تعزيز اليقين

الدليل العاشر من أدلة وجود الله عز وجل دليل أصالة التدين

تقدم معنا دلائل عدة تَبيَّن أن الله تعالى أودع الدلائل القاطعة في كل ما نراه حولنا على أنه الخالق العظيم العليم الحكيم، بل أودع دلائل فطرية في نفوسنا يدلنا التأمل فيها على وجوده سبحانه واتصافه بصفات الكمال، كما تقدم معنا في دلائل الوعي، والقيم المطلقة، والجمال، والإرادة الحرة.

ولندخل الآن داخل النفس البشرية بصورة أعمق.. لنتأمل أكثر في واحدة من دلائل الفطرة التي أودعها الله سبحانه بين جنبينا.. إنّها فطرية تديّن هذه النفس، أو ما يمكن أن نسمّيه أصالة تدينها.

(١) هل التدين فطرة أصيلة في النفس البشرية

 لنتأمل أولا في داخل النفس البشرية .

  • حاجة كل نفس بشرية إلى الخضوع لمن هو متصف بالكمال .

من منّا لا يجد في نفسه رغبة قوية ودافعا فطرياً وحاجة إلى ركن وثيق يلجأ إليه.. يخضع له طوعا، ويعظمه محبة.. يعلق به قلبه في الرخاء، ويلجأ إليه عند الشدائد…

  • إنسان تضيق به الحياة.. يغلق الناس أبوابهم في وجهه، فلا يجد قلبه مخرجا عندها إلا أن يلجأ إلى عظيم رحيم كريم قدير.. لا يطرده عن بابه، ولا يتخلى عنه في مصابه، يطلب منه حاجته فيعطيه، ويبثه شكواه فيرحمه.
  • وآخر يركب البحر فيداهمه الموج، أو يركب طائرة فتضطرب به شيئا يسيرا.. فلا يملك أن يمنع قلبه من التوجه إلى القوي القريب المجيب، فيطلب منه النجاة والعون.

لو تأملت في نفسك لوجدت هذا المعنى حاضرا بقوة، ولو تأملت أحوال الناس لوجدت هذا حاضرا كذلك، فالنفس البشرية لا بد لها من شيء تخضع له وتتعلق به..

وهذا الشعور برهان قوي على تجذر وأصالة التدين، ووجود شعور الافتقار لعبودية الخالق والفرار إليه في كل نفس بشرية.

  • إلحاح الأسئلة الوجودية.

 تلك الأسئلة الكبرى التي تولد معنا وتعيش داخلنا:  من نحن؟ كيف وُجدنا في هذا الكون ؟ لماذا نحن فيه؟ ما الغاية من خلقنا وخلق هذا الكون العظيم؟ إلى أين سنذهب بعد الموت؟

أسئلة كفيلة بأن تنغص الحياة وتقض المضاجع وتؤرق الأجفان إذا لم تحظ بالجواب الشافي.. أسئلة حيرت الكثيرين قديما وحديثا… أسئلة يشترك فيها جميع البشر وتلح على من يجهل جوابها إلحاحا شديدا؛ مما يدل على فطريتها ووجود جواب عليها، ويدل على أننا لم نُخلق عبثا.

إن هذه الأسئلة تدفع الإنسان دفعا للبحث عن الخالق والدين الحق الذي سيُذهب عنه هذا التحيّر بالجواب العقلي الفطري الصحيح الشافي.

  • غريزة التطلع. 

إن غريزة التطلع المشتركة بين البشر بمعناها العميق وبما فيها من التوجه والترقب والطموح والتشوق والتمني… من محركات التدين ودلائله، ومن المبادئ التي يقوم عليها الإيمان والعلم، فالتطلّع إلى الكمال والتطلع إلى الغيب.. والتشوق إلى المجهول.. والتوجه نحو الاستطلاع.. والطموح إلى الاكتشاف.. والصبو إلى الحقيقة.. لا بد إن تبعه الإنسان بصدق أن يصل به إلى أسمى المعارف وغاية الغايات، ووجود هذه الغريزة أمر حقيقي، بإنكاره ينكر الإنسان جزءا منه، وإن شئت فقل: ينكر كيانه وذاته.

إن وجود عنصر نبيل في الإنسان، متطلعٌ للبقاء والوجود يدل على استحالة أن يكون الإنسان خُلق سدى ليعيش لأجل الدنيا ويفنى بعد الموت.

 ويدل وجود التطلع الغريزي على أصالة التدين وفطريته؛  لأن هذه الغريزة لن يلبي حاجتها مَن يقف عند حدود المحسوسات والماديات ويُغرق نفسه في دنيا الفناء؛ لأنه بهذا  يخالف الفطرة الإنسانية التي تتطلع إلى الكمال وتتشوف إلى الخلود والبقاء وترفض النظرة العبثية للدنيا لما تجده من شعور غائي ملح، ولن تستقر وتسكن نفس الإنسان المتطلعة إلا بالتدين وما فيه من عبودية لله عز وجل المتصف بالكمال المطلق، وما فيه من الوعد بالخلود في جنات النعيم.   

ثانيا : لنلتفت إلى الخلف، وننظر في التاريخ. 

 تعال معنا نلقي نظرة على تلك الأمم الغابرة.. كم تقدم قبلنا من أمم، وكم هلك قبلنا من قرون، لو أننا جمعنا كل هؤلاء في لوحة واحدة، ثم ألقينا عليها نظرة متفحصة فإننا سوف نجد عامة تلك الأمم قد أقرت بوجود إله عظيم كامل الصفات واشتركت في التدين، وإنما ضل كثير من تلك الأمم من جهة أن أخطأوا الطريق الصحيحة الموصلة إلى الله ﷻ، وهي إخلاص الدين لله تعالى وعبادته وحده لا شريك له، ومتابعة رسله.

 لو تأملنا تاريخ البشرية لوجدنا فطرتهم تحدوهم إلى البحث عن طريق يصلون به إلى الخالق .. لقد اختلفت أفكارهم، وتباينت ثقافاتهم، وتفاوتت حضاراتهم.. أمم قريبة منا، وأخرى غائرة في أعماق التاريخ.. إن الذي جعلهم يبحثون عن طريق يوصلهم إلى الخالق.. هو أنهم بشر مخلوقون يتوقون إلى خالقهم وحسب .. فالتدين هو غريزة إنسانية، راجعة إلى تكوين البشر.. حالة سطرها المؤرخون، وتأملها الباحثون..

يقول المؤرخ الإغريقي بلوتارك: 

«من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار، وبلا ملوك، وبلا ثروة، وبلا آداب، وبلا مسارح، ولكن لم نجد قط مدينة بلا معبد يمارس فيه الإنسان العبادة».

ويقول المؤرخ الشهير ول ديورانت في كتابة قصة الحضارة: 

“ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعًا اعتقادًا سليمًا، وهذه في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية”

وهكذا لو تأملت في القصص القرآني الذي حكى لنا جملة من أحوال تلك الأمم، لوجدتها جميعا أقرت بوجود الخالق، ولكنهم أعرضوا عن هداية خالقهم، فصاروا عبيدا لغيره، فأرسل الله سبحانه إليهم الرسل ليصححوا مسارهم قائلين لهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، فمنهم من اهتدى واستجاب للرسل، ومنهم من أعرض فأغوتهم الشياطين، أو أضلهم كبراؤهم.
وهذا الإجماع على وجود التدين والخضوع لإله عبر التاريخ يدل على فطرية التدين وأصالته في النفس البشرية.

  • أصالة وفطرية التدين .

 إن تأمل كل ما سبق من شواهد في الأمم التي اشتركت جميعها في التدين والافتقار للخالق على مر العصور، ومن شواهد في النفس البشرية التي لا تسكن إلا بالتدين والعبودية وتتطلع دوما للإله المتصف بالكمال وتتوق إلى معرفة مّن خالقها ولماذا خلقها؛ يوقفك على حقيقة عظيمة: وهي أصالة وفطرية التدين وفطرية الخضوع لإله بالعبودية.

 (٢) من يستحق الخضوع له ؟

طالما وُجدت فطرية التدين في المجتمعات كافة، ولن تسكن نفس الإنسان إلا بركونها وخضوعها للإله، فحري بنا التأمل في هذا السؤال

من يستحق الخضوع له، مَن هو هذا الإله الذي تتوق النفس للخضوع إليه وعبوديته؟

محال أن يكون إنسان، فالإنسان مخلوق ضعيف، ناقص كسائر المخلوقات، ناقص في علمه.. فعلمه يلحقه الجهل، وناقص في عدله.. فعدله قد يغلبه الظلم، وناقص في رحمته.. فرحمته قد تدركها الشدة التي لا تكون في موضعها، وناقص في حكمته.. فقد يلحق حكمته الحيرة والاضطراب، بل إنه محتاج فقير إلى غيره في أصل وجوده.. فكيف -إذن- يمكن لإنسان هذه حاله أن يجد الاستقرار إذا تعلق قلبه وخضع لمخلوق مثله في نقصه وعجزه؟! 

هذا التعلق لا ينبغي إلا أن يكون بإله كامل الصفات، كامل في قدرته وقوته، كامل في علمه وحكمته، كامل في عدله ورحمته.. فعقل الإنسان الصحيح وفطرته السليمة تأبى أن تخضع  لمخلوق ناقص؛ لأنه إذا تعلق به وخضع له بقي في حيرة واضطراب، فمن هو المخلوق الذي لا يلحق قوتَه العجز؟! ولا يلحق حكمتَه الحيرة والخطأ؟! ولا يلحق علمَه الجهل؟! ولا يلحق رحمتَه وعدلَه إيثار محبته لنفسه؟! بل سيزداد تشتتا وحيرة بهذا الخضوع والعبودية، ولن تسكن نفسه ولن يلبي حاجتها وفطرية التدين المغروسة فيها. 

وإذا كان الإنسان العاقل الواعي لا يصلح لهذا الخضوع فمن باب أولى ألا يصلح لذلك ما هو دونه من المعبودات الباطلة الناقصة، كالأصنام التي يصنعها المشرك بيديه، وهي لا تستجيب له ولا تدري عنه،  ولقد نعى الله عز وجل على المشركين أن تعلقوا وخضعوا لأصنامهم، فمن ذلك قوله تعالى: {والذين يدعون من دون الله  لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون}، وقال ﷻ: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون}، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام مخاطبا أباه: {يا أبت  لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا}.

هذا الخضوع لا بد أن يكون لله عز وجل المتصف بالكمال المطلق، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الحي القيوم، هو الله الخالق العظيم مَن لا تأخذه سنة ولا نوم ولا يشغله سمع عن سمع، القادر على كل شيء، المجيب لمن دعاه، فاستحق بذلك أن يلجأ إليه العبد ويخضع له ويعبده وحده لا شريك له{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}، هذا العبد الذي لن تستقر نفسه إلا بعبودية خالقه ، يقول ابن القيم رحمه الله : ” إن في القلب شعث : لا يلمه إلا الإقبال على الله وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب ، وفيه فاقة: لا يسدها الا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا!!”

إن الخضوع الذي يسعى إليه الإنسان، ليس كخضوع الرياح والكواكب لأمره فحسب، بل هو خضوع يسير الإنسان إليه مختارا ليجد فيه نفسه، وليسلك من خلاله الطريق المستقيم، فيحصّل الحياة الطيبة في الدنيا، والفوز في الآخرة. 

هو خضوع يخلص الإنسان من اليأس والقنوط، لأنه يعلم علما قاطعا يقينيا أن كل ما يراه حوله إنما هو خاضع للخالق العظيم، فلا يبقى معه الإنسان أسير الأسباب بمجردها، بل يتجاوز ذلك إلى التعلق بالذي يدبر الأمور ويسبب الأسباب، بالحكيم العليم الرحيم، الذي إذا دُعي أجاب، وإذا سئل أعطى، وإذا استجير أجار، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ يَطلُبُهُ حَثيثًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمرِهِ أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمينَ . ادعوا رَبَّكُم تَضَرُّعًا وَخُفيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعتَدينَ﴾ . 

  • التوحيد. 

وهذا الخضوع يجب أن يكون لله وحده، وإلا لبقي الإنسان في تيه وحيرة واضطراب.

يقول تعالى:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. 

لقد فطر الله ﷻ ِعباده على التوجه إلى خالق واحد، وعلى تعظيمه وإجلاله، فإذا سلمت فطرهم لجأوا إليه وحده، فدين التوحيد هو الفطرة البشرية الأصيلة. قال ﷻ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}، ولا يمكن أن يقبل العقل السليم سواه..{أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار}، ولكن قد تنحرف النفوس عن الفطرة ببعض المؤثرات المضللة، وعندها يتيه المنحرفون في سبل الشرك المتشعبة، فمن عابد للأصنام، ومن لائذ بعظماء من البشر، ومن عاشق لمحبوب أو عابد للمال، ومن معظم لنفسه وعابد لهواه، كما قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}.

 ومن رحمته سبحانه أنّه أرسل الرسل وأنزل الكتب بالبينات ليعيد من انحرف إلى دين الفطرة، فاستجاب منهم أناس للرسل، ومنهم من حقت عليه الضلالة بسبب إعراضه وكبره.

فالبشر كانوا موحدين حنفاء، يحبون خالقهم، ويتذللون إليه، ويرجون رحمته.. يعبدونه وحده.. ثم غلب الجهل والهوى على فئام منهم وأضلهم الشيطان.. ولكن ِنفوسهم تقر بهذه الحقيقة {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} ِ، وأغلبهم مع شركه وعبادته للأصنام أو البشر يعرف أن هناك خالق واحد أعلى من كل هذه المعبودات الباطلة، حتى وأن أعتى الجبابرة أقر بالحقيقة في لحظة صاغرا ذليلا ، فها هو فرعون عند معاينة الغرق يقرّ كما حكى الله تعالى عنه :{آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}، كحال الكافر الذي يجد نفسه تفزع لله جل جلاله وحده اضطرارا عند الشدائد وفي أحلك اللحظات، يجد نفسه مؤمنا به سبحانه متيقنا من وجوده تمام اليقين { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جاءتهت ريح عاصف وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لئن أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } ..

وبهذا يتضح لدينا أن فطرية التدين وأصالتها في النفس البشرية تدل على وجود الخالق ووحدانيته من ناحيتين: من ناحية أنها تثبت ضرورة خضوع الإنسان وعبوديته لإله، ثم ترشدنا إلى أن هذا الإله يجب أن يكون متصفا بالكمال وليس هذا سوى الله الخالق جل علاه. ومن ناحية دلالة وجود مثل هذا المعنى الغريزي في نفوس البشر جميعا، مما يدل على أن هناك خالقا غرز ذلك في كيانهم وفطرهم عليه.

 

 (٣)  لا تخالف فطرتك !  اخضع لخالقك

والآن .. إذا اتضحت لك هذه الصورة، وأبصرت الحقيقة ماثلة أمامك، فاعلم أن الدنيا بكل زخرفها لو اجتمعت للإنسان لما سدت مسد الدين، ولما أغنته عن الوحي المبين… مساحات خضراء، وعيشة رغيدة غناء، ناطحات سحاب، ملذات متاحة.. لم تغن أصحابها عن الدين الحق، وما زادتهم دنياهم إلا تيها وضياعا، لأن النفس البشرية واحدة قديما وحديثا، وحاجتها إلى إله كامل الصفات لتتعلق به موجودة الآن كما كانت موجودة في العصور الغابرة.. الإنسان مهما تقدم وتحضر، ومهما طغى وتجبر، فإنه يبقى إنسانا فقيرا محتاجا إلى الله العظيم.

بل إن الإنسان كلما تقدم في البحث العلمي تكشفت له جوانب ضعفه وجهله وحاجته أكثر وأكثر، وكلما تقدم في العلوم الطبيعية وجد نفسه أكثر عجزا عن تفسير الأمور تفسيرا كاملا بالتفسيرات المادية.. التي غاية ما تكشفه التفسيرات المادية هي أن تبين لنا ترتب فعل على آخر، أو حدث على آخر، ولا نصيب لها من إظهار الحِكم والغايات.

ماذا تغني التفسيرات المادية -ولو كثرت- عن التفسير الحقيقي للظواهر، التفسير التي يعطينا الحقيقة الكاملة.. هذه الأسباب والتفسيرات المادية.. ما علمنا منها وما لم نعلم.. كلها خاضعة لإرادة الله وقدرته.

لقد انتهى العلم الطبيعي إلى إشعال غريزة التدين لا إلى إخمادها، وإلى زيادة التطلع والترقب لا إلى قلته.. فمن كان لبيبا عاقلا متجردا عن هواه علم أن الإنسان فقير محتاج مهما ظنّ أنّه علا، ومهما اعتد بنفسه…

إنّ الميل إلى التدين هو أرقى ميول النفس، وسيبقى يلازم الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح، وسيزداد فيه كلما علت مداركه، فالعقل الواعي هو الذي يتطلب حقائق الأشياء والغايات من ورائها، وهو الذي يسعى لتجاوز الحدود المادية، ويسعى لمعرفة الخيط الناظم للكون كله، وسيبقى لذلك متطلعا مترقبا متشوقا، لا تكفيه العلوم المادية كلها، حتى يعرف الحقيقة الكبرى.

إنّها الفطرة، الحقيقة الأصيلة الضاربة في القدم، وصدق الله ﷻ إذ يقول مبيّناً أصالتها: ﴿وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَني آدَمَ مِن ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قالوا بَلى شَهِدنا أَن تَقولوا يَومَ القِيامَةِ إِنّا كُنّا عَن هذا غافِلينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].

وقال ﷺ: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» [مسلم: ٢٨٦٥].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى