الأصل الثاني: حصر السنة المعتبرة في المتواتر منها وإسقاط حجية الآحاد

الأصل الثاني

حصر السنة المعتبرة في المتواتر منها وإسقاط حجية الآحاد

      حين يدرك كثير من المشككين في السنة حجم المأزق الذي سيفضي إليه قولهم بإنكارها مطلقاً، وخاصة فيما يتعلق بتضليل الكافة في باب الصلوات الخمس -إذ يصعب إقناع المرء نفسه بأن إطباق الأمة كلها على تحديد المفروضات بخمس صلوات إنما وقع في الأمة نتيجة البدعة في الدين ومخالفة القرآن الكريم- فإنهم يُمررون قبول مثل هذه الفريضة بدعوى أنهها مما تواترت الأمة عمليّاً على نقله، وهذا في الحقيقة مجرد خداع للنفس، وتسكين لها بما لا يتفق مع حقيقة قولهم القائم على الاستغناء بالقرآن وعدم اتخاذ مصدر ديني سواه، فإن حكمهم بقبول فريضة الصلوات الخمس لأجل تواتر نقلها عمليا لا يلغي سؤال المصدر الذي استُمِدّ منه تحديد الفرض بخمس صلوات، والذي -في الواقع- ليس آية من القرآن الكريم.

فحقيقة فعلهم هو نقل المشكلة من سؤال المصدر والتشريع إلى سؤال النقل والتوثيق، وهذا حياد عن طبيعة الإشكال وحقيقته.

غير أن هناك شريحة أخرى من المضطربين في السنة النبوية -كعدنان إبراهيم ومن تأثر به- يجتذبون من جذور الخلافات التراثية ما وقع الجدل فيه حول ما يفيده خبر الآحاد ومدى صلاحيته في أبواب الاعتقاد، والإشكال القديم راجع إلى قولهم: إن خبر الاحاد لا يفيد إلا الظن، وإن العقائد لا بد فيها من قطع والآحاد لا تفيده، غير أن كثيرا من المعاصرين المحتجين بهذا الأصل لا يجعلون مورد هذا الإشكال منحصراً في نطاق قول المتكلمين في أبواب الاعتقاد، بل يعممون ذلك ليشمل كل حديث ضاق عليهم معناه أو توجيهه، ولو لم يكن في الاعتقاد مورده.

مناقشة الإشكالات المثارة في هذا الباب:

لقد اعتنى علماء أهل السنّة بذكر أدلة إيجاب اتباع أخبار الآحاد الصحيحة عن النبي ﷺ ، وناقشوا أدلة المخالفين واعتراضاتهم، ويُمكن أن نُجمِل أهم وجوه الإثبات و الرد فيما يلي:

أولًا/

مناقشة قولهم: بأن “أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن” من جهة الشرع ومن جهة مخالفة الحال.

فأما من جهة الشرع، فــ(لأن النبيﷺ كان يقيم الحجّة على الأمم، في أصل دين الإسلام، بآحاد من أصحابه يبعثهم إليهم ، ومثل هذا إنما يكون بما يقطع كل احتمال للريب.

وأما من جهة مخالفة الحال؛ فلأن الموافقين والمخالفين في هذا الباب يتحصل لهم اليقين في كثير من أحوالهم بأخبار آحاد لم تصل إلى حد التواتر؛ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصَر من أخبار الزواج والوفاة والولادة والنجاح والفشل والربح والخسارة …الخ، فيكون اعترافهم بحصول اليقين بهذه الأخبار الآحادية كافياً في نقض الإطلاق بأن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن) .

والرد على هذا التقرير بالتفريق بين الأخبار المعاصرة وبين الأخبار القديمة غير وجيه، لأن المراد إثبات أصل مفاد أخبار الآحاد وليس القرائن المحيطة بها، فإذا أثبتنا لهم وجود أخبار آحاد تفيد اليقين، ناقشناهم بعد ذلك في آلية التحقق من صحة الأخبار الآحادية القديمة. وأخبار الآحاد الصحيحة المنقولُ بها السنة، فيها ما يفيد اليقين، وفيها ما يفيد الظن الراجح، بحسب أحوال الرواة والأسانيد والقرائن لكل رواية بعينها.

ثانيًا/

قولهم بأن (اتباع الظن مذموم في القران) فيه تعميم غير صحيح، فقد جاء في القران ذم نوع من الظن وامتداح آخر، فجاء في الذم قوله تعالى (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم:٢٨] وجاء في المدح (الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ) [البقرة:٤٥-٤٤]، والظن في هذه الآية معناه: اليقين؛ وإلا فهل يفيد ظنهم شيئا لو كان لديهم أدنى نسبة من الريب في لقاء ربهم؟

قال القرطبي في تفسيره :

(والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى “إني ظننت أني ملاق حسابيه” وقوله: “فظنوا أنهم مواقعوها”) انتهى.

وقال الإمام الشنقيطي بعد أن ذكر عدداً من الآيات القرآنية التي ورد فيها الظن بمعنى اليقين:

(فَالظَّنُّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ عَلَى الْيَقِينِ وَعَلَى الشَّكِّ) انتهى.

ومقارنة الظن المستفاد من أخبار الآحاد الصحيحة بظن المشركين المذموم في الآية مقارنة خاطئة لا شك في خطئها، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره لآية النجم: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) [النجم:٢٨] قال:

(والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين، وانتبه لهذا فالظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين) .

وأيضاً فإن الله سبحانه قد شرع في كتابه الأخذ بشهادة الشهود، وهم آحاد، فإما أن يقول المخالفون إن شهادتهم تفيد اليقين فيكون في ذلك نقض للمقدمة الأولى –التي هي أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن-، وإما أن يقولوا بأنها تفيد الظن ومع ذلك شُرعت، فيكون في ذلك إبطال للمقدمة الثانية –التي هي أن اتباع الظن مذموم مطلقا-، فما ثبت أنه تشريع من الله لا يكون مذموما بحال.

قال ابن حزم رحمه الله:

(إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة، عن النبي ﷺ. وأيضًا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد. )

ثالثًا/

اعتبار قلة الاحاديث المتواترة من السنة أو ندرتها إلى جانب وجود عشرات النصوص القرآنية الـمُرشدة إلى اتباع سنة النبي ﷺ-كما تقدم ذكر شيء منها مع وجوه دلالاتها في القسم الأول من الكتاب-, فإذا حُصر مدلولها في السنة المتواترة فستقع مفارقة كبيرة بين قدر التوصية القرآنية وبين واقع الأمر الموصى به -أي الحديث المتواتر-، إذ إنه لا يكاد يوجد إلا في دائرة ضيقة جدّاً، وهذا كله على اعتبار أن المتواتر هو ما استقر عليه تعريفه عند الأصوليين والمتكلمين ومتأخري المحدثين،

والذي قال عنه الإمام ابن الصلاح :

«لا يكاد يوجد في رواياتهم» -أي في روايات المحدثين-،

وقال أيضا :

«ومن أراد مثالًا لذلك -أي للمتواتر- أعياه تطلبه» ،

فإذا كان الواقع كذلك فهل يكون هذا القدر الذي يعيي المتطلب وجوده هو ما أراده الله بكل الآيات التي أوصى فيها باتباع سنة نبيهﷺ؟

وأما إذا عرّفنا المتواتر بأنه ما ورد من غير طريق صحيح وأفاد القطع بحسب ما يعتبره متقدمو المحدثين من قرائن الرواية وأحوالِ الرواة وتفاوتِهم في الضبط والإتقان فلا شك أنه كثير جدّاً في السنة، وهو الأصح في التعامل مع مصطلح المتواتر، غير أن أكثر المتأخرين يدخلون هذا النوع في جملة الآحاد.

ويُضَمُّ إلى هذا الوجه من النقاش:

الآياتُ التي يُستَنبط منها معنى الشمولية والعموم في السنة، وهو معنى لا يتوفر في المتواتر على التعريف الشائع المشار إليه.

مثال ذلك: قول الله تعالى: “فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شئٍ فَرَدُّوهُ إِلَى اللهِ والرسولِ إِن كُنتُمْ تُؤمِنُونَ باللهِ واليومِ الآخِرِ” [ النساء : 59]
ففي هذه الآية بيان للمـرجع في فصل النزاع وأنه الكتاب وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الكتاب والسنة كذلك فلا بد أن يكونا شاملين لموارد النزاع بين المؤمنين المخاطبين بهذه الآية، ثم إنك إذا اعتبرتَ واقع الأحاديث المتواترة بمعناها الشائع فلن تجد فيها القدر التفصيلي الحاكم في النزاع بمثل ما هو موجود في السنّة الآحادية، والآية جعلت للسنة قدراً ظاهراً، ونصيباً وافراً في فصل النزاع، ولذلك؛ فإن عامّة ما يستدل به العلماء لترجيح أقوالهم عند النزاع مأخوذ من نصوص القرآن ومن السنة الآحادية والمتواترة، لا من المتواترة وحدها، حتى في بعض مسائل الاعتقاد.

رابعًا/

أن العلماء أجمعوا على الأخذ بخبر الآحاد.
قال ابن عبد البرّ – رحمه الله -:

«أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره : من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافًا» .

وقال ابن حزم – رحمه الله -:

«فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة ، عن النبي ﷺ. وأيضًا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد» .

خامسًا/ 

أنّ حَصْر قبول الأخبار النبوية في التواتر أمرٌ مبتدع.
ثبت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطُرُق كثيرة يفيد مجموعها القطع أنهم كانوا يتلقون عنه الحديث، ثم يتلقى بعضهم عن بعضٍ ما فاتهم سماعه من النبي ﷺمباشرة، ويحتجّون به دون اشتراط التواتر، ويقيمون دينهم واعتقاداتهم بناءً على ذلك،

فلا نجد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺأو من علماء التابعين وتابعيهم من أئمة القرون المفضلة؛ مَن إذا أُخبر بخبر في أبواب الاعتقاد أو غيرها عن رسول الله ردّه على صاحبه؛ حتى يأتيه بتسعة شهود معه؛ ليبلغ خبره حدّ التواتر العشْري -على أشهر الأقوال في تحديد المتواتر بالعدد- نعم، قد يتثبت بعضهم في الرواية إذا قام في قلبه ما يدلّ على الحاجة للتثبت، ولكنه لا يجعل التثبت متعلقاً بعدد التواتر، فعلى سبيل المثال: من يستدل بقصّة تثبّت عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمـّا جاءه أبو موسى بخبر الاستئذان، فطلب منه عمر أن يأتيه بشخص آخر يوافقه على هذا الحديث .
نقول له: إن رواية شخص آخر لهذا الحديث مع أبي موسى لم تخرج الحديث من حدّ الآحاد، وقناعة عمر بقول من وافق أبا موسى على الخبر يُستدل به على عكس مرادهم، إذ فيه دليل على قبول خبر الآحاد.

مع التأكيد على أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد أخذ بخبر الواحد المتفرد بالرواية في مواطن أخرى، كأخذ الجزية من المجوس استناداً إلى خبر عبد الرحمن بن عوف وحده عن النبيﷺ.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى