتقديمه على الوحي عند التعارض، ويظهر هذا في تبني عدد من النظريات التي تتصادم مع صريح القران وصحيح السنة.

الأمر الثالث: الاضطراب في الموقف من مصادر التلقي الشرعية ومن منهجية الاستدلال المنضبطة بأصول الشرع.
مثال ذلك: هدم سور الإجماع، وعدم الاعتراف بأي منهجية تراثية/شرعية للتعامل مع النص الشرعي كاشتراط موافقة تفسير النص القرآني لمقتضى الخطاب العربي، وكردّ المتشابه إلى المحكم، وكاعتماد السنة مفسرة للقرآن مبينة لمجمله، ونحو ذلك.

الأمر الرابع: الموقف السلبي من العلوم الشرعية، ومن (عموم) علماء المسلمين المتخصصين في علوم الشريعة،

ومن أخصهم: علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وكبار محققي أتباعهم، والتقليل من شأنهم، ومن قيمة إجماعهم، ومن منهجية تعاملهم مع النصوص، ونسف نتاجهم العلمي في حال تعارضه مع أي فكرة يريد مخالفهم تقريرها، حتى وإن كان هذا المُخالف لهم شابّاً لا يعرف من علوم الشريعة ولا من أصول لغتها ما يعرفه المبتدئ في طلب العلم، ثم تجده يتعالم ويتعاظم حتى يسهل عليه تخطئة مجموعهم في مقابل فهمه هو للنص، والأمثلة على ذلك كثيرة. وإذا تقرَّر ما سبق، فإنَّ من أهم الأبواب التي يقودُ كَسْرُها إلى دوامة كبيرة من الاضرابات المؤدية إلى الإلحاد، أو إنكار الأديان -في كثير من الأحيان- : باب حُجيّة السنة النبوية، ومكانتها، وبيانها للقرآن الكريم، ولذلك؛ فإن تثبيت هذا الباب، وإصلاح ما قد ينشأ من التصورات الخاطئة تجاهه= يُعَدّ حماية لأصل الإسلام.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أنيب .

 

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى