الطريق الثالث من طُرق دلالة القرآن على حجية السنة: دلالته على أن الرسول مبيّن له.

الطريق الثالث من طُرق دلالة القرآن على حجية السنة:
دلالته على أن الرسول مبيّن له.

لم يختلف علماء المسلمين في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن آيات الكتاب العزيز، إما من جهة تبليغ ألفاظه -وهذا نوع من البيان- وإما من جهة تفصيل مجملها، وإيضاح مُشكلها ،

قال ابن حزم رحمه الله :

(جاء النصُّ، ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله ففرضٌ اتباعُه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن، وبيانٌ لمجمله) .

وإثبات ذلك مبني على أصول:

الأصل الأول: أن الله تكفل ببيان القرآن، وذلك بقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [سورة القيامة: 17 – 19] وأخبر -سبحانه- بأن ذلك سيكون على لسان الرسول، وذلك بقوله (وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ) وسيأتي التفصيل في الآيتين بعد قليل.

الأصل الثاني: أن القرآن فيه أوامر مُجمَلة لا يُمكن امتثالها إلا بمعرفة بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، كقول الله سبحانه: (وأقيموا الصلاة) وقوله: (ولله على الناس حج البيت) فإنَّ هذا القدر من الأمر ليس فيه بيان الكيفيّة أو الهيئة التي أراد الله منَّا أنْ نقيم الصلاة عليها، ولا صفة الحج الذي كلفنا الله به.

فلم يُبين الله لنا -في نصّ كتابه- عدد الصوات التي نقيمها، ولا عدد ركعاتها، ولا تفصيل مواقيتها.
ولم يبين لنا -كذلك-كم نطوف بالبيت في الحج إذْ أمَرَنا به، ولا كم نسعى بين الصفا والمروة، ولا ذَكر المواقيت المكانية ولا رمي الجمار.

ثم نظرنا في الكتاب العزيز فوجدنا أن الله يأمرنا باتباع رسوله، وطاعته، ويحذرنا من مخالفته، ويصف رسوله بأنه مبين للناس ما نُزّل إليهم، فعلمْنا أننا محتاجون إلى بيان الرسول وعمله بالقرآن كي نتبعه.

الأصل الثالث: التواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قام ببيان كثير مما أُجمل في القران كالصلاة والحج. وثبوتُ ذلك عنه قد تحقق بأعلى ما يمكن أن يثبت عند البشرية من تواتر. وسيأتي مزيد بسط لقضية التواتر عند الحديث عن الركيزة الثانية إن شاء الله تعالى.

قال الشافعي في الرسالة:

(فلم أعلم من أهل العلم مخالفاً في أن سُنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين،..، أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبَيَّنَ رسول الله مثلَ ما نصَّ الكتاب.
والآخر: مما أنزل الله فيه جملةَ كتاب، فبيَّن عن الله معنى ما أراد؛
وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما).

 

التكامل بين الأصول الثلاثة:

إن النظر في الأصول الثلاثة مجتمعة ينفي كل شبهة عن أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مبيناً للقرآن الكريم، وهذا من باب الكمال وقطع حجة المخالف، لا من باب توقف صحة الاستدلال على مجموع النظر في الأصول الثلاثة، فإن كل أصل منها دال بحياله على أن السنة مبينة للقرآن.

غير أن المخالف قد يستغل أقوال بعض المفسرين في حملهم آيتي سورة القيامة والنحل على بيان البلاغ، فينفي -بسبب ذلك- أصل بيان الرسول لمجملات القرآن، وهذا انتقال خاطئ في الاستدلال. وهؤلاء يناقشَون من وجوه، منها: أن ثبوت تبيين الرسول صلى الله عليه وسلم لمجملات الكتاب ليس منحصراً في دلالة الآيات المذكورة في الأصل الأول وحده، بل إن هناك تكاملاً بين الأصول الثلاثة في تثبيت ذلك.

وقد أحدث بعض منكري السنة الشقاق في كون الرسول مبينا لمجملات القرآن، وأنكروا ما ثبت عنه بالتواتر من قيامه بذلك، حتى ادعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يصلي ثلاث صلوات لا خمسا، وردّوا التواتر العملي الذي نقلته الأمة كافة في جميع مساجدها ، وهذا إنكارٌ لأعلى درجات التواتر الذي يمكن أن تنقله البشرية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في الركيزة الثانية.

وأما دلالة الآيتين -أعني آية القيامة وآية النحل- فإنك ترى أن من المفسرين من يكتفي في تفسيره لهما بذكر أحد البيانَين -بيان اللفظ “الإبلاغ” أو بيان المعنى وتفصيل المجمل-، وبعضهم يجمع بينهما، غير أن أحداً منهم لا ينفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين شيئاً مما أُجمِل في الكتاب العزيز.

ففي آية القيامة (ثم إن علينا بيانه) قال الطبري:

(وقوله “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” يقول تعالى ذكره: ثم إن علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه، وأحكامه لك مفصلة)

ورجح -الطبري- هذا القول وأسند عن ابن عباس وعن قتادة ما يؤيد هذا المعنى ثم ذكر القول الآخر ومستنده .

وقال النسفي:

( “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” إذا أشكل عليك شيء من معانيه)

واكتفى كثير من المفسرين بهذا المعنى -أي بيان ما أُجمل، وتوضيح ما أشكل-.
وكثير منهم يذكر البيانَين في الآية -بيان اللفظ وبيان المعنى-، كالقرطبي والعز بن عبدالسلام والشوكاني وغيرهم.
والأقل منهم من يكتفي بذكر بيان اللفظ أو ينص على ترجيحه كالطاهر ابن عاشور .

والـمُحصّل أن جماهير المفسرين يذكرون (بيان المعنى) في تفسيرهم لهذه الآية.

وقد اجتهد الشيخ خليل ملا خاطر في مختصر كتابه “السنة وحي” في توضيح وجه دلالة الآية على أن المقصود بالبيان فيها بيان السنة للقرآن، أي بيان المعنى وتفصيل المجمل، فقال:

(وقولُه سبحانه وتعالى: “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” تَكَفُّلٌ من الله عز وجل ببيان القرآن الكريم, الذي يُشكل على الناس في معانيه، ومجمله وأحكامه.
وهذا البيان الذي تكفَّل الله تعالى به: إما أن يكون قرآناً لاحقاً؛ ينزله في كتابه مثل القرآن النازل، أو لا.
فإن كان قرآناً افتقر هو الآخر إلى بيان آخر أيضاً، وهكذا يحتاج القرآن إلى قرآن تالٍ ليبيِّنه، ويكون التسلسل.
يضاف إلى ذلك أيضاً أن مجملَ القرآن، ومعانيه وأحكامَه موجودةٌ في القرآن الكريم، وقد بيَّنها النبي المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم كما سيأتي ذكرُ بعضه بعد قليل إن شاء الله تعالى.
وإن كان البيان علاوةً على القرآن الكريم -وهو الحقُّ- كان منزَّلاً أيضاً، باعتبار قوله تعالى: “ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” حيث تكفَّل به، وكان هذا البيانُ المنزَّلُ غيرَ الذي نقرؤه، وهو وحيٌ أيضاً باعتبار الالتزام الذي التزم الله سبحانه وتعالى به في قوله تعالى: “إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” ولا شك أن هذا البيان هو السنة؛ الموحى بها إلى النبي المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم) .

وأما آية سورة النحل، وهي قول الله سبحانه: (وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ):
فإن لأهل العلم من المفسرين وغيرهم في المراد بالتبيين الوارد فيها قولين كسابقتها.

فمنهم من حمله على تبيين المعنى، وتفصيل ما أُجمل، وبيان ما أشكل،

كما قال البغوي:

( “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم” أراد بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه مبيناً للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة) وقال الرازي: (قوله: “لتبين للناس ما نزل إليهم” محمول على المجملات).

وقال ابن كثير:

(“وأنزلنا إليك الذكر” يعني القرآن “لتبين للناس ما نزل إليهم” أي من ربهم؛ لعِلْمك بمعنى ما أنزل الله عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل).

وقال البقاعي:

( “لتبين للناس” كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد “ما نُزل” أي وقع تنزيله “إليهم” من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل).

ومنهم من ذكر الاحتمالين: (اللفظ والمعنى) كالبيضاوي وأبي حيان وابن عطية، وغيرهم.

قال ابن عطية:

(وقوله “لِتُبَيِّنَ” يحتمل أن يريد لتبين بسردك نص القرآن ما نزل، ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بينته السنة من أمر الشريعة، وهذا قول مجاهد) .

ومنهم من ذكر بيان اللفظ فقط.

والله تعالى أعلم.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى