الطريق الرابع: دلالة القرآن على حفظ السنة.

الطريق الرابع

دلالة القرآن على حفظ السنة.

تقدم معنا في أول مبحث الركائز أن دلائل القرآن على حجية السنة لا تقتصر على إثبات أصل حجيتها فقط، وإنما تفيد دوام الحجية واستمرارها كذلك.

ولا يقل إثبات معنى دوام الحجية أهمّيةً عن إثبات أصلها، فإن منازعة كثير من المشككين في السنة إنما هي في قضية حفظها والثقة في طريقة نقلها لا في أصل الاحتجاج بها.

وهذا المعنى يجب استحضاره عند مناقشة المشككين والمنكرين، حتى إذا أقر أحدهم بدلالة آيات طاعة الرسول على حجية سنته، ثم نازع في حفظها، حاججناه بدلائل دوام الحجية، واستمرار الحاجة إليها.

وإذا تأملنا في القرآن الكريم لاستخراج ما يمكن أن يدل على معاني الحفظ ودوام حاجة المؤمنين للسنة، سنجد فيه دلائل متعددة على ذلك، وهي متفاوتة المراتب من جهة ظهور وجه دلالتها، ومن جهة الاتفاق عليها أو الاختلاف فيها بين العلماء من أهل الإسلام، وسأذكر جُملةً من هذه الأدلة:

الدليل الأول:

قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩].

وجه الدلالة مُجمَلاً:
أن الخطاب في الآية عام لأهل الإيمان إلى يوم القيامة برد نزاعاتهم إلى الكتاب والسنة، ولا يتم العمل بهذه الآية إلا إذا كان الكتاب والسنة محفوظَين، ليكونا فصلاً للنزاع بين المؤمنين، فإن لم يُحفظا فقد بطل مقتضى الآية.

إثبات وجه الدلالة:
نظراً لأهمية الاستدلال بهذه الآية على حفظ السنة النبوية فسأبين الخطوات التي نُثبت بها وجه الدلالة الذي سبق ذكره مجملاً، وهذه الخطوات هي:

١- إثبات عموم الآية.
٢- إثبات شمول قول الله “فردوه إلى الله والرسول” للكتاب والسنة.
٣- إثبات احتياج عموم أهل الإيمان في كل الأزمان للكتاب والسنة في فصل النزاعات.

أولاً: إثبات عموم الآية:

والمقصود بعمومها أي باعتبار الـمُخاطَبين، ويمكن إثبات ذلك بطرق:
منها: أن الآية مُصَدّرة بخطاب الله للذين آمنوا، فتشمل كل من دخل في وصف الإيمان إلى يوم القيامة، حتى يقوم الدليل على التخصيص وإخراجِ من لم يعاصر زمن الخطاب من أهل الإيمان، خاصة وأن لفظ (الذين) من ألفاظ العموم كما يقرره الأصوليون، ولا دليل على التخصيص في هذه الآية، فهي كسائر الآيات العامة التي يأمر الله فيها أهل الإيمان وينهاهم، كقوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة) وقوله: (يا أيها الذين آمَنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) وغيرها، فالأصل في خطاب المؤمنين بالأمر والنهي في القرآن أن يكون شاملاً لكل من آمن إلى يوم القيامة، وهذا هو المقتضى الضروري لكون النبي ﷺ خاتم الأنبياء ولكون القرآن حجة على سائر البشر، ولا يُعدَل عن هذا الأصل إلا بدليل أو قرينة تدل على إرادة الخصوص ابتداء أو بدليل يدل على التخصيص بعد إرادة العموم.

ومنها: الإجماع، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن هذه الآية عامة، من أشهرهم ابن حزم رحمه الله تعالى حيث قال:

(والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبرِ عن رسول الله ﷺ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا وإلى كل من يخلق ويركب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجنة والناس كتوجهه إلى من كان على عهد رسول الله ﷺ وكل من أتى بعده عليه السلام وقبلنا ولا فرق).

ثانياً: إثبات شمول قوله سبحانه (فردوه إلى الله والرسول) للكتاب والسنة.
بعد إثبات عموم الآية باعتبار المخاطَبين بها، نأتي إلى خطوة إثبات شمولها للكتاب والسنة، وليس للكتاب وحده، ويتحقق إثبات ذلك بطرق:

منها: تكرار فعل الأمر (وأطيعوا)، فهذا يعطي مزيد معنى لأمر الرسول ونهيه، ويضيفُ خصوصَ اهتمامٍ به حتى لو لم يكن مذكوراً في النص القرآني، كما قال ابن عاشور في تفسيره:

(وإنّما أعيد فعل: “وأطيعوا الرسول” مع أنّ حرف العطف يغني عن إعادته؛ إظهاراً للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول، لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر، ولينبّه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي؛ لئلاّ يتوهّم السامع أنّ طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير).

ومنها: أن الله قد أمر في الآية بالرد إليه، وإلى رسوله عند وجود النزاع، ومن المعلوم أننا لا نستطيع الرد إلى الله مباشرة لأنه لن يوحي لأحدنا بالفصل فيما نتنازع فيه، فيكون المراد -إذاً- بالرد إلى الله هو الرد إلى كتابه.

وإذا كان كذلك فإن الأليق بالسياق أن يكون المراد بالرد إلى الرسول الرد إلى قضائه وحكمه مع حكم الكتاب وفصله، لا أن يكون المراد به نفس ما أريد بلفظ الرد إلى الله دون أي معنى يختص به.

ثم إن هذا الحكم والقضاء قد يُسمَع منه – ﷺ- مباشرة لمن عاصره، وقد يَبلغ من غاب عنه بواسطة، كما كان رُسُل رسول الله يقضون بين الناس في الآفاق بقضاء رسول الله، وهم -أي المقضي بينهم- إنما علموا هذا القضاء بواسطة لا مباشرة.

قال ابن حزم:

(وحتى لو شغّب مشغب بأن هذا الخطاب إنما هو متوجه إلى من يمكن لقاء رسول الله ﷺلما أمكنه هذا الشغب في الله عز و جل إذ لا سبيل لأحد إلى مكالمته تعالى؛ فبطل هذا الظن وصح أن المراد بالرد المذكور في الآية -التي نصصنا- إنما هو إلى كلام الله تعالى -وهو القرآن- وإلى كلام نبيه ﷺ المنقول على مرور الدهر إلينا جيل بعد جيل. وأيضا فليس في الآية المذكورة ذكرٌ للقاء ولا مشافهة أصلا، ولا دليل عليه، وإنما فيه الأمر بالرد فقط. ومعلوم بالضرورة أن هذا الرد إنما هو تحكيم أوامر الله تعالى. وأوامر رسوله ﷺ موجودة عندنا، منقولٌ كل ذلك إلينا، فهي التي جاء نص الآية بالرد إليها دون تكلف تأويل ولا مخالفة ظاهر).

والمقصود أن أمر الله بالرد إلى الرسول يُراد به الرد إلى سنته أي إلى ما يقضي به ويحكم للفصل في النزاع ولو لم يكن ها القضاء مذكوراً في القرآن.

ومنها: الإجماع: قال عبد العزيز الكناني رحمه الله عن هذه الآية:

«هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته ؛فإنما هو إلى سنته، وإنما يشك في هذا الملحدون».

وقال ابن القيم رحمه الله:

«الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته».

ثالثا: إثبات احتياج عموم أهل الإيمان في كل الأزمان للكتاب والسنة في فصل النزاعات.

قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}[النساء:٥٩]

لقد علقت هذه الآية الكريمة الأمر بالرد إلى الكتاب والسنة على أمر يتجدد في كل حين بين الناس, وهو التنازع بينهم, وجعلت هذا الرد علامة على الإيمان بل وشرطًا فيه, إذ قال سبحانه وتعالى: {فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}, ثم بين سبحانه أن هذا الرد محمود العاقبة فقال: {ذلك خير وأحسن تأويلًا} والتأويل هنا: العاقبة.
والمتأمل في هذه العمومات الواردة في الآية سواء في أولها بالأمر العام بطاعة الله وطاعة رسوله, أو في عموم مورد النزاع المستفاد من كلمة (شيء) في الآية, ثم بذكر حسن العاقبة التي تترتب على هذا الرد -والذي هو مطلب كل مؤمن يدرك عموم احتياج أهل الإيمان إليها في كل الأزمان- وهذا يقتضي أمرًا مهما -سيأتي تفصيله إن شاء الله- وهو: أن يحفظ الله الكتاب والسنة حتى يتم بهما فصل النزاعات الناشئة بين المؤمنين.

 

الدليل الثاني:

قول الله سبحانه وتعالى: (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون).

لقد قدمتُ أن الأدلة في هذا الباب منها ما هو متفق عليه في الاستدلال على حفظ السنة ومنها ما هو دون ذلك، ولأن المقام لا يتسع لبسط الخلاف الجزئي فسأكتفي ببيان وجه استدلال من استدل بهذه الآية من أهل العلم على أن السنة داخلة فيها نصّاً، وخطوات إثبات ذلك، وأما الاستدلال بها على حفظ السنة باللازم عند ضم غيرها من الآيات إليها فله مقام آخر سيأتي بإذن الله.

وجه دلالة الآية على حفظ السنّة مُجمَلاً:

أن كلمة (الذكر) لا تختص بالقرآن وحده، بل تشمل عموم ما أنزل الله على نبيه من الوحي -ومنه السنة- فتكون داخلة في تكفل الله بحفظها.

إثبات وجه الدلالة:
تتطلب صحة الاستدلال بهذه الآية على حفظ السنة إثباتَ أمرين:
الأول: أن الذكر المنزل من عند الله لا ينحصر في القرآن وإنما يشمل عموم الوحي.
الثاني : أن السنة من الوحي الذي أنزله الله.

فأما الثاني فقد تقدم في هذا الكتاب ما يثبته، وأما شمول الذكر لعموم الوحي فالاستدلال عليه بقول الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[الأنبياء: ٧].
فالمقصود بأهل الذكر هنا هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى كما هو ظاهر من سياق الآية فهي متعلقة بالآيات قبلها وفيها حكاية قول المشركين عن النبي ﷺ (هل هذا إلا بشر مثلكم)؟ فيحيلهم الله إلى من يشتركون معهم في عدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ليسألوهم هل كان أنبياؤهم من البشر أم من الملائكة؟

قال ابن كثير رحمه الله:

(يقول تعالى رادّاً على من أنكر بعثة الرسل من البشر: “وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم” أي جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى: “وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى“،…، ولهذا قال تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” أي اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرا أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشرا وذلك من تمام نعمة الله على خلقه؛ إذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم).

وإذا كان الأمر كذلك فإن مِن أهل العلم من رأى أن هذه الآية يُستدل بنصها ولفظها وظاهرها على حفظ السنة مع القرآن؛ لإنها من الوحي الذي أنزله الله تعالى.

قال ابن حزم رحمه الله:

(قال الله عز وجل عن نبيه ﷺ “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى” وقال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول: “قل ما كنت بدعا من لرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ومآ أنا إلا نذير مبين” وقال تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” وقال تعالى: “بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون” فصح أن كلام رسول الله ﷺ  كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك، [قلتُ وهذا إثبات الأمر الثاني] ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكرٌ منزَّل [قلتُ وهذا إثبات الأمر الأول استدل عليه بالاتفاق]؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له).

الدليل الثالث:

قول الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:٣٢-٣٣].

وجه الدلالة من الآية مجملاً:

أن الله تكفل بإتمام نوره وإظهار دينه، والسنة من الدين، فهي داخلة في هذا التكفل المقتضي للحفظ ليستمر الظهور.

إثبات وجه الدلالة:

يتطلب الاستدلال بهذه الآية على حفظ الله للسنة إثبات ما يلي:

أولاً: أن السنة من الدين.
ثانياً: أن إظهار الدين يقتضي حفظه.

فأما الأول فقد تم إثباته في طيات ما سبق من البحث، من وجوه وطرق متعددة.
وأما الثاني فأمره ظاهر، وهو قريب المأخذ، فإن إظهار الدين على الأديان يقتضي حفظه ليظل ظاهرا وإلا صار مثلها في الضياع والتحريف ولم يصح ظهوره عليها!

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى