تعزيز اليقين

معجزة حفظ القرآن الكريم

خلقَ اللهُ هذا الكونَ بما يحْوِيه من سماءٍ وأرضٍ وجبالٍ، وأرادَ سبحانه وتعالى أنْ يجعلَ في الأرضِ خليفةً من البشرِ، فخلقَ آدمَ ومنه خلقَ حواء، ثمَّ أخذَ عددُ البشرِ يزدادُ ويزدادُ، وكانوا جميعًا يعبدون اللهَ جلَّ وعلاَ إلهًا واحدًا، لا يعبدون معه سواه، حتَّى اختلفوا فدخلَ الشركُ عليهم، وأفسدَ عليهم دينَهم وإيمانهم، فأرسلَ الله الرسلَ مبشرين ومنذرين؛ لِيُذكِّروا الناسََ بما جُبلتْ عليه فطرتُهم من التوحيدِ في العبادة ونبذِ الشرك، وأيّـدهم الله بالمعجزاتِ علامةً على صدقِهم فيما يخبرون عنه.

وقد شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى لهذا القرآنِ أنْ يكونَ المعجزةَ الكبرى التي أعطاها لسيد الأنبياء والمرسلين، معجزةً خالدةً على مرِّ العصور؛ مَعينًا لا ينضب، ونهرًا ينهل منه كلُّ طالبٍ للهُدى والرشاد؛ وليبقى شاهدًا أبدًا على عجز القدرة البشرية أن تصلَ في البلاغة العربية إلى ذلكم المستوى المُعجز الذي ارتقاه القرآن فيأتوا بمثله أو حتى من مثله.
لأجل ذلك كان لا بدٍَّ أنْ يبقى هذا القرآنُ سالمًا أبدًا من التحريفِ، و التصحيفِ، و الزيادة، والنقصان، وغيرِها من أشكال التغيير.

وقد تكفَّل اللهُ بهذه المهمَّةِ العظيمةِ، فقال تعالى:{إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون}[سورة الحجر، الآية ٩]، وتمثَّلَ حفظُ اللهِ للقرآنِ في عددٍ من الصورِ؛ منها:

  •  الصورةُ الأولى : ضمانُ اللهِ بتثبيتِ القرآنِ وجمعِه في صدرِ النبي ﷺ

كانَ جبريلُ عليه السلام أمينَ الوحيِّ، فكان ينزِلُ على النبي ﷺ ليخبرَه بما نزل من القرآن الكريم، وكان النبي ﷺ –حينما يقرأ جبريلُ عليه القرآنَ وقبلَ أنْ ينتهي– يقومُ بترديد كلماتِ القرآن التي سمعها من جبريل خوفًا منه ﷺ أن ينسى منها شيئًا فيصعد جبريل إلى السماء وقد نسي النبي ﷺ أولَ ما قاله جبريل عليه السلام. فكفاه الله هذه المؤونة، وضمن له أن يجمعَ القرآنَ في صدره، وأنَّ عليه فقط أنْ ينصتَ إلى قراءة جبريل عليه السلام حتى ينتهي، فقال تعالى: {لا تُحَرِّك بِه لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ (١٧) فَإذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيانَه} [سورة القيامة ، الآية ١٦ : ١٩].
وكانَ جبريلُ عليه السلام يجتمعُ مع النبيِّ ﷺ في شهر رمضان من كلِّ عامٍ ليتدارسا القرآن، فيعرض عليه النبيُّ ﷺ حفظَه، فيزداد القرآنُ بذلك ثبوتًا في صدرِ النبي ﷺ.

  • الصورةُ الثانيةُ : نزولُ القرآنِ الكريمِ مُنجَّمًا

من حكمةِ الله جلَّ وعلا أنَّ القرآنَ لم ينزل دفعةً واحدةً، وإنَّما نزلَ مجزَّأً في مدةٍ قدرها ثلاثة وعشرون عامًا؛ وذلك ليسهلَ عليه وعلى أصحابه حفظُه وتطبيقُه قال تعالى:{لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}، وإتقان قراءته {وَرَتَّـلْنَاهُ تَرْتِيلًا}، وليكونَ تثبيتًا لقلب النبي ﷺ أثناء الدعوة {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك}، ودليلًا على ربوبية مصدره وأنَّه من عند الله حقًا ؛ فبالرغم من نزوله على ثلاثة وعشرين عامًا بالآية والآيتين، فإنك تجده من أوَّله إلى آخره قويَّ الأسلوبِ، عميقَ الفكرة، بليغَ العبارة، خلافًا لكلام الناس الذي من شأنه إذا فُرِّق تأليفُه على أزمنةٍ متباعدةٍ أن يَعْتَوِرَهُ التفككُ وعدمُ تشابهِ الجمل {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلَافًا كَثِيرًا}.

  • الصورةُ الثالثةُ: تسهيلُ حفظِه وتيسيرُه

يتميَّزُ القرآنُ بسهولةِ حفظِه فصارَ يحفظُه الذي بلغَ من الكبر عتيًّا، والذي لم يتجاوز العاشرة، بل حتى الأعجمي الذي لا يعرف اللغةَ العربية صرنا نراه يحفظه بإتقانٍ وقد يتجاوز فيه العربيَّ الأصيل، ونجد إنسانًا يفشلُ في حفظِ بعضِ الورقات المدرسية، وإذا به ينجح في حفظ مئات الصفحات من القرآن الكريم، قال تعالى {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلِذِّكْرِ}.

  • الصورة الرابعة : نزولُ القرآنِ على سبعةِ أحرف

كانَ الأنبياءُ قبلَ محمدٍ ﷺ يُبعثون إلى قومهم فقط، أمَّا النبي محمد ﷺ فقد أرسله الله إلى جميع الخلق؛ الإنسِ والجنِّ، الأحمرِ والأسودِ، العربيِّ والأعجميِّ، وكان العرب الذين نزلَ القرآن بلغاتهم لغاتُهم مختلفة، وألسنتهم شتَّى، ويعسرُ على أحدهم الانتقالُ من لغتِه إلى غيرها. فمن رحمة الله بهذه الأمة أن أراد لها التيسيرَ وعدمَ المشقة فصارت مهمةُ قراءةِ القرآن وحفظه أسهلَ على الأمة؛ لا يعانون فيه صعوبةَ نطقِ ما لا يقدرون عليه، فَعَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ: «إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، فِيهِمُ الشَّيْخُ الْعَاسِي، وَالْعَجُوزَةُ الْكَبِيرَةُ، وَالْغُلَامُ» قَالَ: فَمُرْهُمْ، فَلْيَقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ » . 

  • الصورةُ الخامسةُ: الحفظُ الكتابيُّ للنصِّ القرآني، وتمَّ على ثلاثِ مراحل:

  1. المرحلةُ الأولى: تدوينه في عهد النبي ﷺ :
    بينما كانَ الوحي ينزلُ على النبي ﷺ مفرَّقًا بالآيتين والثلاث، كان الصحابةُ يتلقونه من فمِ النبي ﷺ كما سمعَه من جبريل عليه السلام، وكان منهم ( كتبة الوحي ) فكان النبي ﷺ يُملي عليهم وهم يكتبون، ولم يكن حينئذٍ هناك ورقٌ، بل كانوا يكتبونه على العُسُب، واللِّخاف، والرقاع ، وكان النبي ﷺ حريصًا جدًا على كتابة النصِّ القرآني فورَ نزولِه خوفًا عليه من الضياع، وبلغ عددُ كُتَّابِ الوحي آنذاك أكثر من أربعين كاتبًا. وكانت هذه العمليةُ في ذلكَ الوقتِ غريبةً جدًّاً؛ إذ أنَّ الكتابةَ لم تكن منتشرةً في العرب حينئذٍ، بل كانت قليلةً جدًّاً، ولم تأخذ هذا الطابع الرسمي، ممَّا يدلُّ على أنَّ المسلمين لم يتوانوا في تسجيلِ الآيات القرآنية وكتابتها، وكان إسلام عمر رضي الله عنه راجعًا إلى قراءته لآيات أولِّ سورة طه، والتي وجدها مكتوبة عند أخته. 
  2. المرحلةُ الثانيةُ : جمعُه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه: توفى النبي ﷺ ولم يُجمع القرآنُ في مصحفٍ واحدٍ بعد؛ لأنَّه كان دائمًا ما يأتيه جبريلُ بآيةٍ تنسخ آيةً أخرى، أو تحلُّ محلَّها، أو يحذف آية قد نزلت من قبل، فلم يكنِ النصُّ القرآنيُّ ثابتًا من أول نزوله، وكان جبريل عليه السلام يأتيه فيعرض عليه النبي ما معه من القرآن فيحذف جبريل منه أو يضيف كما أمره الله عز وجل {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، فلمَّا انقضى نزولُ القرآن بوفاة النبي ﷺ ألهمَ اللهُ الخلفاءَ الراشدينَ القيامَ بجمعِه في مصحفٍ واحدٍ . ولمَّا كانتْ حربُ اليمامةِ، ورأى عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه أنَّ كثيرًا من حفظةِ القرآن قد استُشْهِدُوا، خافَ على القرآنِ أنْ يذهبَ منه شيءٌ بذَهابِ حَفَظَته، فأشار على أبي بكرٍ رضي الله عنه بجمعِ القرآن، فأمرَ أبو بكرٍ الصحابيَّ الجليلَ زيدَ بن ثابتٍ أنْ يتولى هذه المهمةً، فصارَ يتتبَّعُ القرآنَ يجمعه من العُسب واللخاف وصدور الرجال. وكان زيدٌ هو أولى الناسِ للقيام بهذه المهمة؛ فقد كان ذكيًّا، تقيًّا، قويًّا، وكان من كُتَّاب الوحي وحَفَظَته، كما أنَّه شَهِد العَرْضَة الأخيرة للقرآن والتي استقرَّ عليها شكلُه النهائيُّ. وبالإضافة إلى كلِّ هذه الضمانات فقد وُضعت قاعدةٌ للعمل وطُبِقتْ بكلِّ عناية، وهي تقضي بألاَّ يُؤخذ بأي مخطوطٍ حتى يشهد رجلانِ أنَّه مكتوبٌ بإملاء النبي ﷺ وليس من الذاكرة فقط، ففي أثناء جمعِه للقرآن وجد زيد آخر سورة براءة مكتوبةً عند خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه ولم يجدها مع غيره، ولم يكتبها حتى وجدها عنده، مع أنَّه كان يحفظها، وسَمِعها من النبيِّ ﷺ، إلاَّ أنَّه مضى على تطبيق القاعدة؛ الحفظ والكتابة والشهادة فكان ذلك غاية الاحتياط، وكان النبي ﷺ قد جعل شهادة ثابت بشهادة رجلين فلهذا قَبِل منه. فإنْ قِيل: كيف وقعت الثقةُ بأصحابِ الرقاع وصدور الرجال؟ قِيل: لأنَّهم كانوا يُبدون عن تأليفٍ مُعجزٍ، ونظمٍ معروفٍ، قد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ عشرين سنة، فكان تزويرُ ما ليس منه مأمونًا، وإنَّما كان الخوفُ من ذهاب شيءٌ منه . وبعد جمعِ القرآن بكلِّ هذه الاحتياطاتِ، وُضع المصحف عند أبي بكر حتى تُوفيَ، ثمَّ إلى عمرَ الخليفة الثاني، ثمَّ إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنها؛ لأنَّ عثمان رضي الله عنه الخليفة الثالث لم يكن قد بُويع بعد.
  3. المرحلة الثالثة : نسخه في عهد عثمان رضي الله عنه: جُمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولم يُوزَّع على البلاد لعدم الحاجة إلى ذلك حينها فقد كانوا حديثي عهد بالنبي ﷺ وكان القرآن محفوظًا في صدورهم، ولم تُتح فرصةُ نشرِ المُصحفِ إلاَّ في خلافة عثمان رضي الله عنه بعد معارك أرمينية وأذربيجان، فقد تجمعت جيوش المسلمين الوافدة من سوريا والعراق ولاحظوا بعضَ الاختلافِ في القراءات، إذ كان السوريون يتبعون قراءة «أبيّ»، والعراقيون يتبعون قراءة «ابن مسعود» ، فقال بعضهم لبعض «قراءتنا خير من قراءتكم» ففزع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى عثمان وطلب إليه أن يضع حدًّا لهذا الاختلاف الذي قد يؤدي إلى مثل ما وقع فيه اليهودُ والنصارى من الفُرقة بشأن كتبهم، فشكَّل عثمانُ لجنةً من أربعةِ أشخاصٍ منهم زيد بن ثابت نفسه، وثلاثةً من الصحابة، وأرسلَ إلى حفصة رضي الله عنها يطلب الصحفَ؛ كي ينسخها في المصاحف، ففعلت، فنسخها في المصاحف كما كانت في صحف أبي بكر رضي الله عنه، إلاَّ أنَّه أخلاها من النقطِ والإعجام حتى يتَّسع الرسمُ لكثيرٍ من الوجوه التي صحَّ نقلُها عن النبي ﷺ، ثم ردَّ الصحفَ إليها مرة أخرى، وأرسل عددًا من المصاحف إلى الأمصار؛ كي يعتمدوها في قراءتهم، وبهذا حفظَ الله به الأمة من الاختلافِ والفُرقة.
  • الصورة السادسة : النقلُ الصوتيُّ للقرآن الكريم

كما حفظ اللهُ كلامَه من التحريف و التبديل في نصِّه، فقد حفظه أيضًا من اللحن والخطأ في تلاوته؛ فلا يُقرأ على وجهٍ لم يسمعه النبيُّ من جبريل عليهما السلام، ويتمثَّل النقلُ الصوتي السليم في عدد من الأمور؛ منها :

  1. الأمرُ الأولُ : استمرارُ سنَّةُ إقراءِ القرآن الكريم وأخذِه من أفواه المتقنين قديمًا وحديثًا
    كان النبيُّ ﷺ يحمل همومًا كثيرةً وأعباءً مختلفةً في دعوته؛ فمن إقامة الصلوات، وتوزيع الصدقات، والفصل في المنازعات، إلى مقابلة الوفود، ومراسلة الملوك والحكام، وقيادة المعارك العسكرية، وتأسيس الدولة، وبالإضافة لكل هذا كان يتلقَّى القرآنَ من لَدُنْ حكيمٍ عليمٍ، ثمَّ يقرؤه على أصحابه ويعلِّمهم إياه، وكان يُثني على بعضهم بإتقان التلاوة، فقال:« من سرٍَه أنْ يقرأ القرآن غضًّاً كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبدٍ » ، وحسن الصوت، فقال لأبي موسى الأشعري:«يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» ، فكان يذهب من يريد أن يتعلَّم القرآن إلى أحد الصحابة المعروفين بجودة التلاوة وحسن الأداء كعبد الله بن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، واستمرت هذه الطريقة ولله الحمد بعد زمن الصحابة إلى يومنا هذا، فصار القرآن يُؤخذ من أفواه المتقنين والمجيدين، وهذا من أعظم نعم الله على هذه الأمة، والحمد لله رب العالمين.
  2. الأمرُ الثاني : توفيقُ الله لأئمةِ القراءة من علماء المسلمين قديمًا أن يؤسسُّوا العلم الذي يُعنى بضبط كيفية تلاوة القرآن الكريم ونطقه بطريقة صحيحة؛ وهو علم التجويد  لما اتسعت دائرةُ هذا الدين الحنيف، ودخلَ فيه الصغير والكبير، والعربي والأعجمي الذي لا يعرف اللغة العربية، بدأ ظهورُ اللحنِ في قراءة القرآن، فتنبّه علماءُ هذه الأمة إلى هذه الحادثة، فهداهم الله إلى ضبطِ مخارجِ الحروف وصفاتها، وتأسيس قواعد علم التجويد التي يتوصَّل بها القارئ إلى تلاوة القرآن كما أُنزل على النبي ﷺ، فصار من الممكن لأي أحدٍ أن يتعلَّم أحكام التجويد ويقرأ القرآن قراءة صحيحة مهما كانت لغته أو جنسيته، فالحمد لله.
  3. الأمرُ الثالثُ ( حديثًا ): تسجيلُ تلاوة القرآن الكريم بصوتِ أفضلِ القراءِ في العالم الإسلامي على الأشرطة، والفيديوهات، والإنترنت نتيجةً لتطوُّرِ العلمِ تطورتْ الأدواتُ، وظهرت أجهزةُ التسجيلِ صوتًا وصورةً، فبادر المسلمون إلى استغلال هذه النعم، فوفَّقَ الله كبارَ القراءِ أنْ يسجِّلوا القرآن الكريم كاملًا كما سمعوه من مشايخهم، وكما سمعه مشايخُهم من مشايخهم وهكذا إلى النبي ﷺ، فصارت التلاوة الصحيحة للقرآن الكريم متاحةً لكلِّ الناس على الإنترنت وبمختلف الأصوات والقراءات، وصرنا نرى كثيرًا قد حفظوا القرآن من خلال أشرطة التسجيل ونحوها، وقد استفاد المسلمون من هذه التسجيلات استفادةً عظيمةً، إضافةً إلى الإنترنت الذي سُجلت عليه العديدُ من دورات التجويد، بل وحتى شروح لمتون القراءات وعلوم القرآن، ولله الحمد والمنة.
  • الصورةُ السابعةُ: بقاءُ اللغةِ العربيةِ محفوظةٌ من التحريفِ أو اللحنِ

القرآنُ هو المعجزةُ الخالدةُ التي خصَّ الله بها محمدًا ﷺ، وإعجازُه يكمن في نَظْمه، وفصاحته، وبلاغته، وأسلوبه، وكلها راجعةً إلى اللغة العربية، فلو ضاع اللسان العربي وتناثر بين اللغات، وضاعت قواعد اللغة لما كان لإعجاز القرآن معنىً؛ لأنَّه مُعجزٌ في اللغة العربية وما يتعلق بها، فكيف يُدرك إعجازُه إذا لم يكن هناك وجود للغة العربية من الأساس؟! أو كانت موجودةً ولكن دخل فيها التحريف وتغيّـرت عن اللسان الأصيل؟! فحفظ الله اللغة العربية حتى يتعلمها من يريد، إدراكًا لإعجاز القرآن، واستشعارًا لعظمته، وحتى يكون باب التحدي مفتوحًا لكلِّ من تسول له نفسُه دخولَ نِزالٍ خضعت فيه منهزمةً رؤوس أرباب الصناعة ومُلَّاك البيان، فيتعلم العربية ويتقنها ويقوي ملكته اللغوية والنقدية أملًا منه في الإتيان بمثل القرآن “ثمَّ ينظر إلى القرآن بعد ذلك، وأنا له زعيم بأنَّ كلَّ خطوةٍ يخطوها في هذا السبيل ستزيده معرفةً بقدره، وهضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكلَّيته أمام أسلوب القرآن … وهذا قد يبدوا لك عجيبًا، أنْ يزداد شعورُ المرء بعجزه عن الصنعة بقدر ما تتكامل فيها قوّته، ويتسع به علمه. ولكن لا عجبَ، فتلك سنةُ الله في آياته التي يصنعها بيديه: لا يزيدك العلم بها والوقوف على أسرارها إلا إذعانًا لعظمتها وثقةً بالعجز عنها … “

  • الصورةُ الثامنةُ: وجودُ التُّراثِ العربيِّ الجاهليِّ بين أيدينا

مركزيةُ اللغة في حياة العربي غنيةٌ عن التدليل، وقد برع العرب وأجادوا في اللغة والكلام أيَّما إجادة، وكانوا يتنافسون أيهم يقول كلامًا أنْفَسَ من الآخر، وكانت تُقام من أجل ذلك الأسواقُ، ويُعيَّن فيها الحكّامُ؛ ليفصلوا بين الناس أيهم يكون كلامُه أثقلَ على ميزان الفضيلة البيانية والذوق العربي السليم، وكانوا حينما يتشاتمون يلقي بعضهم بعضًا بالضعف البياني والعجز اللغوي، ولأجل براعتهم وامتلاكهم لناصية البيان فقد تحدَّاهم الله فيما يحسنون، ومع كونهم أرباب الفصاحة والبلاغة إلا أنَّهم وقفوا عاجزين أمام الأسلوب القرآني البديع فما استطاعوا أن يحاكوه أو يضاهوه، وأدركوا أن قائله ليسَ ببشرٍ، فالذي ينظر إلى هذه القضية يتشوَّق للاطلاع والنظر إلى كلامهم ثم مقارنته بالقرآن ليستشعر صعوبة الموقف بالنسبة لهم، وإنَّ الشعرَ الجاهليَّ لهو أنْفَسُ ما أنتجه لسانُ البادية، وأجودُ ما تلفَّظ به العرب الأقحاح، فهو بمثابة السقف العلويِّ والنهائيِّ الذي تستطيع أن تصلَ إليه ألسنةُ البشر، وكيف لا وهم أربابُ الصناعة وفرسان الميدان، ولا يلبث أنْ يندهشَ الناظرُ من نتيجة هذه المقارنةٍ بين القرآنِ ومثلِ هذه الأشعار والقصائد، فإنَّ سقفَ البلاغة البشرية متدنٍ غاية الدنوّ وبعيدٌ كلَّ البعدِ عن سماء البلاغة القرآنية، فوجودُ التراث الجاهلي بين أيدينا يمثِّل دليلًا مادّيًا على قصور كلمة العرب واستيلاء النقص على جُملة البشر.

خاتمة … بعد أنْ عدَّدنا صورَ الحفظِ التي حظيَ بها كلامُ رب العالمين، وكيف أنَّه قد اعتُني به اعتناءً خاصًا، حفظًا في السطور، ونقلًا من الصدور إلى الصدور، بطريقةٍ مثيرةٍ للإعجاب لم يُسبق إليها، وأنَّه لا يُوجد أيُّ اختلافٍ في أيِّ نسخةٍ من نسخِ المصحفِ الواحد، نرجع ونسأل هنا سؤالًا مركزيًا: هل كان من الممكن لكلامٍ آخرَ ( غير القرآن ) قيل في ذلك الزمان – الذي كانت الكتابة فيه قليلة وغير منتشرة – أن يصلَ إلينا ويقطعَ هذا المضمارَ الطويلَ ويصمدَ طيلةَ أربعةِ عشر قرنًا أمام عوامل الزمان فلا يتغير منه حرفٌ البتة، لا يُزاد فيه ولا يُنقص، ولا تختلف النسخةُ الواحدةُ عن الأخرى في كلمة واحدة؟! كلاَّ وألفُ كلاَّ {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. هذا والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه والتابعين.


المصادر والمراجع
[١] القرآن الكريم
[٢] تفسير القرآن العظيم – الحافظ ابن كثير – ط دار طيبة
[٣] التحرير والتنوير – الطاهر ابن عاشور – ط الدار التونسية
[٤] مسند أحمد
[٥]صحيح البخاري
[٦] دلالة الألفاظ- إبراهيم أنيس – ط مكتبة الأنجلو المصرية
[٧]الإتقان في علوم القرآن – جلال الدين السيوطي – ط المكتبة التوفيقية
[٨] النشر في القراءات العشر – ابن الجزري – ط مكتبة الصفا
[٩] مدخل إلى القرآن الكريم – محمد عبد الله دراز
[١٠] تاريخ القرآن – عبد الصبور شاهين – ط نهضة مصر
[١١] النبأ العظيم – محمد عبد الله دراز – ط دار طيبة

الكاتب: ياسر محسن مطلوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى