الطريق الثاني: دلالة القرآن على أن السنة وحي

 

الطريق الثاني:

دلالة القرآن على أن السنة وحي

يقرر منكرو السنة أن الوحي منحصر فيما جاء في نص القرآن، وأنه لا شيء مما يُروى في كتب السنة يصدق عليه أنه وحي من عند الله سبحانه وتعالى، و إنما هو من خرافات المحدثين، وأساطير الأولين. وعند التأمل في نصوص القرآن الكريم نجد أنه يدل دلالة واضحة -لا التباس فيها- على أن الله قد أوحى لنبيه ﷺ بأحكام وأخبار هي أعم مما ثبت في نص القرآن، وهي مما بلّغها من سنته ومما علمها أمته.

وهذه المسألة من الأبواب الشريفة في العلم، ولأهل التفسير والحديث والأصول كلام كثير في تقريرها، وقد صنف بعض المعاصرين في ذلك سِفراً جامعاً، وهو الشيخ خليل ملا خاطر في كتاب سماه “السنة وحي”، وهو كتاب نافع جداً، وفي الباب بحوث ورسائل متعددة، منها، كتاب “الوحي الإلهي في السنّة النبوية” لعماد عبد السميع حسين، وكتاب “السنة النبوية وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم” لأبي لبابة بن الطاهر حسين، وغير ذلك.

ويُمكن الاستدلال على أن السنة وحي بأنواع من الأدلة من القرآن والنقل المتواتر، وسأكتفي هنا بذكر بعض وجوه الاستدلال بالقرآن العزيز على أن السنة وحي، غير أني أنبه إلى أن هذا التقرير لا أقصد به أن كل أفعال النبي ﷺ وأقواله من الوحي، بل المقصود في الإثبات في هذا المقام أن من السنة ما هو وحي، وأن الوحي ليس منحصرا في النص القرآني، وأما أفعال النبي ﷺ في أمر الدين والتعبد فهي على شقين:

إما أن تكون وحياً،
وإما أن تكون اجتهاداً .

والاجتهاد على نوعين:
إما أن يكون اجتهاداً أقره الله تعالى عليه كقوله ﷺ(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وإما أن يكون اجتهاداً صححه الله له كالاجتهاد في أسرى بدر، والتصحيح الإلهي من الوحي.

والمراد بهذا هو التنبيه إلى أن العبارة يقصد بها الإجمال حين أقول (وجوه الاستدلال بالقرآن العزيز على أن السنة وحي).

وهذا أوان عرضها:

الوجه الأول: الإخبار بإنزال الحكمة المعطوفة على الكتاب.
الوجه الثاني: الإخبار بأن الله تكفل ببيان القرآن، وأخبر عن رسوله بأنه يبين للناس ما نُزل إليهم.

الوجه الثالث: نصوص قرآنية متعددة تدل على نزول الوحي على النبي ﷺ في مقامات معينة بأحكام وأخبار ليست مذكورة في نص القرآن، منها.

١- دلالة آيات الإخبار بنزول الملائكة.
٢- دلالة آيات تحويل القبلة.
٣- دلالة آيات سورة التحريم.
٤- دلالة فتح مكة مع آيات تحريمها.

الوجه الأول: الإخبار بإنزال الحكمة المعطوفة على الكتاب.

تكرر في الكتاب العزيز ذكر الحكمة في سياقات مختلفة، فتارة تأتي مفردة، وتارة تأتي مقرونة إما بالكتاب، أو بالـمُلْك، أو بآيات الله، أو بغير ذلك.
ولا تجد إشكالاً لدى عامة المفسرين في أن الحكمة تُفسّر بحسب سياقها ومتعلقها، فقد تُفسّر بالنبوة، أو بالفهم الصحيح، أو بالفقه في الدين، أو بشيء من الوحي الـمُنزّل، وغير ذلك.

وقد ذكر الله في كتابه أنه أنزل الحكمة على رسوله ﷺ ، وفي أكثر تلك المواضع يذكرها مقرونة بالكتاب معطوفة عليه، وقد ذهب أكثر المفسرين من أئمة المسلمين من مختلف المذاهب الفقهية إلى أن الحكمة المعطوفة على الكتاب إذا كانت متعلقة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد بها سنته. وحكموا بذلك لدلالة العطف المقتضي للمغايرة، ولدلالة سياق بعض الآيات.

كما أن مما يُرجح هذا القول أنه قد ثبت بالتواتر المفيد للقطع أن النبي ﷺ قد علّم أصحابه كثيراً من أمور الدين مما لم يَذكره الله في نص القرآن، كتعليمه إياهم صفة الصلوات الخمس ومواقيتها وصيغ الأذان، والتشهد، وأحكام الإمامة، وسجود السهو، كما أنه علمهم كثيرا من الذكر والثناء على الله سبحانه، ومن أمور الأدب والصلة والاعتدال، وغير ذلك .

وهذا التعليم منه -ﷺ- موافق لما وصفه الله به من أنه يعلم الأمة الكتاب والحكمة، وإذا كنا قد علمنا نص الكتاب، فقد بقي أن نقول فيما علَّمه أمته -مما تواتر عنه من سنته- أنه الحكمة.

وهذا الأمر مهم في معرفة ما يثبت صحة استدلال المفسرين على أن الحكمة هي السنة، لأن كثيرا من المحاورين لمنكري السنة لا يكون لديهم استحضار للمأخذ الذي يُثبت صحة هذا القول، وإنما قد يبنون على اتباع المفسرين على هذا المعنى -ولا بأس بهذا الاتباع غير أنه لا يكفي في مقام المناظرة والجدل-.

قال ابن تيمية رحمه الله:

(وليس من شرط المنقول المتواتر أن يكون في القرآن، بل كما تواتر عنه من شريعته مما ليس في القران، وهو من الحكمة التي أنزلها الله عليه، كذلك تواتر عنه من دلائل نبوته ما ليس في القرآن وهو من آياته وبراهينه، وقد قال تعالى في غير موضع “وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة” فالحكمة منزلة عليه وهي منقولة في غير القرآن).

وقد ظن بعض من لم يحرر النظر أن تفسير الحكمة بهذا المعنى حادث في الإسلام، وأنّ أول من قرر ذلك إنما هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأن المسلمين قبله لم يكونوا على هذا الفهم للقرآن، ويرون أن هذا التفسير من الشافعي بداية لمرحلة انحراف في الأمة، ولذلك تجد أن منكري السنة يقفون من الإمام الشافعي موقفاً عدائياً، ويحمّلونه تبعات كثير من الخلل الفكري الطارئ على الأمة -وحاشاه-.

ويربط محـمد شحرور بين تفسير الشافعي للحكمة بالسنة وبين الأبعاد الأيديولوجية عنده، وأنه مارس التأطير العقدي والاستبداد المعرفي، فقد قال في كتابه الدولة والمجتمع تحت عنوان “الاستبداد المعرفي”:

(أمر آخر تم في القرن الثاني الهجري هو تأطير الإسلام من النواحي العقائدية والفقهية والفلسفية، على يد الفقهاء الخمسة وعلى رأسهم الشافعي،…، وكان ثمة مدرستان: مدرسة أهل الرأي، يتزعمها أبو حنيفة النعمان، ومدرسة أهل الحديث، يتزعمها الشافعي. فعندما أراد الشافعي تأسيس هذه المدرسة، وإعطاءها أبعادها وأطرها الأيديولوجية، اعتمد على ما يلي)

-فذكر أموراً منها-:

(إن مصطلح الحكمة الذي ورد في التنزيل الحكيم، النساء ١١٣ وآل عمران ٨١، يقصد به السنة واستقلالها بالتشريع، واعتبارها وحيا من نمط مغاير لوحي التنزيل، أي اعتبارها إلهاما).

ثم قال شحرور:

(ونحن نرى أن الحكمة لا تعني السنة النبوية لا من قريب ولا من بعيد. والقول بأنهما شيء واحد خطأ).

وقال د. عبد العزيز بايندر:

(ومن خلال مطالعتنا على موضوع الحكمة وجدنا أنه لم يتحدث فيها من الفقهاء غير الإمام الشافعي رحمه الله).

وهذا غير صحيح، فإن تفسير الحكمة -المعطوفة على الكتاب- بالسنة قد ذكره غير واحد من كبار أئمة الإسلام السابقين للشافعي، من أهل العلم بالشرع وبلسان العرب.

فقد أسند إمام المفسرين -الطبري- عن التابعي المفسر: قتادة بن دعامة السدوسي تفسير الحكمة بالسنة، فقال:

(وعنى بقوله {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بِيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ} : واذكرن ما يُقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة.
ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله ﷺ من أحكام دين الله، ولم ينـزل به قرآن، وذلك السنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بِيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} أي: السنة، قال: يمتن عليهم بذلك) .

وقال ابن كثير رحمه الله :

(وقوله تعالى: “ويعلمهم الكتاب” يعني القرآن، و”الحكمة” يعني السنة. قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة).

قلتُ: وقد توفي الحسن وقتادة رحمهما الله تعالى قبل ولادة الإمام الشافعي.
غير أن الشافعي يعد أشهر من قرر هذا المعنى من المتقدمين وناظر فيه وذكره في غير موضع من كتبه، وهو من أوسع علماء الشريعة معرفة باللغة مع علمه بالكتاب والسنة وعمل المسلمين.

وقد نقل في كتابه جماع العلم نص محاورته مع منكر السنة، وفي هذه المحاورة فوائد في تثبيت تفسير الحكمة بالكتاب،

فقال رحمه الله:

(قال الله عز وجل “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة”
قال -أي منكر السنّة-: فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله، فما الحكمة ؟
قلت -أي الشافعي-: سنة رسول اللهﷺ.
قال: أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة والحكمة خاصة وهي أحكامه؟
قلت: تعني بأن يبين لهم عن الله -عز وعلا- مثل ما بين لهم في جملة الفرائض من الصلوات والزكاة والحج وغيرها؛ فيكون الله قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هي على لسان نبيه ﷺ؟ قال : إنه ليحتمل ذلك.
قلت: فإن ذهبت هذا المذهب فهي في معنى الأول قبله, الذي لا تصل إليه إلا بخبر عن رسول اللهﷺ؟
قال: فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام ؟
قلت: وأيهم أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة أن يكونا شيئين, أو شيئا واحدا؟
قال: يحتمل أن يكونا كما وصفت كتابا وسنة فيكونا شيئين, ويحتمل أن يكونا شيئا واحدا.
قلت: فأظهرهما أولاهما, وفي القرآن دلالة على ما قلنا وخلاف ما ذهبت إليه.
قال: وأين هي؟
قلت: قول الله عز وجل “واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا” فأخبر أنه يتلى في بيوتهن شيئان.
قال: فهذا القرآن يتلى فكيف تتلى الحكمة ؟
قلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالقرآن والسنة كما ينطق بها.
قال: فهذه أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى) .
وفي الرسالة قال الشافعي: (فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله)

 

ومُحَصّل القول أن تفسير الحكمة بالسنة قد قال به أكثر المفسرين، وأن ذلك مقتضى العطف، ومفهوم بعض سياقات الآيات، ومقتضى موافقة قول الله سبحانه (ويعلمهم الكتاب والحكمة) لما تواتر من تعليم النبي ﷺ لأمته من أحكام الإسلام ما لم يُذكر في نص القرآن.

 

الوجه الثاني من وجود دلالة القرآن على أن السنة وحي:

تكفل الله ببيان القرآن، وإخباره عن رسوله بأنه يبين للناس ما نُزل إليهم.

المقصود بهذا الوجه: الإثبات بأن للقرآن بياناً تكفل الله به، وأنه جعل هذا البيان على لسان رسوله ﷺ، وهذا يدل على أنه من عنده سبحانه، خاصة وأن من هذا البيان الثابت عن رسوله

تكرر في الكتاب العزيز ذكر الحكمة في سياقات مختلفة، فتارة تأتي مفردة، وتارة تأتي مقرونة إما بالكتاب، أو بالـمُلْك، أو بآيات الله، أو بغير ذلك.
ولا تجد إشكالاً لدى عامة المفسرين في أن الحكمة تُفسّر بحسب سياقها ومتعلقها، فقد تُفسّر بالنبوة، أو بالفهم الصحيح، أو بالفقه في الدين، أو بشيء من الوحي الـمُنزّل، وغير ذلك.

وقد ذكر الله في كتابه أنه أنزل الحكمة على رسوله ﷺ ، وفي أكثر تلك المواضع يذكرها مقرونة بالكتاب معطوفة عليه، وقد ذهب أكثر المفسرين من أئمة المسلمين من مختلف المذاهب الفقهية إلى أن الحكمة المعطوفة على الكتاب إذا كانت متعلقة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد بها سنته. وحكموا بذلك لدلالة العطف المقتضي للمغايرة، ولدلالة سياق بعض الآيات.

كما أن مما يُرجح هذا القول أنه قد ثبت بالتواتر المفيد للقطع أن النبي ﷺ قد علّم أصحابه كثيراً من أمور الدين مما لم يَذكره الله في نص القرآن، كتعليمه إياهم صفة الصلوات الخمس ومواقيتها وصيغ الأذان، والتشهد، وأحكام الإمامة، وسجود السهو، كما أنه علمهم كثيرا من الذكر والثناء على الله سبحانه، ومن أمور الأدب والصلة والاعتدال، وغير ذلك .

وهذا التعليم منه -ﷺ- موافق لما وصفه الله به من أنه يعلم الأمة الكتاب والحكمة، وإذا كنا قد علمنا نص الكتاب، فقد بقي أن نقول فيما علَّمه أمته -مما تواتر عنه من سنته- أنه الحكمة.

وهذا الأمر مهم في معرفة ما يثبت صحة استدلال المفسرين على أن الحكمة هي السنة، لأن كثيرا من المحاورين لمنكري السنة لا يكون لديهم استحضار للمأخذ الذي يُثبت صحة هذا القول، وإنما قد يبنون على اتباع المفسرين على هذا المعنى -ولا بأس بهذا الاتباع غير أنه لا يكفي في مقام المناظرة والجدل-.

 

ما لا يحتمل أن يكون محل اجتهادٍ منه، كتحديد عدد الصلوات وركعاتها ومواقيتها.

و تكفُّل الله ببيان القرآن جاء بقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:١٧-١٩]
قال ابن كثير:

(“ثم إن علينا بيانه”: أي بعد حفظه وتلاوته نبيِّنُه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا) .

وإخبارُه بأن رسوله مبين للقرآن جاء بقوله:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}

قال القرطبي:

( “لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ” في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك; فالرسول ﷺ مبين عن الله عز وجل مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة, وغير ذلك مما لم يفصله) .

وسأكتفي هنا بهذا العرض المجمَل، لاشتراك هذا الوجه مع ما سيأتي في الطريق الثالث من طريق دلالة القرآن على حجية السنة، وسأفصل في ذلك الموضع -إن شاء الله تعالى-.

 

الوجه الثالث من وجوه دلالة القرآن على أن السنة وحي: الآيات الدالة على نزول الوحي على النبيﷺ في مقامات معينة بأحكام وأخبار ليست مذكورة في نص القرآن. 

والاستدلال بهذه الآيات على درجتين:
الأولى: عدم انحصار الوحي في القرآن -وهذا مهم في الرد على المنكرين-.
الثانية: أن من سنة النبيﷺ ما هو وحي.

وسأكتفي بذكر أربعة مواضع من القرآن تدل على ذلك:

 

الموضع الأول: دلالة آيات الإخبار بنزول الملائكة في بدر:

جاء في سورة آل عمران أن النبي وعد ﷺ أصحابه بأن الله سيُمدّهم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنزَلين، وذلك يوم بَدْر فقال:{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ}

ولا شك أن هذا الخبر من النبي ﷺ لأصحابه لا يكون إلا بوحي، لأنه لا محل فيه للاجتهاد والتخمين، والإيحاء بهذا الخبر ليس مذكوراً في القرآن؛ وإنما هو مما أوحاه الله إلى النبي خارج النص القرآني.

قال الطاهر بن عاشور:

(والمعنى: إذ تعِد المؤمنين بإمداد الله بالملائكة، فما كان قول النَّبي ﷺ لهم تلك المقالة إلاّ بوعد أوحاه الله إليه أن يقوله) .

الموضع الثاني: دلالة آيات تحويل القبلة:

من المعلوم أن النبيّ ﷺ كان يتوجه أولَ الإسلام في صلاته إلى الشام، حتى بعد هجرته إلى المدينة، مع تطلعه إلى أن تكون الكعبةُ قبلتَه، وما كان يمنعه من التحول إلى القبلة التي يتطلع إليها إلا أنه مأمور من الله بخلاف ذلك، حتى نزل عليه قول الله سبحانه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة : ١٤٤]. والقبلة التي يرضاها هي الكعبة كما هو معلوم؛ فإن تتمة الآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والسؤال المتوجه هنا هو: أين الأمر الإلهيُّ له باستقبال القبلة السابقة للكعبة؟

ومن المعلوم أن هذا الأمر ليس مذكوراً في القرآن، فيكون هذا دليلاً على أن نزول الوحي على النبي ﷺ ليس منحصراً في النص القرآني، والله أعلم.
وقد جرى لي موقف طريف مع أحد منكري السنة إنكاراً كلّياً في دلالة هذه الآيات على المعنى المذكور، فحين سألته أين الأمر الأول باستقبال الشام فوجئتُ به يقول:
إن القبلة لم تتحول أصلاً، وإنما هذا قول السفهاء! يعني قول الله سبحانه {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}[البقرة:١٤٢]

فقلت له: إن السفهاء لم يدّعوا تحوّل القبلة ابتداء وإنما كان سؤالهم وتشغيبهم في سبب التحول، فقالوا {مَا وَلاَّهُمْ} أي لأيّ شيء تولّوا وتحولوا؟ وهذا ظاهر جداً، وبعد منازعة طويلة منه في ذلك، انتقل إلى المطالبة بأمر فرعي ليس متعلقاً بأصل الاستدلال، وهو الإثبات بأن القبلة كانت إلى الشام، فقلتُ له: ليس الشأن في أنها كانت إلى الشام أو إلى اليمن، وإنما الشأن في أنها كانت إلى غير الكعبة، وفي أن النبي ﷺ كان راغباً في أن تكون إليها، ولم يمتنع من تحقيق رغبته إلا لأنه مأمور بخلافها، حتى نزل عليه قول الله (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فالسؤال متوجه إلى البحث عن الأمر الإلهي الأول باستقبال جهة لم تكن الكعبة أصالةً، وليس متوجهاً إلى تحديد تلك الجهة عيناً!
فلم يزد على تكرار سؤاله هارباً من مأخذ الاستدلال الحقيقي، ولم يكن ذلك غريباً لمن عرف حال القوم وما سلبهم الله من الفهم الصحيح.

 

الموضع الثالث: دلالة آيات سورة التحريم: 

قال الله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم: ٣]
وموضع الشاهد من الآية، قوله سبحانه: (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) وقوله: (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ)
ومن المعلوم أن إنباء الله نبيه -بالوحي- بما نبّأت به زوجته ليس مذكوراً في نص القرآن، فدلّ ذلك على دلّت عليه الأمثلة السابقة من أنّ الوحي النازل على رسول الله أوسع مما حُفِظ بين الدفتين.

 

الموضع الرابع: دلالة فتح مكة مع آيات تحريمها:

من المعلوم أن الله سبحانه قد حرّم مكة، وجعلها آمنة، وسماها: المسجد الحرام، وذكر هذا في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، منها قوله:{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل ٩١]، ثم نجد أنه قد تواتر في نقل العامة والخاصة أن النبي ﷺ قد حاصر مكة بجيشه وسلاحه بعد أن نقض المشركون العهد معه، ثم فتحها ودخلها، وقد تواتر عنه أنه قام يوم فتحها في الناس قائلاً: (إن الله قد أحلّها لي ساعة من نهار) ثم نجد أن الله في كتابه أثنى على هذا الفتح بقوله (إذا جاء نصر الله والفتح) [النصر: ١].

والسؤال: أين ورد الإذن من الله لنبيه ﷺ بفتح مكة بالسلاح بعد أن نصّ سبحانه على تحريمها في القرآن؟
والجواب: أن ذلك ليس مذكوراً في نص القرآن، بل المذكور الثناء على الفتح بعد أن وقع وتمّ، فالإذن بذلك-إذاً- مما أوحى الله لنبيه، والوحي أعم من أن يكون منحصرا فيما نزل من القرآن فقط.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى