الأصل الخامس: إسقاط مكانة علم الحديث والتشكيك في منهجية المحدثين وطرقهم في تصحيح الأخبار وتضعيفها

الأصل الخامس:

إسقاط مكانة علم الحديث والتشكيك في منهجية المحدثين وطرقهم في تصحيح الأخبار وتضعيفها

 

(أول من نظَّم نقد الروايات التاريخية، ووضع القواعد لذلك: علماء الدين الإسلامي؛ فإنهم اضطروا اضطرارًا إلى الاعتناء بأقوال النبي، وأفعاله؛ لفهم القرآن وتوزيع العدل. فقالوا: إن هو إلا وحي يوحى، ما تلي منه فهو القرآن ومالم يُتلَ منه فهو السنة؛ فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها، فأتحفوا علم الحديث بقواعد لا تزال في أسسها وجوهرها محترمة في الأوساط العلمية حتى يومنا هذا).

هذا ما قاله الدكتور أسد جبرائيل رستم -أحد أشهر علماء التاريخ في القرن العشرين- وهو لبناني نصراني كان يدرس بالجامعة الأمريكية ببيروت، وذلك أنَّه حين أراد أن يؤلف كتابه الأشهر في التعامل مع النصوص التاريخية: “مصطلح التاريخ” اطلع عن كَثَب على تراث المحدثين وكتبهم في مصطلح الحديث، فأدهش لذلك، وتعجب من منهجيتهم الدقيقة في توثيق الأخبار ونقدها، وقد سجل الحالة الشعورية التي مرّ بها وهو يقرأ في كتب مصطلح الحديث، فقال:

(أكببت على مطالعة كتب المصطلح وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعًا عليها ازداد ولَعي بها وإعجابي بواضعيها) اهـ.

ثم ذكر تجربته التفصيلية مع كتاب الإلماع للقاضي عياض، فقال:

(ولا أزال أذكر حادثًا وقع لي عام (1936) في دمشق يوم احتفلت الحكومة السورية بمرور ألف عام على وفاة المتنبي، فإني كنت في جملة الوافدين إلى عاصمة الأمويين والمحتفلين بذكرى شاعر العرب، وأقمت فيها مدة من الزمن أُقلِّب في أثنائها مخطوطات المكتبة الظاهرية. وما إن بدأت بالعمل حتى أيقنت أني أمام أعظم مجموعة لكتب الحديث النبوي في العالم، ففي خزائن هذه المكتبة عدد لا يستهان به من أمَّهات المخطوطات في هذا العلم، وقسم منها يحمل خطوط أعاظم رجال الحديث؛ ومن أهم ما وجدت فيها نسخة قديمة من رسالة القاضي عياض (ت 544 هـ) في علم المصطلح، كتبها ابن أخيه سنة (595هـ)، وكنت قد قرأت شيئًا عنها في بعض رسائل المصطلح، فاستنسختها بالفوتوستات، وبدأت في درسها وتفهُّم معانيها، فإذا هي من أنفس ما صُنِّف في موضوعها، وقد سما القاضي عياض إلى أعلى درجات العلم والتدقيق في عصره.
والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ في أوربا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، وذلك على الرغم من مرور سبعة قرون عليها؛ فإنَّ ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير والاستنتاج، تحت عنوان “تحري الرواية والمجيء باللفظ” يُضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في أهم كتب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز. وقد اقتطفنا من كلام القاضي عياض في هذا الموضوع شيئًا أوردناه في باب تحري النص والمجئ باللفظ في كتابنا هذا.
والواقع أن المثودولوجيا الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي، ليست غريبة عن علم مصطلح الحديث، بل تمتُّ إليه بصلة قوية؛ فالتاريخ دراية أولا ثم رواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتواصل إلى الحقيقة في الحديث، تتفق في جوهرها وبعض الأنظمة التي أقرها علماء أوربا فيما بعد في بناء علم المثودولوجيا، ولو أن مؤرخي أوربا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدِّثين، لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجيا حتى أواخر القرن الماضي) انتهى .

وفي المقابل نجد بعض جهلة المسلمين من مدعي التجديد والتنوير، يشككون في قيمة هذا العلم، بل يرون أنه علم زائف، وأنه ليس إلا وسيلة لتمرير المذاهب والايديولوجيات التي ينتمي إليها المحدثون، فهو علم غير موضوعي، ولا حيادي، ولا يفيد شيئاً في تمييز الصحيح من ركام المرويات -كما يعبرون-، وقد لمست من خلال تجربتي الشخصية في مناقشة منكري السنة أن أحكامهم تلك على علم الحديث ليست صادرة عن علم ومعرفة به، ولذلك جاءت اعتراضاتهم عليه منقوصة، مشوهة، مضطربة.

وأما من أدرك تفاصيل هذا العلم، واطلع على حقائقه، وكان عادلاً منصفاً في حكمه، فإنه سينظر إليه يعين التقدير، وسيعرف لرواده فضلهم ومنزلتهم، كما فعل أسد رستم.

وأشير هنا إلى أهمية اشتغال المتخصصين في علم الحديث بإبراز جوانب العظمة في هذا العلم، وألا يكتفوا بشرح مسائل المصطلح والتخريج، بل يجمعوا إلى ذلك الاشتغال بقضايا الإثبات الكبرى المتعلقة بهذا الفن الشريف، خاصة وأن أكثر الذين كتبوا في مجال حجية السنة لم يتصدوا لإثبات صحة علم الحديث وكفايته في توثيق السنة، مع أن ذلك في غاية الأهمية والخطورة، وهو قاطع لأكثر الشبهات، ووائد لها في مهدها.
وممن كتب قواعد علم الحديث مستحضراً طعونات المشككين من المستشرقين ونحوهم: الدكتور نور الدين عتر في كتاب (منهج المحدثين في النقد) ومن الكتابات الجيدة في رد الاعتراضات المثارة ضد علم الحديث ومنهجية المحدثين: ما قدمه الدكتور خالد أبا الخيل في كتابه: الاتجاه العقلي وعلوم الحديث.

وقبل أن أذكر جوانب تميز المحدثين في منهجهم النقدي أشير إلى إن علم الحديث لم ينشأ في بيئة منعزلة عن واقع الرواية، فهو وإن كان قد تأسست أصوله مع نزول الوحي, وذلك بالتأكيد على التثبت في الأنباء, وتغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم –كما تقدّم-، إلا أن تطوّره وتشعّبه جاء مواكباً للتحديات المحيطة بواقع الرواية، ففي المراحل الأولى في زمن الصحابة وكبار التابعين؛ لم تكن سلسلة الإسناد طويلة، إذ كان الصحابي يروي عن النبي ﷺ  دون واسطة بينهما، وربما روى عن صحابي آخر عن النبي ﷺ ، والتابعون الكبار يروون عن الصحابة مباشرة, ثم بدأت السلسلة تطول في وقت صغار التابعين، فقد يروي أحدهم حديثاً عن تابعيّ آخر عن ثالثٍ عن صحابي عن النبي ﷺ ، وربما أكثر من ذلك، وظلّت السلسلة في امتداد مع تأخر الزمن، ودخل في سلسلة الإسناد رواة كُثُر، فيهم المعروف والمجهول، وانتشر الكذب في الروايات، وكَثُر الوهم لكثرة الرواة على اختلاف مستوياتهم، ولأجل ذلك كله؛ طوّر العلماء والمحدثون الأدوات الضامنة لمعرفة ما صحّ من الرواية, مما لم يصحّ، وتفرّغ أناس من الجهابذة لهذه المهمة العظيمة، وتوفرت لديهم الآلة المناسبة، مع دقة الفهم والنظر، وبذْلِ أقصى الجهد في الرحلة والدراسة والمقارنة.

الجوانب الكاشفة عن تميّز المحدّثين في منهجهم النقدي، إجمالاً :

1- اشتراط المحدثين سلامة أسانيد الروايات في الظاهر، من جهة اتصالها وعدالة رواتها وضبطهم.
2- عناية المحدثين باستخراج العلل الخفية وعدم الاكتفاء بشروط الصحة الظاهرة.
3- تحديث المعلومات عن الرواة برصد الإشكالات الطارئة، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق.
4- نقدهم للمتون، ولو صحت أسانيدها في الظاهر.

الجوانب الكاشفة عن تميّز المحدّثين في منهجهم النقدي، تفصيلاً :

الجانب الأول:

اشتراط المحدثين سلامة أسانيد الروايات في الظاهر، من جهة اتصالها وعدالة رواتها وضبطهم.
يشترط المحدثون لقبول الروايات والأخبار شروطاً تعود إلى ظواهر الاسانيد وأخرى إلى بواطنها، فأما الشروط التي تعود إلى الظاهر فهي للتصفية الأولية، ثم ينخلون بعد ذلك المصفّى من الروايات بالبحث عن عللها الباطنة، فيستبعدون كثيراً من الأخبار التي صحت ظواهر أسانيدها بعد نخل باطنها والتدقيق فيها، ويُبقُون ما ظهر صفاؤه بعد التنقية الظاهرة والباطنة، وهذه المنهجية الصارمة لا تجدها في أي ميدان تاريخي للأمم، بل إن التصفية الأولى العائدة إلى ظواهر الأسانيد لا تكاد تجدها عند غيرهم فضلاً عن النخل الباطن، فإنك ترى أن كثيراً من علماء التاريخ في العالم يحفلون ببعض المخطوطات القديمة ويبنون عليها حقائق تاريخية مع أنه ينقصها بعض شروط الصحة الظاهرة، كضبط الراوي والتأكد من نزاهته، فلو وجدنا مخطوطة تعود للقرن الرابع الميلادي على سبيل المثال، ويتحدث فيها كاتبها عن حدث معين في تلك المرحلة، فإن هذا ينقصه التأكد من حال كاتب المخطوطة، إذ إن القدم لا يساوي الثقة، فكيف لو كان كاتب المخطوطة -مع ذلك- يتحدث عن أمر وقع في زمن قبله؟ فهذا انقطاع زمني لا يقبله المحدثون في الصحيح من أحكامهم بينما قد يقبله غيرهم.

والشروط الظاهرة التي يشترطها المحدثون لصحة الروايات الحديثية ثلاثة:

(عدالة الرواة الناقلين للخبر، وضبْطُهم لما ينقلون ويروون، واتصال أسانيد أخبارهم بألا يكون فيها انقطاع ظاهر ولا باطن)

وفيما يلي تفصيل لمنهجية المحدثين في كل شرط من هذه الشروط:

الشرط الأول: عدالة الرواة:

العدالة هي نزاهة الراوي في باب الصدق، وسلامته الدينية من الفسق. واشتراطُ المحدثين لذلك إنما كان خشية وقوع الكذب المتعمد في الرواية بزيادة فيها، أو باختلاق شيء من القصص ثم تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذي يتجرأ على الحرام ويتهاون في ارتكابه, قد يتجرأ ويكذب على رسول الله ﷺ .

ولا يكتفي المحدثون في شرط العدالة بعدم قبول رواية من عرفوا فيه الفسق، بل إنهم يُدرجون في ذلك من كان مجهول الحال من الرواة ممن لا يُعرف حاله.

فإن قال قائل:

أليس قد يتلبس إنسان بالصلاح ظاهرًا, ويكون في باطنه على خلاف ذلك؟

فنقول:

إن شرط العدالة ليس إلا بوابة شروط تصحيح الحديث، وليس كافياً عند المحدثين كون الراوي صالحا صلاحا حقيقيا في الباطن والظاهر حتى يحكموا على حديثه بالصحة، فضلاً عن أن يكون صلاحه زائفاً، فتجدهم يقولون في بعض العُبّاد الكبار الذين عرفوا بمزيد اختصاص في الشأن التعبدي: لا تقبلوا أحاديثهم. وذلك لأنهم اختبروا أحاديثهم التي رووها فوجدوا أن شرط الضبط والإتقان غير متحقق فيهم، فأسقطوا الاحتجاج بأحاديثهم، مع حفظهم لمقامهم في الصلاح والعبادة والفضل.

الشرط الثاني: الضبط والإتقان.

قد يكون الراوي عدلاً صالحاً، ولكنه لا يضبط الأخبار -كما تقدم-، فمِثلُ هذا لا يُخشى من تعمده الكذب وإنما يُخشى من خطئه وغلطه؛ فلذلك لا يقبل المحدثون رواية الصالحين حتى يتحققوا من مستوى ضبطهم ودرجة اتقانهم.

وكيف يعرف النقاد ضبط الراوي واتقانه؟
يعرفون ذلك بوسائل دقيقة وطرقٍ مُتقنة، فمنها اختبار الأحاديث والمتون التي رواها وحدّث بها الراوي، وهذه الطريقة هي العمدة في الجرح والتعديل، فيختبرون أحاديثه، ومن ثمَّ يحكمون عليه بالضبط أو عدمه بناء على ذلك، بل وربما حكموا عليه بالكذب وهم لا يعرفون شخصه، وإنما بناء على ما روى، وهذه بعض الأمثلة:

1. أحمد بن إبراهيم الحلبي، وهو راوٍ قد روى أحاديث منكرة المتن منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يناغي القمر وهو صغير, فيشير له إلى اليمين فيذهب يمينًا، وإلى الشمال فيطيعه، فذكر النبي ﷺ أن القمر كان يلهيه حين يبكي وهو صغير.
فهذا الراوي، قد حكم عليه أحد أئمة الحديث الكبار وهو أبو حاتم الرازي بالكذب مع تصريحه بأنّه لا يعرفه، وإنما حُكْمُه عليه من خلال حديثه فقط، فقد جاء في كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم أن أبا حاتم قال عنه: «لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعةٌ كلها ليس لها أصول، يدلّ حديثه على أنه كذاب» أ.هـ.

2. وسأل المــرُّوذي الإمام أحمد عن راوٍ اسمُه: جابر الجُعفي: «يتهم في حديثه بالكذب؟ قال أحمد: من طعن فيه, فإنما يطعن بما يخاف من الكذب. قال المروذي: الكذب؟! فقال الإمام أحمد: إي والله وذلك في حديثه بيّن»، والشاهد قوله: (وذلك في حديثه بيّن).

3. وقال ابن معين -إمام الجرح والتعديل- عن رَوْح بن عبادة: «ليس به بأس صدوقٌ، حديثه يدلّ على صدقه».

ومن أهمّ وسائل اختبار أحاديث الراوي عند نُقّاد المُحدثين: معارضتها ومقارنتها بأحاديث الثقات، قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث:

“يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر -أي نعرض ونختبر- روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه”.

مثال ذلك: قال يحيى بن معين: “قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله”.

ومعنى قولِ ابن معين لابن عُليّة: “عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة”، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لمروياتك وأحاديثك بمرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثَر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق.
ومن الوسائل التي يعرف بها المُحدثون ضبط الرواي -أيضًا-: سؤال الراوي واختباره مباشرةً.

مثال ذلك: اختبار حماد بن سلمة لشيخه ثابت البناني – وكلاهما ثقتان – حيث قال: «كنت أظن أن ثابتًا البناني لا يحفظ الأسانيد، كنت أقول له لحديث ابن أبي ليلى: كيف حديث أنس في كذا وكذا؟ فيقول: لا إنما حدثَناه ابن أبي ليلى، وأقول له: كيف حديث فلان في كذا، فيقول: لا، إنما حدثَناه فلان»، فحماد كان يخلط له الأسانيد متعمدًا؛ لأنه يريد أن يعرف هل يميز ثابتٌ بين ما روى عن أنس، وما روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فإذا لم يُميّز, علم أن حفظه ليس بذاك, وإذا تنبّه, علم أنه متقن يقظ، فعلم بهذا الامتحان أنه متقن يَقِظٌ.

أمور يراعيها المحدثون أثناء تحقيق شرطي العدالة والضبط:

الأمر الأول: البُعد عن المحاباة:
جاء في «تهذيب التهذيب» لابن حجر – رحمه الله – في ترجمة أبان أبي عيّاش، قال عبّاد المـُهلّبي: «أتيتُ شعبة أنا وحمّاد بن زيد، فكلّمناه في أبان أن يُمسك عنه، -أي: يترك الكلام في تضعيفه- فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك فقال: ما أُراني يسعني السكوت عنه».أهـ. وكان أبان مشهوراً بالصلاح، ولكنه سيء الحفظ.
والإمام علي بن المديني ضعّف والده. والإمام أبو داوود صاحب السنن تكلم في ابنه واتهمه بالكذب.

الأمر الثاني: قبول أحاديث المخالفين في الاعتقاد من أهل المذاهب المبتدعة؛ تقديماً لمصلحة السنّة والرواية:
واجه المحدثون في زمن الرواية إشكالَ انتشار الفرق التي تخالف طريقة الصحابة والتابعين في أبواب الاعتقاد، كالقدرية والخوارج والشيعة والنواصب، وكان كثير من المنتمين لهذه الفرق يطلبون الحديث ويحضرون مجالسه ويجتهدون في تحصيله، ويُعرَفون بالضبط والإتقان، فاختلف المحدثون في الموقف من هؤلاء الرواة، هل يروون عنهم، ويحكمون بثقتهم وقبول ما عندهم، أم يتركون الرواية عنهم وينهون الناس عن سماع الحديث منهم؟
فالذين منعوا الرواية عن هؤلاء رأوا أنَّ هجرهم هو الوسيلة الأنجع لتقليل شرهم؛ وعودتهم إلى الصواب والسنّة، كما أن بعضهم يرى أن المبتدع لا يؤمَن جانبه, حيث يُخاف أن ينتصر لمذهبه الخاطئ برواية يضعها وينسجها، إضافة إلى أن بعض البدع قد تصل بالإنسان إلى الكفر, كما في بعض أقوال الجهمية.
بينما تجاوزت طائفة أخرى من نقّاد الحديث النظر إلى جُلّ هذه السلبيات, وقدموا مصلحة الرواية والسنّة، حيث عُرف بعض هؤلاء المبتدعة بجودة الحفظ، وكثرة ما عندهم من الروايات الصحيحة، واشترط النّقاد لقبول رواية هؤلاء أن يكونوا معروفين بالصدق والسلامة الدينيّة؛ بحيث لا يعرف عنهم الفسق في العمل والسلوك، كما أن بدعتهم لا تصل بهم إلى حدّ الكفر بالله، واشترط كثير منهم مع ذلك ألا يكونوا من رؤوس المبتدعة الداعين إلى بدعتهم، وعلى هذا الرأي استقر عمل أكثر المحدّثين، وإذا تأملت في صحيحي البخاري ومسلم تجد أن عددا غير قليل ممن احتج بهم الشيخان عرفوا بشيء من البدعة، وهذا يُبطل قول من يطعن في المحدثين بدعوى المؤثرات المذهبية.

الشرط الثالث: اتصال الإسناد:

لا زلنا في الشروط الظاهرة التي يتعامل بها المحدثون مع الأحاديث والأخبار، فبعد تأكدهم من سلامة رواة الخبر من جهة استقامة السلوك، ومن جهة الحفظ والضبط فإنهم ينظرون إلى كيفية رواية كل واحد منهم للخبر وأدائه له، هل روى الخبر عن شيخه بصيغةٍ تُفيد عدم الانقطاع بينهما مثل (سمعت، وحدثني، وأخبرني) أم رواه بصيغةٍ تدلُّ على عدم الاتصال كـ ( نُبِّئتُ عن فلان، وبلغني أنّ فلانًا قال) أم رواهُ بصيغةٍ غير صريحة في الاتصال ولا في الانقطاع كـ ( عن، وقال)؟ ولهم تعاملٌ خاص مع كل نوعٍ من أنواع صِيَغ الأداء.

والانقطاع في الرواية قد يكون ظاهراً، كأن يروي راوٍ عن شيخ توفي قبل مولده، أو أن تكون صيغة الأداء صريحةً في الانقطاع كـ (بلغني عن فلان) ومعرفةُ هذا النوع من الانقطاع لا عناء فيها.

وقد يكون الانقطاع في الرواية خفيّاً، كأن يكون بالتدليس -وهو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمعه منه بصيغة محتملة؛ كــ«قال» و«عن»-، فالراوي المـُدلّس حين يروي الرواية التي لم يسمعها فإنه يجتنب الألفاظ الصريحة في السماع نحو «سمعتُ وحدثني» ويستبدلها بالألفاظ المحتملة لأنه لا يريد أن يكذب، ويعد هذا التدليس نوعًا من الانقطاع الخفي، وقد ذمه طائفة من كبار المحدثين كشعبة ابن الحجاج، وللمـُحدّثين في كشف التدليس طرق دقيقة، ومسالك متقنة تقوم على دراسة المتن ومقارنة الأسانيد وقياس نسبة التدليس عند الراوي وغير ذلك، وليس كما يظنه بعض المشتغلين بالحديث من أنّ كشف التدليس لا يتطلّب أكثر من النظر إلى صيغة الأداء، فإن صرّح المـُدلّس بالسماع قُبِل حديثه، وإن لم يُصرّح رُدَّ، ويضيق هذا المقام المختصر عن شرح دقائق طُرُق المحدِّثين في كشف التدليس.

الجانب الثاني:

عناية المحدثين باستخراج العلل الخفية وعدم الاكتفاء بشروط الصحة الظاهرة.

بعد أن يثق نقاد الحديث بالرواة من جهة عدالتهم وضبطهم، وبالإسناد من جهة اتصاله وعدم انقطاعه، فإنهم لا يُصدرون الحكم على الحديث بالصحة مباشرة، كما قال ابن القيم -رحمه الله- :

«وقد عُلم أن صحة الإسناد شرطٌ من شروط صحة الحديث وليست موجبةً لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصحّ بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وألّا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذّ عنهم» اهـ.

والخطوة المهمة التي ينتقل إليها المحدثون بعد التأكد من سلامة الإسناد في ظاهره هي جمع سائر أسانيد الحديث وطرقه، ثم المقارنة بينها، والنظر في مدى الاتفاق والاختلاف بين الرواة، ثم ترجيح رواية الأثبت والأوثق حال الاختلاف، وبهذا تستبين العلل الخفية، كما قال الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى:

“إن الحديث إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يتبين خطؤه”.

وقال الخطيب البغدادي:

” السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط “.

ولأهل الحديث البارعين نظر دقيق في استخراج علل الأسانيد شبّهوه بنظر الصيرفي الحاذق في اكتشاف زيف الذهب، حتى أن عباراتهم قد تضيق عن وصف ما يجدونه في أنفسهم حال تنبههم لموضع الغلط من الرواية التي ظاهرها الصحة.

مثال لطيف لكشف علة حديث ظاهرُ إسناده الصحة:
حَضَر “جرير بن حازم” مجلس “ثابت البُناني”، وكان حجاج الصواف حاضراً ذاك المجلس أيضاً -وكلهم ثقات- فروى حجاجٌ حديثاً عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، عن النبيّ ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»( ). وبعد انقضاء المجلس، صار جرير يحدث بهذا الحديث عن ثابت البناني -صاحب البيت- فيقول: حدثنا ثابت عن أنس أن النبي ﷺ  قال: «إذا أقيمت الصلاة…», مع أن ثابتاً لم يُحدّث بهذا الحديث، ولكن لأن جريراً سمع الحديث في مجلس ثابت فارتبط في ذهنه اسم ثابت مع هذا الحديث، ولأن ثابتاً أكثر ما يروي عن أنس فقد ذهب وهل جرير إلى أن هذا الحديث رواه ثابت عن أنس كالعادة، والحديثُ إنما يعرف من رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. فاكتشف المحدثون هذا الخطأ، وعرفوا سببه الغامض الدقيق مع أن ظاهر الإسناد الصحة( )، وهذا نصّ كلام الترمذي في جامعه حول هذا الحديث رقم (517)، قال: (حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس بن مالك قال: “كان النبي ﷺ  يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر”.

قال أبو عيسى -أي الترمذي-:

هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدا -أي البخاري- يقول: وَهِم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: “أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي ﷺ  فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم” قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء وهو صدوق، قال محمد: وهم جرير بن حازم في حديث ثابت عن أنس عن النبي ﷺ ، قال: “إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني” قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد، قال: كنا عند ثابت البناني فحدث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ  قال: “إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني” فوهم جرير، فظن أن ثابتا حدثهم عن أنس عن النبي ﷺ ) اهـ.

الاختلاف بين الثقات:

إن من أدق وأغمض أبواب علم علل الحديث: التعامل مع الأحاديث التي اختلف الثقات في رواياتها، وهو باب يُظهر -بحق- علوّ كعب أئمة المحدثين، ويُبرِز قيمة هذا العلم، وفي هذا المعنى يقول ابن رجب -وهو أحد أئمة المحققين في علم الحديث-:

(اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هين، لأن الثقات والضعفاء قد دُوِّنوا في كثير من التصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التواليف. والوجه الثاني: معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع ونحو ذلك، وهذا هو الذي يحصل من معرفته واتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث… ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة؛ فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما؛ فمن رُزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه) اهـ.

والمقصود بهذا الباب أنَّ الثقات حين يشتركون في رواية حديث معين، فيختلفون في إسناده أو متنه بزيادة أو نقص أو بقلب وغيره، فإن الحكم بالرواية الأصح من بين هذه الاختلافات يضيق على كثير ممن لم يدق نظره في هذا العلم الجليل، بينما نجد لكبار النقاد موازين مذهلة، وتصنيفات رائعة، في الترجيح بين الثقات الحفاظ.

مثال ذلك: قال ابن رجب رحمه الله تعالى:

«أصحاب الزهري -أي تلاميذه-: .. خمسُ طبقات، وهم خلق كثير يطول عددهم، واختلفوا في أثبتهم وأوثقهم, فقالت طائفة: مالك، قاله أحمد في رواية، وابن معين. وذكر الفلاس أنه لا يُختلف في ذلك, قال أحمد في رواية ابنه عبد الله: مالك ثم ابن عيينة، قال: وأكثرهم عنه رواية يونس وعُقيل ومعمر.. وقال أبو حاتم الرازي: مالك أثبت أصحاب الزهري، فإذا خالفوا مالكًا من أهل الحجاز حُكم لمالك.

وهو أقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه. وأقوى من معمر، وابن أبي ذئب، وقالت طائفة: أثبتهم ابن عيينة، قاله: ابن المديني، وتناظر هو وأحمد في ذلك، وبيّن أحمد أن ابن عيينة أخطأ في أكثر من عشرين حديثاً عن الزهري. وأما مالك فذكر له مُسْلم في كتاب التمييز عن الزهري ثلاثة أوهام» أهـ. من شرح العلل لابن رجب.

فهذا النص الذي تتم المقارنة فيه بين اثنين من كبار حفاظ الحديث على الإطلاق، وهما: الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، تجد أن ترجيح أحدهما على الآخر يكتنفه رصد دقيق لعدد الأخطاء التي وقع فيها كل واحد منهما، مما يؤدي إلى تقديم الأقل خطأً على الأكثر، وإن كان كلاهما في دائرة قليلي الخطأ من جهة العموم.

الجانب الثالث:

تحديث المعلومات عن الرواة برصد الإشكالات الطارئة، وعدم الاكتفاء بالحكم المسبق.

إذا حكم المحدثون على راوٍ بأنه ثقة، فهل يعني ذلك أنه سيظل ثقة طول عمره؟
الجواب: لا، فإن الرواة قد تعتريهم حالات عارضة تؤثر في قدراتهم الذهنية، وقد يختلف مستوى أدائهم للحديث بحسب ظروف الحياة وما فيها من مصائب وكوارث، وبحسب تقدمهم في السنّ، كما أن بعض الرواة إنما يكون إتقانه وضبطه إذا كانت معه صُحُفه التي دوّن فيها الأحاديث التي سمعها، فإذا سافر دون أن يحملها معه فحدّث من حفظه، فإن مستوى أدائه ينزل عن درجته حال استقراره.

وقد اعتنى كبار نقاد المحدثين برصد هذه الحالات الطارئة، والتعامل معها بحسب ما تقتضيه من تأثير على صاحبها، وكثيراً ما يُعبّر المحدثون عن التغير الطارئ على ذهن الراوي بلفظ: الاختلاط، ولهم دقة في تمييز المختلطين ودرجات الاختلاط، وتمييز من روى عنه قبل اختلاطه وبعده، فتجدهم يقولون عن بعض الرواة: فلان اختلط عام كذا, فكل من روى عنه قبل هذا العام فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد هذا العام فروايته عنه ضعيفة.

مثال ذلك: عطاء بن السائب الكوفي، وهو من المشهورين وهو صدوق لا بأس به، إلا أنه اختلط في آخر عمره، قال ابن رجب – رحمه الله – في «شرح علل الترمذي»:

«ذكر الترمذي في باب كراهية التزعفر والخلوق للرجال ، من كتاب الأدب من جامعه هذا قال: يُقال إن عطاء بن السائب كان في آخر عمره قد ساء حفظه، وذَكَرَ عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد قال: من سمع من عطاء بن السائب قديماً, فسماعه صحيح، وسماع شعبة وسفيان من عطاء بن السائب صحيح, إلا حديثين عن عطاء بن السائب عن زاذان قال شعبة: سمعتهما منه بأخرةٍ»أهـ .

وهذا نصّ بديع، فزيادة على تمييز المحدثين لمن روى عن عطاء قديماً قبل اختلاطه -ومنهم شعبة- ؛ إلا أنهم لم يغفلوا كذلك عن حديثين رواهما عنه شعبة بعد اختلاطه.

ومن الأمور الدقيقة في الأحوال العارضة: أن المحدّثين رصدوا تغيّر جودة رواية الراوي في بعض البلدان دون بعض؛ فقد جاء في كتاب «شرح علل الترمذي» لابن رجب – رحمه الله – متحدثاً عن طائفة من الرواة فقال:

«النوع الثاني : مَن ضُعِّف حديثه في بعض الأماكن دون بعض, وهو على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: من حدث في مكان لم تكن معه فيه كتب فخلّط، وحدث في مكان آخر من كتبه فضبط, أو من سمع في مكانٍ من شيخ فلم يضبط عنه، وسمع منه في موضعٍ آخر فضبط، فمنهم معمر بن راشد، حديثه في البصرة فيه اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد، قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحبّ إلي من حديث هؤلاء البصريين -وعبد الرزاق في اليمن-؛ كان يتعاهد كتبه وينظر – يعني باليمن – وكان يحدثهم بخطأٍ بالبصرة. وقال يعقوب بن شيبة: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب؛ لأن كتبه لم تكن معه»أهـ.

فتأمّل هذه الدقة العجيبة. ثم ابتدأ ابن رجب – رحمه الله – بذكر بعض الأحاديث؛ التي اختلفت فيها رواية معمر ما بين اليمن والبصرة، فقال:

فمما اختلف فيه باليمن والبصرة حديث: «أن النبي الله -ﷺ – كوى أسعد بن زرارة من الشوكة». رواه باليمن عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل مرسلًا، ورواه بالبصرة عن الزهري عن أنس – رضي الله عنه -. وقال: والصواب مرسل، ومنه حديث: «إنما الناس كإبل مائة» رواه باليمن عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا، ورواه بالبصرة مرةً كذلك, ومرةً عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة» أهـ.

الجانب الرابع:

نقدهم للمتون، ولو صحت أسانيدها في الظاهر

يردد بعض المعاصرين شبهةً أثارها المستشرقون في أن المحدثين لم تكن لهم عناية بنقد المتون، وأنهم إنما توجه اهتمامهم إلى دراسة الأسانيد والرواة في الظاهر.

وهذا الكلام لا يُمكن أن يصدر عن عارف بطريقة المحدثين إلا إن غلبته الخصومة، ونزعه الهوى، فإن نقد متون الأحايث من أهم طُرُق الحكم على الراوي بالصدق أو الكذب، وبالضبط أو الضعف، وللدكتور خالد الدريس رسالة لطيفة في ذلك بعنوان “نقد المتن الحديثي وأثره في الحكم على الرواة عند علماء الجرح والتعديل” فيها نقولات كثيرة عن كبار المحدثين تُظهر حضور نقد المتن في أحكامهم على الرواة.

وللإمام ابن القيم كتاب يكاد يكون مُفرداً في قضية نقد المتن، وهو: “المنار المنيف في الصحيح والضعيف ومما جاء فيه قوله:

(وسألتَ: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع -أي المكذوب-بضابط، من غير أن ينظر في سنده؟ فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلع من معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم ، كواحد من أصحابه.
فمثل هذا يَعْرِفُ من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وكلامه وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز مالا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبع من متبوعه، فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه، ومالا يصح، ما ليس لمن لا يكون كذلك، وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم -والله أعلم-).

ثـم ذكر أمثلة كثيرة من الأحاديث الباطلة المكذوبة، ثم قال:

(والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة ومجازفات باردة تنادي على وضْعها واختلاقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل حديث: “من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أُعطي ثواب سبعين نبياً”، وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح -عليه السلام- لم يعط ثواب نبي واحد).

ثم أخذ يذكر قواعد كلية في نقد المتون مع أمثلة تطبيقية لها، فقال:

(ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعاً).

وذكر منها:

– اشتماله على مثل هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي كثيرة جدا، كقوله في الحديث المكذوب: “من قال : لا إله إلا الله ، خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة ، يستغفرون الله له”، “ومن فعل كذا وكذا ، أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة ، في كل مدينة سبعون ألف قصر ، في كل قصر سبعون ألف حوراء” وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من الكذب.

– ومنها: تكذيب الحس له كحديث: “الباذنجان لما أكل له”، و”الباذنجان شفاء لكل داء” قبح الله واضعهما فإن هذا لو قاله يوحنس أمهر الأطباء لسخر الناس منه… الخ”.

– ومنها: سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه، كحديث: “لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً ما أكله جائع إلا أشبعه”؛ فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء، فضلاً عن كلام سيد الأنبياء.

– ومنها: مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة، فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه برئ. فمن الباب : أحاديث مدح من اسمه محمد أو أحمد ، وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار، وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة. انتهى مختصراً من المنار المنيف وبقيت قواعد نافعة ذكرها ابن القيم في الكتاب، فمن أراد التوسع في الموضوع فليراجعه.
وقد اعتنى من كتب في باب نقد المحدثين للمتون بكلام ابن القيم في المنار المنيف، كما فعل د. محمد لقمان السلفي في كتابه: “اهتمام المحدثين بنقد الحديث سنداً ومتناً” حيث أفرد الفصل الرابع من الباب الثاني كاملاً للقواعد التي ذكرها ابن القيم في المنار.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى