الطريق الأول: الأمرُ العام لجميع الأمة بطاعة الرسولﷺ، مع إطلاق الطاعة دون تقييد

 

الطريق الأول:

الأمرُ العام لجميع الأمة بطاعة الرسول، مع إطلاق الطاعة دون تقييد

والاستدلال بهذا الطريق يُبنى على مقامات، هذا بيانها وبسطُها:

المقام الأول: عموم الخطاب القرآني للأمة.
وهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو أن الله -عز وجل- قد أنزل القرآن حجة على جميع هذه الأمة، لا على الأفراد الذي عاشوا مع النبي ﷺ وحدهم، وهذا مقتضى كون النبي ﷺ رسولاً للناس كافة. وهذا أمر لا ينازع فيه مسلم، ولا يعارضه كل من يستدل بالقرآن من منكري السنّة.

فما أمر الله به في القرآن أو نهى عنه، فإننا معنيّون بهذا الأمر والنهي كما عُني به الأولون ممن عاصروا نزول الوحي.

المقام الثاني: مجيء الأمر القرآني العام بطاعة الرسول ﷺ.
إذا تقرر عموم الخطاب القرآني، فإن من المعلوم أنّ مما جاء فيه: الأمْرُ بطاعة الرسول واتباعه في آيات كثيرة، منها قول الله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }[النساء: ٥٩] فالأمر في هذه الآية موجّه إلينا وإلى من قبلنا ومن بعدنا، كما قال ابن حزم – رحمه الله – عن هذه الآية: «الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا, وإلى كل من يُخلَق ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس».

المقام الثالث: إطلاق لفظ الطاعة والاتباع للرسول في الآيات القرآنية.
والمقصود بهذا المقام أن أوامر الله سبحانه بطاعة رسوله لم تأتِ مقيّدة بطاعته في نوع من الأمر دون الآخر، أو في مقامٍ دون مقام، بل إنك تجد في سياق الآيات ودلالات ألفاظها ما يؤكد معنى الإطلاق، خاصة وأن الأمر بطاعة الرسول قد تكرر كثيراً في القرآن بألفاظ مختلفة، يؤكد بعضها بعضاً، كقوله سبحانه { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }وقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} وقوله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ }وأمثالها. ولو كان مراداً لله ألا نتبع النبي ﷺ في كل ما يأمر به لكان قد جاء التقييد الصريح لتلك الآيات المطلقة.

ولو أن إنسانا سمع النبي ﷺيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، ثم امتنع عن طاعته في ذلك بحجة أنه ليس في القرآن لكان -بلا ريب عند جميع الأمة- مخالفا للآيات الواردة في هذا المعنى، كقول الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } وغيرها من الآيات.

ولا وجه للتفريق في هذا المقام بين من سمع النبي ﷺ مباشرة وبين من جاءه الخبر عنه، لأن المنازعة هنا إنما هي في دلالة الآيات على وجوب الطاعة المطلقة للرسولﷺ وليست في طريقة ثبوت هذا الأمر أو النهي عنه.

والفرق بين المقام الأول وبين هذا المقام، هو أن الأول راجع إلى شمول الخطاب لكل الأمة، والثاني راجع إلى إطلاق الطاعة لتشمل كل أوامر النبي ﷺ.

فإذا ثبتت المقامات السابقة: فإن من المعلوم أنه لا يُمكننا امتثال فرض الله بطاعة رسوله إلا باتباع الأخبار الثابتة عنه، كما قال الشافعي رحمه الله في كتابه «جماع العلم»:

«فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله عزّ وجلّ في اتّباع أوامر رسول الله ﷺ-أو أحد قبلك أو أحد بعدك ممن لم يشاهد رسول اللهﷺ – : إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ؟ »

وسيأتي في البحث -إن شاء الله- ما يُثبت أن الله قد حفظ سنة نبيه ﷺ وأن منهجية المحدثين في توثيق السنة منهجية صحيحة كافية في تأمين نقل السنة وأن هذا من جملة الأسباب التي حفظ الله بها السنة، فيتحقق من ذلك كله أن اتباع الخبر الصحيح عن رسول الله إنما هو امتثال للآيات الآمرة بطاعته.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى