الأصل الثالث: الطعن في نقَلَتها واتهامهم

الأصل الثالث:

الطعن في نقَلَتها واتهامهم

إن اتهام بعض مشاهير حملة السنة وناقليها لَــمِن أصول الإشكالات التي اعتمد عليها المستشرقون في طعنهم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشربت هذه الطعونات طائفة ممن تأثر بالمستشرقين فبثتها في الكتب والندوات والمحافل، ونجد أن تركيزهم واهتمامهم متوجه إلى أكثر الصحابة رواية للحديث، فإنك إذا نظرت إلى أشهر كتاب معاصر في باب التشكيك في السنة –وهو كتاب أبي ريّة- ستجد أن الطعن على أبي هريرة يمثل جزءاً مهماً من الكتاب ويأخذ بنصيب وافر منه.

ولذا؛ اعتنى الرادون على كتاب أبي رية بـتفنيد شبهاته حول أبي هريرة رضي الله عنه وأوسعوا الحديث في ذلك، كما فعل مصطفى السباعي في كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي), والمـُعلّمي في كتابه (الأنوار الكاشفة) وغيرهما، وأفرد عبدالمنعم العزّي كتابا كبيراً في الرد على شبهات أبي رية وغيره في الطعن على أبي هريرة رضي الله عنه.

والمتأمل في أطروحات أولئك المستشرقين وأتباعهم ضد نقلة السنة يجد أنّ كثيرا مما يعتمدونه للطعن فيهم لا يقوم على أصل صحيح من جهة الثبوت، ولذلك؛ فإن الخطوة المنهجية المركزية لمناقشة هذا الأصل من الإشكالات تكون في طلب ثبوت الأصل المعتمد من الروايات والأخبار، فإذا أثبتوا ذلك انتقلنا للنقاش معهم في قضيتين أساسيتين:

الأولى: في دلالة تلك الأخبار على إسقاط عدالة الراوي أو أهليته للنقل الصحيح.
الثانية: في الموازنة بين مجموع ما نُقل عن الراوي من سيرته وحياته، وعدم حصر معطيات تقييمنا له في رواية معينة يكون محلها الصحيح في النقد أنها من زلات بني آدم التي لا يسلم منها أحد غير معصوم.

مثال على الطعن الذي لا يقوم على أصل صحيح، وقد ذكره أبو رية وعدنان إبراهيم وغيرهما:

اتهام هريرة بأنه إنما لزم النبي ﷺ من أجل الطعام، وأن النبي تضايق من كثرة دخوله عليه لأجل ذلك، فقال له: «يا أبا هر: زُر غِبّاً تزدد حُبّاً», وهذا خبر غير صحيح، وفيه جزءان أحدهما أضعف من الآخر:

الجزء الأول: ربط حديث (زر غبا تزدد حبا) بقضية الطعام، فهذا في غاية الضعف.
الجزء الثاني: أصل حديث (زر غبا) دون ربطه بقصة الطعام، وهو ضعيف أيضاً، غير أن ضعفه أخف من سابقه وإن كان حسنه بعض العلماء إلا أن الراجح ضعفه، كما قال البزار : (لا يُعلم في «زر غبًا تزدد حبًا» حديث صحيح). وذكر العُقيلي أنه ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يثبت.

مثال متعلق بعدم فهم دلالة الروايات:

الطعن في بعض الصحابة والرواة بشربهم النبيذ، ومن المعلوم أن كلمة (النبيذ) لا يفهمها كثير من المعاصرين إلا مساوية لكلمة (الخمر) بينما يُطلق النبيذ في اللغة على ما يُنتبَذ سواء أكان مسكرا أم غير مسكر، فقد جاء في لسان العرب:

(والنبذ: الطرح. وهو ما لم يسكر حلال، فإذا أسكر حرم، وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ وهو ما يُعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته اتخذته نبيذا، وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فإنه يقال له نبيذ، ويقال للخمر المعتصرة من العنب نبيذ، كما يُقال للنبيذ خمر). اهـ.

مثال على عدم الموازنة بين مجموع ما نُقل عن الراوي من سيرته وحياته:

الطعن في معاوية رضي الله عنه بسبب بعض المواقف في مرحلة الفتنة، وإهمال ثقة الصحابة به، وعدم إنكارهم عليه في الرواية، وتولية عمر بن الخطاب له, وإبقائه إياه على الولاية -مع أنه عزل عدد من ولاته- وتنازل الحسن له -وإن كان لحقن الدماء؛ إلا أنه لا يُتنازل لمنافق يحكم المسلمين-، وغير ذلك. وقد امتدح الرسول ﷺ هذا التنازل حين قال عن الحسن: «ابني هذا سيّد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين», ويتركون -كذلك- قول ابن عبّاس -رضي الله عنه- فيه: «إنه فقيه» فيُهملون كل هذه الحقائق، ويتعلقون بروايات كثير منها لا يثبت، وما ثبت منها فإنه من الخطأ الذي يقع فيه الصحابة وغيرهم من الناس؛ فإننا لا نقول بعصمة معاوية ولا غيره، ولا نقول إنه كان مُصيباً في قتاله لعليّ – رضي الله عنه -، ولكن لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب على رسول الله ﷺ ، ونعتقد أن معاصريه من الصحابة هم أعلم به.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى