عرض ونقد

الحالة الوسواسيّة والحالة الشكّيّة

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

أما قبل ،، 

المشهد الأول (مشرق):

تائه شريد .. تأتيه الخواطر حينًا، وتذهب أحيانًا!

يتساءلُ في قلقٍ وحيرةٍ:
ماذا جرى؟! تُرَى هل أصابني ضعف في إيماني؟ أم هل اهتز يقيني بربي؟ أو ربما أصابني خلل ما في عقلي؛ فتشوه فكري؟!”

لكنه يُجيبُ مُسرِعًا، وقد هاله ما أسرَّه في نفسِه:

“لا .. لا، أعوذ بالله، أظن أنه مجرد وسواس من الشيطان، وخواطر لا معنى لها، وستزول حتما بإذن الله!”

يقول هذه الكلمات؛ مُهوِّنًا على نفسه ما ألَمَّ بها، عازمًا على تقوية إيمانه بربه، والاستزادة من العلم؛ حتى يطمئن قلبه بالإيمان.
فهنيئًا له إن كان صادقًا.

فلم تكُ سوى وساوس شيطانية، تزول بالاستعاذة بالله، و تخلِف خيرا بالاستعانة.
_______________________

المشهد الثاني (ضبابي):

هناك من تخطى الأمر لديه مجرد خواطر عارضة؛ حيث سمح لنفسه بالتغلغل فيها؛ وإطالة النقاش مع شيطانه، الذي وجدها فرصة سانحة لإفساد قلبه، فماذا سيحصل له ياترى؟!

يقول:
“لماذا لا أزال أفكر في تلك الخواطر؛ أَفَكُلمَا ظننتُ بأَنِّي قد تخلصت من تلك التساؤلات ونفيتها مستعيذا؛ عادت لتقتحم خلواتي، بل وتهاجمني بأشرس مما كانت عليه؛ فلاتتركني إلا وقد سلبتني راحتي واستقرار نفسي؟!

أيمكن أنها قد ترسخت في عقلي؛ حتى أخذت منه موضعاً؛ فباتت تنمو فيه وتترعرع ؛ فلا تُبقي فيه إيماناً يُذكر!

كيف؟ ومنذ متى وقعت في شراكها؟ وعلامَ تتغذى و تنمو؟ يقول وقد اعتصر فؤاده ألمًا: “يا ربِّ أفتقر إليك؛ ما المخرج؟ كيف السبيل إلى هداك؟!”

فحالته ليست بتلك الخطورة، لكنه بحاجة لمن يأخذ على يده، وينصح له؛ فيسد بذلك ثغراً أوشك الشيطان أن يشغله.
________________________

المشهد الثالث والأخير(مظلم):
(فهناك من تجاوز الأمر معه مجرد وساوس، و إنما أصبحت معتقدات باطلة؛ مؤمنٌ بها، ومدافعٌ عنها وربما داعٍ إليها، وهذا حالته خطرة!)

قد خالطت الشبهات عقله وامتزجت بفكره؛ فهو راضٍ بإيمانه _الزائف_ مطمئن لأفكاره المشوهة؛ فقد كانت البذرة شبهة من الشبهاتِ دُسَّت في رواية، أو بُثت في فيلم، ثم زُيّنَت في مشهد بمسلسل هابط، وأخيرا تقرَرّت بمقولة تافه أو دعوة جاهل؛ فاستمالت القلب واقتحمت العقل على حين غِرَّة؟! وهكذا ظلت هذه البذرة تنمو، وتقوى حتى ترسخت في عقله فأصبحت جزءًا لا يتجزأ من فكره!

أتُراه يُدرك ما به من خلل؟ الجواب: لا أعتقد ذلك؛ إذ ليس لديه من العلم ما يحصن به نفسه من الشبهات، أو يميز به الحق من الباطل، كما أنه يفتقد لليقين الذي يدفع به عن نفسه هذه الوساوس و تلك الأفكار الهشَّة المخالفة للشريعة الإسلامية!

أما بعد ،،
فما ذكرنا آنفا هي نماذج وأمثلة من واقعنا المعاصر حيث نلمسها كثيرًا عند فئة الشباب من الذكور والإناث، وقد لاحظنا فروقا _ وإن كانت طفيفة_ بين المشاهد السالف ذكرها، وخاصة المشهد الثاني والثالث، وها نحن الآن سنتكلم عنهما بإيجاز شديد موضحين الفرق بينهما بإذن الله:

•الوسواس القهري في العقيدة:
هو حالة تُصيب المؤمن الموحد بالله عز وجل، تجعله يُحدث نفسه بما يُخالف العقيدة الصحيحة؛ فيتألم لما يجول في ذهنه دون إرادة منه.
وهذا الوسواس إنما هو من كيد الشيطان ولقد قال الله تعالى: { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا }
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما (عند أبي داوود): أنه لما شكى إليه رجل ذلك، قال: “الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة”
أي: أن كيده لم يكن إلا حديث نفس، لم يتجاوزه؛ ليتمكن من القلب.

فمن أعظم ما يُبتلى به الإنسان أن يصاب بهذا الوسواس القهري المُزعِج ؛لأنه إن سُلِّط عليه أفسد عليه دينه ودنياه.
ولأن المؤمن مبتلى؛ ليتبين صدق توحيده، وإيمانه بالله عز وجل فقد قال الله تعالى:
{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ۝ }

وهو أيضًا لا يأتي إلا لأصحاب الإيمان دون سواهم، فقد رُوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: “وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟” قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: “ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ”. رواه مسلم

أي أن استعظام الصحابة الكلام به، هو صريح الإيمان؛ فإن استعظام هذا، وشدة الخوف منه، ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده .. إنما هو لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وٱنتفت عنه الريبة والشكوك.

• أما التأثر بالشبهات فهي مشكلة أكثر مُعضِلةً من مشكلة الوسواس القهري؛ حيث أنه إن لم ينتبه لها المسلم لُوِّثت فطرته السليمة وشُوِّه عقله وفكره دون أن يشعر فمن خطورته أنه يأخذ حالة بين الخفاء والعلن، وهو إلى الخفاء أقرب، وبالتالي قد لا تظهر آثاره السلبية إلا في المستقبل القريب، عندما يصل الشباب إلى مرحلة العطاء والإرشاد والتربية.

•والتأثر بالشبهات مشكلة معقدة، مبنية على مجموعة من الأسباب متداخلة فيما بينها.

هذه الأسباب تندرج تحت نوعين من المؤثرات:
-مؤثرات خارجية
– مؤثرات داخلية.
أما المؤثرات الخارجية فمنها:
[١] شبكات التواصل الإجتماعي: فهي تعد عامل في تسريع تداول الشبهات والإشكالات، حيث أنها يسّرت لأصحاب الشبهات بث شبهاتهم دون إجراءات أو تعقيدات؛ مما سهل من وصولها للطائفة المُستهدفة دون استئذان!

[٢] الأفلام والروايات: وحيث أن أغلب الشباب ينجذبون لكليهما فأصبحا ميدانا ممهدا لبث الشبهات والإشكالات بطريقة غير مباشرة، وذلك عن طريق نقل الثقافة الأجنبية بما فيها من صواب وخطأ، وخير وشر دون تمييز لما يتعارض منها مع قيم الإسلام.
ولكن هذا لن يكون مؤثرًا قويا وحده، ما لم يكن مصحوبا بانهزام حضاري داخل نفس المسلم، وذلك في ظل التقدم المادي للعالم الغربي.

[٣] التواصل والاحتكاك المباشر بالثقافات الأجنبية عن طريق الدارسة ونحوها: مثلا أن يتلقى من معلمين غير مسلمين، وفيهم من هو مهتم بنشر بعض الأفكار الإلحادية وغيره؛ فيحب على الشاب المسلم قبل ذهابه إلى المدرسة أو الجامعة أن يكون على مستوى عال من الإيمان واليقين وكذلك يملك قدرًا لا بأس به من التأصيل الشرعي والأدوات المعرفية التي يقيّم بها المعلومات الجديدة، ويُخضِعها للنقد العلمي، فلا يتأثر بها.

وأما المؤثرات الداخلية فهي كثير منها:
[١] ضعف اليقين : فمثلا هو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما ويؤمن بالبعث والحساب والسؤال والجنة والنار، ومع ذلك تجد حاله مخالف لذلك، وقد تجده يفعل الكثير مما ليس في هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
فلذلك نجد كثيرا من الناس في عافية من الكفر، والإلحاد مع ضعف يقينهم لأنهم لم يُبتلوا بمن يشككهم في دينهم، أما لو تعرضوا لشبهة قوية في أصل الإسلام وثوابته فقد لا يصمد إيمانهم أمام ذلك.

[٢] المشاكل النفسية والضغوطات الاجتماعية: فقد يقابله من المشاكل، والابتلاءات، والضغط النفسي ما يجعله ساخطاً على قضاء الله وقدره، ومن ثم قد يجحد وجود الله أو يتهم عدله وحكمته سبحانه.
وقد أخبر الله عنهم في كتابه في قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }.
قال الإمام السعدي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفًا، وإما عادة، على وجه لا يثبت عند المِحن.

 [٣] ضعف الجانب التعبدي وخاصة أعمال القلوب: ويدخل فيها مراقبة النفس، ومراقبة القلب من حيث حب الله، والتوكل عليه، والصدق معه، والتخلص من أمراض القلوب، فلو اعتنى المسلم بهذا الجانب وامتلأ قلبه بالله وحبه والخوف منه؛ فلن يستهويه شئ آخر، اللهم إلا إذا أصابه ابتلاء الوسواس القهري كما ذكرنا قبل ذلك.

وهكذا قد تكلمنا عن المشكلتين بإيجاز نرجو به أن نكون قد أدركنا الفرق بينهما.

فمما سبق تبين لنا أن:

• الوسواس القهري يُصيب أصحاب الإيمان بالله عز وجل، أما التأثر بالشبهات فيصيب ضعاف اليقين بالله عز وجل.

• الوسواس القهري يجعل صاحبه يتألم مما أصابه؛ استجابةً لنداء فطرته السليمة.
بينما التأثر بالشبهات لا يكاد يشعر به صاحبه؛ لجهله وضعف يقينه.

الوسواس القهري ابتلاء من الله عز وجل، والمسلم المؤمن بالله يخرج منه أفضل مما قبل، وأثبت إيمانا وأعز يقينا.. إذا صبر واعتصم بالله عز وجل، أما التأثر بالشبهات فضلًا عن الوقوع فيها فيكون وبالا على صاحبه في الدنيا والآخرة.

والله نرجو أن يهدينا صراطه المستقيم فلا نضل ولا نغوي.

الكاتب: آلاء الصباغ - زينب عطية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى