الأصل الرابع: دعوى ضياع السنة وعدم حفظها استناداً إلى النهي عن كتابتها وتأخر تدوينها

الأصل الرابع:

دعوى ضياع السنة وعدم حفظها استناداً إلى النهي عن كتابتها وتأخر تدوينها

 

 أولًا/ 

دعوى عدم حفظ السنة:

كثيراً ما يُثير المنكرون للسنة والمشككون فيها هذا السؤال، وهو (لو كانت السنة حجة فلماذا لم يحفظها الله كما حفظ القران)؟ ولا شكَّ أنَّ هذا السؤال فيه خلل ظاهر، وهو يختلف اختلافاً جذريًّا عن سؤال (هل حفظ الله السنة كما حفظ القرآن) فإنه يتضمن إيحاء بأنَّ مِن المـُسلّم كون (السنة غير محفوظة)، وأنَّ البحث إنما هو في العلة -فقط-، وهذا غير صحيح.

ووجه الغلط في هذا السؤال أنه يتضمن (دعوى) غير مبرهنة، وهذه الدعوى هي (أن الله لم يحفظ السنّة)، والتفكير الناقد يقتضي أن يُقال لصاحب السؤال:

من أين لك أنّ الله لم يحفظ السنّة؟ أثبت دعواك أولاً، وإلا فلا قيمة لسؤالك، فإن أتيت بدليل فمن حقك أن تبحث عن الإجابة، وأما أن تدّعي دعوى مُرسَلة دون برهان ثم تطلب من الناس أن يجيبوا عنها، فهذا لا يستقيم .

ومع أن هذا النوع من الغلط في الأسئلة منتشرٌ إلا أن كثيراً من الناس لا يكتشفونه؛ فمُرِّرت بسبب ذلك كثير من الأسئلة المغلوطة على الشباب، وتأثر كثير منهم بها، فوقعوا في الشك والإنكار لبعض الثوابت الشرعيّة، بينما لم يكن يحتاج الأمر إلى أكثر من أن يُطلب من صاحب الدعوى إثباتها.

فيقال للسائل:

أنت تنسب إلى الله سبحانه أنه ترك حفظ سُنة نبيه ﷺ ، فما مُستندك في هذه النسبة، هل عندك خبر من الله عن نفسه أو خبرٌ من رسوله صلى الله عليه وسلم عنه؟

فإن قال:

إنما أحتج بقول الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وهذا في شأن القرآن، ولم يقل سبحانه مثل ذلك في السنّة.

نقول له:

إن دعواك هي (نفيُ) حفظ الله للسنّة، وليس (عدم ذكر) حفظ الله للسنّة، والآية لا تدل على (نفي) الحفظ لغير القرآن، وإنما تُثبته للقرآن.  فابحث لك عن دليل غير هذا.

ووجهٌ آخر في الردّ، وهو أن الآية تتحدث عن حفظ (الذِّكر)، ولا شك أن القرآن من الذكر، ولكن، هل تنفي أن تكون السنّة من الذكر؟

قال ابن حزم رحمه الله :

(ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه) ثم قال (فإن قال قائل إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده؛.. قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل…. فصح أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن، وأيضاً فإن الله تعالى يقول { بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله ﷺ  فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه) انتهى.

وعلى هذا القول فإن دلالة الآية تكون ضد قول السائل لا معه!
وحتى لو قلنا بأن الذكر لا يشمل السنّة فإن الذي لا ريب فيه أنّ السنة مبينة للقرآن كما تقدم إثباته في الكتاب على وجه التفصيل-، وإذا كانت كذلك؛ فإن من تمام حفظ القرآن حفظُ بيانه، وحفظ لسانه -كما قال المعلمي رحمه الله-، ودليل ذلك أنك إذا نظرت في شأن الصلاة – مثلاً – فإنك تجد النص القرآني في الأمر بهذه الفريضة مُجملا، وأنت ترى أن كل المسلمين ينقلون عمّن سبقهم، وأن مَن سبقهم ينقلون عمّن تقدمهم، -نقْلَ الكافّة عن الكافّة-، أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه خمس صلوات في اليوم والليلة، بعدد ركعات معين لكل صلاة، ثم إننا لا نجد هذا التفصيل في القرآن، فعلمنا بذلك أن السنّة تبين مُجمَل القرآن؛ فكان من لازم حفْظِه حفْظُها، وإلا فلن يُمكن للمسلم امتثال ما أمر الله به مجملاً في القرآن الكريم.

فإن قال:

الواقع شاهد على عدم حفظ الله للسنة!

نقول له:

بل إن الواقع شاهد على حفظ الله للسنّة، وكلانا مُدَّعٍ، وليست دعواك بأولى من دعوانا، وإنما الشأن في برهانك وبرهاننا، مع العلم بأنه ليس يوافقك في دعواك -هذه- إلا بعض الطوائف المبتدعة، وطائفة من المستشرقين الطاعنين في القرآن قبل السنة، ومَن تأثر بهم، وأما نحن فمعنا أئمة الإسلام وفقهاء الملة.

فإن قال:

البرهان هو أننا نجد في السنة الصحيح والضعيف، ولا نجد مثل ذلك في القرآن، فلو كانت محفوظة لما وقع فيها هذا الاختلاف.

فنقول:

إن هذا البرهان لا يقيم دعواك، بل يُضعفها؛ وذلك أن تمييز الضعيف عن الصحيح، والثابت عن المكذوب، إنما يدل على العناية لا الإهمال، وعلى الضبط والإتقان لا على خلافهما. ولو كان عندك من المعرفة التفصيليّة بطُرُق المحدثين في التصحيح والتضعيف، والتثبيت والتعليل، والجرح والتعديل؛ لأدركت أن ذلك إنما هو من آثار حفظ الله سبحانه وتعالى لدينه. وإنما يكون قولك صحيحاً إذا لم يُمَيَّز الصحيح من الضعيف، وأما بعد التمييز والتحرير فلا يستقيم كلامك. ثم إنك ترى أن من الناس من حرّف القرآن، وتقوّل على الله تعالى في ذلك، ونسب إلى القرآن آيات ادعى أنها مفقودة وضائعة، فهل نقول إن ذلك يُنافي حفظ الله للقرآن الكريم أو يسقط حجيته؟!

ثانيًا/ 

مسألة حديث النهي عن كتابة السنة:

إن من أبرز المحاور التي يرتكز عليها القائلون بضياع السنة محور عدم كتابتها في العهد النبوي والراشدي، ويقولون:

إن النبي ﷺ  نهى عن كتابة أي شيء سوى القرآن، وهذا يدل على أن السنة ليست بحجّة؛ لأنها لو كانت حجة لما نهى عن كتابتها،

والردّ على هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: أن يقال: ما التلازم بين النهي عن كتابة السنّة وبين عدم حجّيتها؟, وهل لا يتحقق كون الكلام حجة إلا بالإذن بكتابته؟ فإذا نُهي عن ذلك تسقط حجيته؟ لا شك أن إسقاط حجية السنة بحديث النهي عن الكتابة ينقصه وجود التلازم الذي هو العمدة في الاستنتاج من الأدلة.

الوجه الثاني: إن الذي نهى عن كتابة السنة – ﷺ – هو الذي أمر بحفظها وتبليغها, ونهى عن ردّ ما زاد منها على القرآن, كما في حديث الأريكة، فكيف ينتقون من السنة ما يوافق آراءهم ،ويتركون منها ما يخالفها؟

الوجه الثالث : النهي عن كتابة السنة قد قُوبل بنصوص أخرى ترخِّص في كتابتها، منها قوله ﷺ  مجيباً طلب أبي شاه في كتابة خطبته: «اكتبوا لأبي شاه»، ومنها أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأيّده النبيّ ﷺ على ذلك بقوله: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق», وأشار إلى فيه. وكل ما جاء من النصوص في النهي عن الكتابة ضعيفٌ, إلا حديث أبي سعيد – رضي الله عنه – أن رسول الله ﷺ  قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج»، فإنه مصحح عند جماعة من أهل العلم، ولكن ما وجه تقديمه على نصوص الرخصة؟

ولا ريب أن إعمال النصين اللذين يظهر لبعض الناظرين فيهما التعارض أولى من إهمالهما، وإعمال أحد النصين دون الآخر يحتاج إلى دليل ومرجح، وهذا ما اجتهد أهل العلم فيه، فكانت لهم مسالك في الجمع بين هذه النصوص أو الترجيح بينها:

1- فمنهم من سلك مسلك الترجيح؛ وذلك بترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث النهي لتفاوت رتب ثبوتها، فإن أحاديث النهي رواها أبوهريرة وزيد بن ثابت وأبوسعيد، فأما حديثا أبي هريرة وزيد فلا إشكال في ضعفهما، وأما حديث أبي سعيد فقد صححه الإمام مسلم وغيره، ولكن رجح البخاري وقفه على أبي سعيد الخدري، كما ذكر ذلك ابن حجر – رحمه الله – في «فتح الباري»، وبعضُ طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر ، في جامع بيان العلم وفضله.

2- ومنهم من سلك مسلك الجمع بالقول بنسخ حديث النهي عن الكتابة بأحاديث الرخصة في الكتابة، وأنه إنما نهي عن الكتابة أول الأمر خشية اختلاط السنة بالقرآن، فلما أُمن ذلك رُخص فيها.
ومنهم من قال إن ذلك ؛ لإبقاء سُنّة الحفظ التي كانت عند العرب. وقيل :غير ذلك.

فهذه مجموعة من المسالك لأهل العلم في التعامل مع هذه النصوص، وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف واستقر الإجماع. قال الإمام أبو عمرو بن الصّلاح – رحمه الله -: «ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته»

 

ثالثًا/

تدوين السنّة:

لا يفتأ المشككون في السنَّة من طرح قضية تأخر تدوينها للتوصل إلى إسقاط الثقة بها، وادّعاء تحريفها وضياعها، حتى صارت هذه الشبهة من الشبهات المركزية في الخطابات الحداثية والعلمانية وفي أطروحات من يعرفون بــ(القرآنيين)، يقول الحارث فخري عيسى في كتابه “الحداثة وموقفها من السنّة”:

(لعل الميدان الأكبر الذي يستند إليه كثير من الحداثيّين لإبطال مشروعيّة السنّة وإنكار ثبوتها التاريخي هو القول بتأخر تدوينها، وأن الحديث لم يُدوّن في الصحف، ولم يُكتَب في الكتب إلا بعد مرور مائة عام على الأقل من وفاة النبيّ محمد ﷺ ).

ومن يتأمل في استدلال المشككين بهذه الشبهة يجد فيه عددا من الأخطاء والإشكالات والثغرات، من أهمها:
1- حصر التوثيق في الكتابة، وإهمال وسائل التوثيق الأخرى.
2- الجهل بصور العناية بالسنة في القرنين الأول والثاني.
3- الجهل بوجود الكتابة المبكرة للحديث النبوي.
4- التصور الخاطئ لآلية تدوين أصحاب الكتب المشهورة للسنة في القرنين الثاني والثالث.

فهم يعتقدون وجود مرحلة فراغ استمرت لقرن ونصف أو قرنين، بين وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبين أصحاب الكتب المشهورة للسنة كالبخاري ومسلم ونحوهما، فيفترضون تعامل هؤلاء المصنفين امع أكوام من الروايات التاريخية غير الموثقة، ومِن ثم لملمتها في كتبهم، وهذا في غاية المفارقة لواقع الرواية والتصنيف.

ويَنقض ذلك كله معرفة آلية توثيق السنة بعد وفاة النبي ﷺ، والاطلاع التفصيلي على طريقة رواتها في التحمل والأداء، وفهم قواعد المحدثين بشكل جيد، ومعرفة صور العناية المبكرة بالسنة، وبدون معرفة ذلك على وجه التفصيل فإن الطعن في السنة بدعوى تأخر تدوينها إنما هو طعن متعجل قاصر، مبنيٌّ على تصور خاطئ.

وحقيقة الرد على هذه الشبهة يتمثل في أمرين يلي ذكرهما على وجه التفصيل:
1- الأمر الأول: إثبات العناية المبكرة بالسنة
2- الأمر الثاني: إثبات صحة قوانين المحدثين وآليتهم في توثيق الأخبار.

وسيأتي ذكر الأمر الثاني في الرد على الأصل الخامس من أصول منكري السنة، وهذا شروع في تفصيل الأمر الأول:

إثبات العناية بالسنة عبر المراحل الزمنية

أولاً: العناية بها زمن النبوة:

لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصح الاسانيد، ومن طرق كثيرة جداً تفيد القطع بما انتهت إليه أنه قال: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»( ), وقال: «لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار»( ), وقال: «إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»( ). وهذه النصوص هي اللّبنة الأولى التي بنى عليها المحدّثون قواعدهم، كما أن فيها إشارة ضمنية إلى جواز رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن التحذير من الكذب عليه يُفهم منه تجويز النقل الصادق المتثبت عنه، ولو كان مراداً للنبي صلى الله عليه وسلم ألا يُحدثوا عنه البتة، وألا ينقلوا عنه شيئا من كلامه أو أفعاله لنهى ذلك، ولكنه حذر من الكذب عليه في الوقت الذي حث على التبليغ عنه في مقامات متعددة.

وقد كان للوعيد النبوي الوارد في التحذير من الكذب عليه أثر على أصحابه فَمَن بعدهم من أئمة النقل، وعلماء الأثر، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعمد علي كذبا، فليتبوأ مقعده من النار»( )، مع أن أنس بن مالك من الرواة المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاء في صحيح مسلم في المقدمة أن الرسول صلى الله عليه وسـلم, قال: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم، ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم»( )، قال الخطيب البغدادي في (الكفاية):

“وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسـلم بأن في أمته ممن يجيء بعده كذابين, فحذر منهم, ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره, فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطًا للدين، وحفظًا للشريعة من تلبيس الملحدين”( ) اهـ.

وفي كلام الخطيب ما يفيد أن التأسيس الأولي لعلم الحديث وقواعد التثبت مُستفاد من الشرع نفسه، ومن كلام المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن ذلك صحيح، إضافة إلى التوجيه الرباني في سورة الحجرات : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾( ).

ومن صور العناية النبوية بالسنة: أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام كان يشجع بعض أصحابه الذين اعتنوا بأحاديثه كما في قصة سؤال أبي هريرة النبيَّ صلى الله عليه وسلّم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك, لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه، أو نفسه»( ) وهذه لفتة تشجيعية مؤيِّدة كما في الحديث الصحيح الآخر: «نَضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلَّغه كما سمع، فربَّ مُبلِّغٍ أوعى من سامع»( ) وكما في قصة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما, حين قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه, فنهتني قريش, وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر, يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه, فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد( ) وأبو داود( ) -رحمهما الله تعالى- بإسناد جيد. ولذلك؛ ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: “ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسـلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو-، فإنه كان يكتب ولا أكتب”( ).

وحين خطب النبي صلى الله عليه وسـلم خطبة في تحريم مكة, قام رجل من أهل اليمن, يقال له أبو شاه, فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسـلم: «اكتبوا لأبي شاه».( )
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي»( ). وقال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته, يأتيه الأمر من أمري؛ مما أمرت به أو نهيت عنه, فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»( ). وهو حديث صحيح.
وحدّث رسول الله صلى الله عليه وسـلم وفد عبد القيس بحديث، ثم قال لهم: «احفظوه وأخبروه من وراءكم»( ).

ثانياً: عناية الصحابة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته:

تقدم ذكر حديثي أبي هريرة وابن عمروٍ في هذا الشأن، وحرصهما على تتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والعجيب أن حرص الصحابة على ذلك لم ينتهِ بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسـلم، كما قال البخاري في صحيحه: “باب الخروج في طلب العلم. ورحل جابرُ بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أُنيس في حديثٍ واحد”( ).

وتجد –وأنت تستعرض كتب السنة- أن كثيرا من روايات الصحابة متلقاة بواسطة صحابة آخرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عنايتهم بسماع الحديث فيما بينهم، ومن أمثلة ذلك روايات ابن عباس -رضي الله عنه- الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يسمع منه إلا أحاديث قليلة, فقد توفي رسول الله وهو شاب صغير السنّ.

كما أنه قد تواتر عن أصحاب رسول الله أنهم لم يقتصروا في فتاواهم وأقضيتهم على ما في القرآن، بل ضمّوا إليه السنّة كمصدر تشريعي، كما في القصة المشهورة التي نقلها جم غفير في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وذلك أنها جاءته تطلب ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسـلم ، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسـلم قال: «إنّا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة».( ) وقال أبو بكر لها: «لست تاركا شيئا؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسـلم يعمل به إلا عملتُ به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ»( ). وكل هذا مع أن الحكم الوارد في حديث: «…لا نورث ما تركنا صدقة» ليس مذكوراً في القرآن, إلا أنّ أبا بكر رضي الله عنه شدد فيه هذا التشديد، بالرغم من أنه كان في حرج من ردّ طلب فاطمة، غير أنه يخشى على نفسه من أن يزيغ لو ترَكَه.

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتوقّف في أخذ الجزية من المجوس, حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف, أن النبي صلى الله عليه وسـلم أخذها، فعمل بذلك( )، وهذا حكم عام يتعلق بالدولة الإسلامية بناه عمر على حديث سمعه من شخص واحد وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، واشتهرت هذه الحادثة ونقلها المحدثون وأصحاب السير والمغازي.

بل إنك تجد من بعض الصحابة موقفا شديداً تُجاه المتهاون في شأن بعض السنن، كما وقع لابن عمر رضي الله عنهم إذْ حدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا تمنعوا نساءكم المساجدَ إذا استأذنّكم إليها» قال: فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهنَّ، قال: فأقبل عليه عبد الله: فسبه سبّاً سيئاً؛ ما سمعته سبّه مثله قط, وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسـلم وتقول: والله لنمنعهن( ).

وكان نتيجة هذا الحرص في التلقي والمتابعة والتعظيم أن قاموا بتبليغ ما سمعوه ورأوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعليمه من بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بماء في إناء؛ ليعلّم التابعين وضوء النبي صلى الله عليه وسـلم.( ) والآخر يصلّي أمامهم, وما يريد بذلك إلا تعليمهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما في قصّة مالك بن الحويرث رضي الله عنه( ).

وكان يكتب بعضهم لبعض ما يهمهم من أحاديث رسول الله، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكتب كتابًا لأنس بن مالك رضي الله عنه, فيه مقادير الزكاة, وتفاصيل أحكامها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا في صحيح البخاري.( ) وكتب جابر بن سمرة رضي الله عنه إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً. كما في صحيح الإمام مسلم( ). وكتب عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه لعمر بن عبيد الله .كما في صحيح البخاري( ).

وكان بعضهم يبلغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم في مقام عامّ على منبر رسول الله صلى الله عليه وسـلم. فهذا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- قام خطيبًا في مسجد رسول الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وسـلم, وذكر حدّ الرجم على الزاني, وقال: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ألا وقد «رجم رسول الله صلى الله عليه وسـلم ورجمنا بعده».( )

ثالثاً: عناية التابعين بسنة النبي ﷺ:

قال التابعي الفقيه: عروة بن الزبير رحمه الله تعالى:

“لقد رأيتُني قبل موت عائشة بأربع حجج -يعني سنين-؛ أو خمس حجج, وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمتُ على حديثٍ عندها إلا وقد وعيتُه”( ).

إنّ من أهم مظاهر عناية التابعين بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ملازمتهم للصحابة وضبطهم لأحاديثهم، فتجد أحدهم يلازم الصحابي مدة طويلة, يسمع منه الحديث، ويضبطه عنه، حتى تتحصل لديه خبرة خاصة بأحاديث هذا الصحابي، حتى صارت هناك دوائر من التابعين المتيقظين محيطة بالصحابة المكثرين من الرواية، ثم نجد دوائر من تابعي التابعين محيطة بدوائر التابعين، وهكذا إلى مرحلة التدوين الشامل في مصنفات السنة، وتتفاوت رُتَب الدوائر عن الراوي الواحد، فهناك هي الأكثر ضبطا والأوثق، ثم الدائرة الثانية، ثم الثالثة..الخ.

فإذا اختلف الرواة عن الصحابي الواحد أو عن التابعي الواحد في رواية خبر ما، فإن المحدثين يقدمون رواية أصحاب الدائرة الأولى على من بعدهم، ويتفاوت إخراج أصحاب كتب السنة لأصحاب هذه الدوائر بحسب شرط صاحب الكتاب.

مثال ذلك:
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

(أصحاب الزهري خمس طبقات:

الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والاتقان، وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس وعقيل، وشعيب، وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
الطبقة الثانية: أهل حفظ واتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في اتقانه دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد ونحوهم، وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ونحوهم.
وهؤلاء يخرج لهم أبو داود، والترمذي والنسائي، وقد يخرج مسلم لبعضهم متابعة.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري، من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم، مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب وبحر السقاء، ونحوهم.
فلم يخرج لهم الترمذي، ولا أبو داود، ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين) اهـ.

بل نجد المحدثين في دقتهم يفاضلون بين أصحاب الدائرة الواحدة، فعلى سبيل المثال: لا يختلف أهل الحديث أن سالم بن عبد الله ونافعا مولى بن عمر أضبط من روى عن ابن عمر، وأنهما في الدائرة الأولى، وأن كل واحد منهما روى عن عبد الله بن عمر قدراً كبيراً من الأحاديث، ومع ذلك نجد الإمام المحدث النسائي يقول: “اختلف سالم ونافع في ثلاثة أحاديث، وسالم أجلّ من نافع -يعني قدرًا وعلمًا-, وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب” اهـ من كتاب (تهذيب التهذيب) ( )، فانظر كيف حدد قدر الاختلاف بينهما بدقة ثم رجح قول نافع، ولم يمنعه كونهما غاية في الحفظ والضبط من أن يتنبّه لهذا النقد الدقيق.

كتابة الحديث في زمن التابعين

كَتَبَ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رسالة نافعة بعنوان: (دراسات في الحديث النبويّ وتاريخ تدوينه) نال بسببها درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بامتياز، وقد تتبع فيها أسماء الذين كتبوا الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل إلى نتائج مذهلة، ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثةً وخمسين ممّن كتبوا الحديث, أو كُتب عنهم، وفي طبقة تابعي القرن الثاني تتبّع تسعةً وتسعين تابعيًا ممن كتبوا, أو كُتب عنهم، وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، على خلاف ما يدعيه المنكرون.

وقد تولّى الخليفة التابعيّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الاهتمام بقضية تدوين السنّة –وقد عاش في زمن متقدم في أواخر القرن الهجري الأول-، كما قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم:

“وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه، فإني خفتُ دروس العلم -أي اندثاره وذهابه -وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسـلم، وليفشوا العلم، وليجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم, فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا”( ) ا.هـ.

ومن جهة أخرى فقد عُرف بعض التابعين بالتدقيق والتتبع والتفتيش في الأسانيد والرواة، وقد كان التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله مِن أشهر مَن اعتنى بذلك، كما قال علي ابن المديني رحمه الله:

“كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد, ولا نعرف أحدًا أولَ منه: محمدُ بن سيرين, ثم كان أيوب وابنُ عون, ثم كان شعبة, ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن”.

وهذا نقله ابن رجب في (شرح علل الترمذي)( )، وثبت عن ابن سيرين أنه قال:

“إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم”.( )

 

رابعاً: العناية بالسنة في وقت أتباع التابعين:

قال ابن رجب رحمه الله -في شرح العلل-:

“والذي كان يُكتَب في زمن الصحابة والتابعين, لم يكن تصنيفاً مرتباً مبوباً، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صُنِّفت التصانيف” ( ).

والتصنيف هو ترتيب الأحاديث على الأبواب.

وممّن صنّف في هذه المرحلة: ابن جريج رحمه الله: حيث صنف في السنن والطهارة والصلاة, وتوفي عام (150ه)ـ. ومنهم محمد بن إسحاق: صنف في المغازي, وقد توفي عام (151ه) -على خلاف في سنة وفاته-. وكذلك معمر بن راشد الأزدي: صنف الجامع, وتوفي عام (153هـ). وابن أبي عروبة: صنف السنن والتفسير, وتوفي عام (157هـ). وكذلك ممن صَنّف في هذه المرحلة سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهما رحمهم الله جميعاً.

ومن المصنفات المشهورة جدًا في هذه المرحلة: موطَّأ الإمام مالك. والموطأ مرتب على الكتب والأبواب, وفيه كلام النبي صلى الله عليه وسـلم وكلام بعض الصحابة والتابعين مع كلام الإمام مالك كذلك.

 

خامساً: العصر الذهبي للسنّة تصنيفاً ونقداً.

بعد المرحلة السابقة تطورت المصنفات في السنة لتشمل أنواعاً جديدة من التصنيف، فجمع البخاري الأحاديث التي يجمعها رابط الصحة المؤكدة، وهو أول من قام بذلك، وقد اشتبه هذا العمل على بعض جهلة المشككين فظنوا أنه أول من جمع الحديث، وليس الأمر كذلك، بل إنه سُبِق بمصنفات حديثية كثيرة كما مرّ معنا، وهو إنما ابتدع جمع الصحيح من الحديث وإفراده في كتاب مستقل.

وقد اجتمع في هذه المرحلة عدد كبير من أفذاذ علماء الحديث، بحيث لم يجتمع في عصرٍ قبله ولا بعده مثل هذا العدد لعلماء متمكّنين من الحديث والأسانيد والعلل والرجال. فقد اجتمع فيه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة من المحدثين.

وانتشر التصنيف في الرجال ورواة الحديث وأحوالهم وبيان مسائل المصطلح وقواعد النقد، فقد جمع البخاري كتاباً كبيراً في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح، ودوّن أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب عُرفت بكتب المسائل، وصنّف ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه.

والمحصَّل من ذلك كله أنّ الطعن في السنَّة بدعوى عدم تدوينها ينقصه إدراك واقع الرواية وطبيعة نقلها، وحيثيات ذلك، فالتدوين موجود منذ الزمن الأول، والتوثيق الذي قام به المحدثون لنقل السنة كان غاية في التثبت والتحوّط، بل هو أثبتُ من كثير مما هو موجود في تراث الأمم من المخطوطات والصحف القديمة التي يُجهل كثير من كتابها ومؤلفيها.

وفي الأصل التالي بيان الوجه الآخر في نقض الشبهة.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى