الأصل السادس: توهم معارضة الأحاديث الصحيحة لما هو أرجح منها.

الأصل السادس من أصول المنكرين:
توهم معارضة الأحاديث الصحيحة لما هو أرجح منها.

مِن بين آلاف الأحاديث الصحيحة التي لم يتعرض لها المشككون في السنة بالإنكار أو الاعتراض، نجد أن نسبة النصوص التي أثاروا شبهات حولها لا تكاد تتجاوز 2% من مجموعها، ولكنهم يجعلون هذه النسبة الضئيلة سبباً في إسقاط ما بقي من الأحاديث الصحيحة.

وسبب استشكالهم لهذه الأحاديث يعود إلى اعتقادهم أنها تعارض ما هو أرجح منها ثبوتاً أو دلالة، فيتوهمون تعارضها مع القرآن، أو مع سنة أصح منها، أو مع العقل، أو مع الحس والتجربة أو مع الذوق والأخلاق، ثم يردونها بسبب هذا التوهم من المعارضة، ويتجاوزون القدر الـمُشكل إلى ما وراءه.

والمآخذ الأساسية على موقفهم المتعجل في الرد هي: عدم تحقيق شروط إثبات المعارضة، وانعدام المنهجية العلمية المنضبطة في التعامل مع النصوص الـمُشكلة، وعدم الاجتهاد في فهم طريقة الأصوليين والمحدثين التي يتعاملون بها مع النصوص الــمُشكلة، فهم يعتقدون أن موقف أهل السنة ينطوي على سذاجة وسطحية تجاه ما أشكل من هذه النصوص، وهذا غير صحيح.

وأما الدافع لتعجّل هؤلاء في رد الأحاديث الصحيحة حال توهم التعارض فهو راجع إلى تنكّرهم لقيمة السنة وانعدام مكانتها في نفوسهم، ويُقاس ذلك بموقفهم من الآيات التي أثار الملحدون إشكالات حولها، وطريقة تعاملهم معها لرفع الإشكال، فإنك تجدهم يسلكون بعض المسالك التي ذمّوا علماء السنة بسبب سلوكهم إياها في الأحاديث الـمُشكلة، ولكن لأجل اعتقادهم الجازم بصحة القرآن فإنهم يستفرغون الجهد في محاولة الجمع بين النص القرآني وبين ما أثير حوله من إشكال وما ادُّعي في شأنه من تعارض فلا يتنبّهون لوقوعهم في جنس ما استنكروه، فوجود التعظيم للنص القرآني في نفوسهم يقودهم إلى التأني في النظر، وعدم الاستعجال في الرد، ولو أنهم جعلوا للسنة هذا التعظيم لانحلّت عنهم عقد الإشكالات التي يتوهمونها في النصوص النبوية الصحيحة.

وعند التأمل في صور التعارض التي يدّعيها المنكرون، وفي طريقة تعاملهم معها، نجد أنهم وقعوا في جملة من الأخطاء المنهجية، التي سببت اضطرابا لديهم في الحكم، وخللا في النظر.

ومن المهم جدّاً معرفة هذه الأخطاء، وإبرازها، فإن ذلك يُبيّن تهافتهم في باب من أخطر أبواب الشبهات المعاصرة.

الأخطاء المنهجية التي يقع فيها منكرو الأحاديث الصحيحة بدعوى التعارض:

 

أولًا/ إقامة دعوى التعارض على أحاديث غير ثابتة:

لا يصح الحكم على حديث بأنه يُعارض القرآن أو العقل أو الحس مالم يكن ثابتاً من جهة إسناده، ومن باب أولى فإنه لا يصح الطعن في عموم السنة بدعوى تضمُّنِها أحاديث تعارض ما سبق ذكره ثم لا تكون تلك الأحاديث ثابتة.

مثال ذلك: ادعاء وقوع التعارض بين السنة وبين العلم التجريبي، وذلك في حديث: «عليكم بألبان البقر وسمنانها، وإياكم ولحومها، فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء، ولحومها داء» وقد أخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بأن سيف بن مسكين الوارد في إسناده: واهٍ، وأخرجه أبوداود في المراسيل وابن الجعد وغيرهما من طريق مليكة بنت عمرو. والصحيح أن الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الإمام الزركشي هذا الحديث في كتابه “اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة” ونقل تصحيح الحاكم له ثم قال:

(هو منقطع ، وفي صحته نظر، فإن في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر، وهو لا يتقرب بالداء).

وفي كشف الخفاء للعجلوني :

(وقال في التمييز: وتساهَل الحاكم في تصحيحه، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر). اهـ

وأنت ترى أن من ضعّف الحديث لم يقتصر على نقد الإسناد بل انطلق من نقد المتن كذلك، وأما سبب الاختلاف في التصحيح فالجواب عنه يطول، فإنه يتطلب عرضاً تاريخيا ورسماً تخطيطياً لمنهجية المحدثين في النقد عبر الزمن، فإنها كانت في أول أمرها مُحكمة متقنة صافية المورد، ثم تأثر كثير من متأخري المحدثين ببعض روافد العلوم الأخرى التي لا تتواءم مع طبيعة علم الحديث، إضافة إلى توفر عوامل كثيرة مساعدة للمحدثين المتقدمين لم تعد متوفرة بتمامها في الزمن المتأخر، ولا يعني هذا غلق باب الاجتهاد في التصحيح والتضعيف، بل التنبيه إلى أهمية الرجوع إلى تراث المحدثين الأوائل وخاصة في حال الاختلاف.

مثال آخر في ادعاء وقوع التعارض بين السنة وبين العلم التجريبي:

ما أخرجه الترمذي في جامعه، فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو نعيم، عن عبد الله بن الوليد و-كان يكون في بني عجل- عن بكير بن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أقبلَتْ يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم! أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالوا: صدقت.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وهذا الحديث فيه وهن من جهة إسناده، فإن بكير بن شهاب تفرد به عن سعيد بن جبير، قال أبو نعيم: “غريب من حديث سعيد تفرد به بكير”اهـ. وبكير ليس بالذي يُعتمد على تفرده عن مثل سعيد بن جبير.

وللحديث علة أخرى أومأ إليها البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة بكير بن شهاب، فقال بعد أن ذكر هذا الحديث: “وقال الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله -أي موقوفا على ابن عباس-، قال أبو عبد الله -أي البخاري-: حدثناه محمد بن يوسف وغير واحد عن سفيان” . فحبيب بن أبي ثابت روى جزءاً من نفس حديث بكير بن شهاب موقوفاً على ابن عباس، وهو أثبت من بُكير بن شهاب، فيكون قوله مقدماً على قوله، فيترجح الوقف.

مثال ثالث: ادعاء ورود بعض الأحاديث الصحيحة بما يخالف الذوق والأخلاق،

وذلك في حديث ابن عباس الذي أخرجه أحمد و الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: “كانت امرأة تصلي خلف الرسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس. قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر تحت إبطه فأنزل الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ}.

والصحيح أن هذا الحديث غير ثابت عن ابن عباس، بل هو مقطوع من كلام أبي الجوزاء كما قال الترمذي في جامعه بعد أن أخرج الحديث:

(وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء ولم يذكر فيه ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح).

وقال عنه ابن كثير:

(وهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: “ولقد علمنا المستقدمين منكم” في الصفوف في الصلاة، و”المستأخرين” فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط وليس فيه لابن عباس ذكرٌ).

 

 

ثانيًا/ الخطأ في فهم النص أو دلالته ثم ادعاء التعارض على ذلك الفهم الخاطئ:

كثيرا ما تُرَدُّ أحاديث صحيحة بدعوى تعارضها مع القرآن، أو العقل أو الحس، ويكون منشأ الإشكال مِن الخطأ في فهم الحديث أو ما يعارضه.

مثال ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة»( ).

فاعترض كاتبٌ في صحيفة محلية بقوله: (كيف نوفق بين أحاديث تعارض الجغرافيا والتاريخ والاكتشافات الميدانية -فضلا عن صور الأقمار الصناعية- مثل حديث خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من الجنة) أهـ.

وهذا الفهم السطحي للحديث بأن الأنهار متصلة اتصالاً حسياً بالجنة، ومن ثم ادعاء تعارض ذلك مع ما ترصده الأقمار الصناعية = خطأ لا يتحمله الحديث ولا رواته، بل يتحمله من أخطأ الفهم، وضل عن صواب التأويل. وقد ذكر ابن حزم – رحمه الله – في كتابه المحلى هذا الحديث، وحديث: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة»( ) ثم قال:

«وهذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة، وأن هذه الأنهار مهبطة من الجنة، هذا باطل وكذب; لأن الله -تعالى- يقول في الجنة: { إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤا فِيهَا وَلَا تَضْحَى } [طه : 118-119] فهذه صفة الجنة بلا شك, وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله (عليه السلام) لا يقول إلا الحق. فصح أن كون تلك الروضة من الجنة, إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة; وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة» ( )أهـ.

مثال آخر: يُنكِر بعض المعاصرين أحاديث حدّ الرجم، زاعمين أنها تعارض قول الله: {فإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25].حيث فهموا أن المراد بالمحصنات في الآية: المتزوجات، والرجم لا يتنصف؛ فهذا يدلّ على أنه لا رجم على المتزوجات، وأما غير المتزوجات فيتفق الجميع على أنه لا رجم عليهنّ. ومنشأ الإشكال في توهم هذا التعارض هو فهمهم الخاطئ لنص الآية، وذلك بالظن أن المراد بالمحصنات: المتزوجات، وليس كذلك، فإن في أول الآية الحث على نكاح المـُحصَنات: {وَمَن لَم يَستَطِع مِنكُم طَولاً أَن يَنكِحَ المُحصَنَاتِ} فلو كان المعنى: المتزوجات، لكانت الآية تحث على نكاحهن، فالأصح أن معنى المحصنات هنا: الحرائر، ويكون حدّ الإماء نصف حَدّ ما يقبل التنصيف من عقوبة الحرائر، وهو الجلد.

مثال ثالث: ادعاء تعارض الأحاديث مع الواقع، وذلك في حديث أنس رضي الله عنه: أن رجلا من أهل البادية, أتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال: «ويلك وما أعددت لها؟», قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. قال: «إنك مع من أحببت». فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: «نعم»، ففرحنا يومئذ فرحا شديدًا، فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني، فقال: «إنْ أُخِّر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة»( ).

ووجه الاعتراض: أن هذا الغلام قد مات، ومات أبناؤه وأحفاده، ولم تقم الساعة، بينما يربط الحديث قيام الساعة بموته إن أُخِّر، فهذا حديث يخالف الواقع؛ فيُرَد، بل ويُشَكَّك في عموم السنة بسببه.

وهذا اعتراض منقوض من قرون، فقد كشف العلماء عن وجه الإشكال وبينوا وجه الصواب في دلالة النص، قال ابن كثير بعد أن ذكر روايات وألفاظ مختلفة للحديث: «وهذه الروايات تدل على تعداد هذا السؤال والجواب، وليس المراد تحديد وقت الساعة العظمى إلى وقت هرم ذاك المشار إليه، وإنما المراد أن ساعتهم -وهو انقراض قرنهم وعصرهم- قصاراه أنه إلى مدة عمر ذلك الغلام…، وفي الحديث: «تسألوني عن الساعة! فإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة»ـ ويؤيد ذلك رواية عائشة: «قامت عليكم ساعتكم»، وذلك أنّ من مات فقد دخل في حكم القيامة، فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة، وفيه من الدنيا أيضاً، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة, فيُجْمَعُ الأولون والآخرون لميقات يوم معلوم) ( ) أ.هـ

والأمثلة على هذا النوع من الخطأ كثيرة، كالاعتراض على حديث سجود الشمس وذلك بالخطأ في فهم معنى السجود، وفي ما يلزم منه، وكذلك الاعتراض على عقوبة الردة وذلك بالخطأ في فهم النص القرآني (لا إكراه في الدين) الذي يُدعى معارضته للحديث.

ثالثًا/ معارضة الأحاديث بما هو دونها من حيث الثبوت أو الدلالة.

من الخلل الذي أدى إلى إنكار السنة أو التشكيك فيها، توهم معارضتها لأمور قطعية –خبرية أو عقلية أو حسية- ثم يتبين عند التحقيق أن ما عورضت به لم يكن أمراً قطعيا من جهة ثبوته، أو من جهة دلالته.

مثال ذلك: الاعتراض على حديث سهل بن سعد – رضي الله عنه -، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «إنّ في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها » أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله( ) بأنه يُخالف العقل، فكيف يُتصور وجود شجرة لها ظل ما يُقطع في مائة عام؟!

والجواب أن هذه المعارضة ليست قطعية، بل ليست صحيحة حتى من جهة الظن، فإن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، وفيها ملا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ فكيف يُستنكرَ وجود شجرة فيها بهذا الحجم؟ وهل الاستنكار على قدرة الله أم على سعة جنته؟!

مثال آخر: الطعن في حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه, ثم لينزعه؛ فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء»( ). بدعوى أنه «لم يعد مقبولا طبياً بعد اكتشاف مسؤولية الذبابة عن نقل 42 مرضاً خطيراً» .

والجواب أن هذه المعارضة ليست بأرجح من الحديث، ويُناقَش كلام المعترض من وجوه:
الأول : أن في إثبات العلم حملَ الذباب للمرض تصديقاً لما جاء في هذا الحديث, الذي استفدنا منه هذه المعلومة قبل اكتشافات المختبرات الطبية.
الثاني : عدم فهم محل المعارضة، فإن القول بوجود الداء ليس يعارض الحديث، وإنما الذي يعارضه إثبات انتفاء الدواء؛ فأين البرهنة العلمية على انتفاء وجود «دواء» في إحدى جناحي الذباب؟
الثالث : أن هناك بحوثاً متعددة قُدّمت في مجال إثبات وجود مضاد للبكتيريا في الذباب، وبعض البحوث حددت محل وجوده في إحدى الجناحين، كما هو في بحث الأستاذ الدكتور: مصطفى إبراهيم حسن – أستاذ الحشرات الطبية/ جامعة الأزهر، ومدير مركز أبحاث ودراسات الحشرات الناقلة للأمراض.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى