تعزيز اليقين

المكانة الأكاديمية لعلم الحديث

التمهيد والإعداد

  • تمهيد:

كنت دائمًا أسأل من يقول لي أنّ أسلوب المحدثين في تحقيق الحديث أسلوب عشوائي (غير علمي)، كنت دائمًا أسأله وما هو الأسلوب العلمي الّذي ترضاه؟، فتكون الإجابة هي العدم، ما هي الوسيلة العلمية التي نعلم بها هل قال النبي -ﷺ- ذلك فعلًا أم لا؟، ماذا كان على المحدثين أن يفعلوه ولم يفعلوه؟، ولو فعلوه لقلت أنهم قد استخدموا أسلوبًا علميًّا؟ الإجابة هواء، أما المآل فهو أن يكون الأسلوب العلمي الدقيق جدًّا لتحقيق الحديث أن يقرأ كل منا قدر ما يقرأ من الأحاديث، فما وافق رؤيته فهو حديث صحيح، وما لم يوافق رؤيته فهو ضعيف مكذوب، صدقًا هذا ما كان ولا يزال يقال في النقاشات، ليصبح عندنا -عمليًّا- عدد من الأديان يساوي عدد المسلمين في العالم، لأن أفهام البشر كبصمات أصابعهم؛ إذا اتفق اثنان في ٩٩% من الفهم والرأي فلن يتفقا في الـ ١% الباقية، وعندما يكون محل الاتفاق والاختلاف هو ثبوت قول الرسول -ﷺ- أو عدمه؛ فكل ما سينبني عليه من أحكام وحلّ وحرمة بل وما يترتب عليه من عقيدة سيختلف بالضرورة.

إذن ماذا أفعل إذا أردت أن أقيّم مقولة: أن الأسلوب المتبع في علم الحديث غير علمي، بدون تعصب جاف له أطلق به صيحات الدفاع والغضب وفقط، وبدون أهواء تقود إلى العدمية، وهل يظن صاحبنا المهاجم أن إحالة مهمة تصحيح وتضعيف الحديث إلى الهوى في أصلها تضير أو تضايق أي إنسان؟ هل هناك ما يريح الإنسان أكثر من هذا؟، لكننا لا نبحث عن الراحة ولكننا نبحث عن النجاة، والنجاة تتطلب الوصول للحق والصواب، فقد أخذت الأمم من قبلنا من شرعها ما شاءت وتركت ما شاءت بتقديرها ودون سند شرعي، فكانت النتيجة خراب الدنيا والآخرة: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} سورة البقرة [٨٥].

إنَّ مهمة معرفة مدى ثبوت شيء قيل أو حدث في الماضي؛ مهمّة شاقّة في شتى المجالات، وهو عمل بذل من أجله المؤرخون جهودًا كبيرة، ووضعوا لأجله مناهج علمية للبحث والتحقيق من أجل الوصول لأقرب صورة حقيقية ممكنة للتاريخ الذي لم نعشه، وقد لفت نظري قول الأستاذ المؤرخ أسد رستم في كتابه “مصطلح التاريخ” -الذي سنحل ضيوفًا عليه بعد سطور- إذ قال: (علينا أن نثبت الأخبار كما رواها شاهدها لا كما كان عليه أن يرويها).

وكان هنا يتكلم عن ضبط النص والاهتمام به حتى لا تبعدنا تدخلات المؤرخين في الصياغة على مدى السنين عن أصل الوقائع المدروسة، وأقول: إن تشريعات أي دين والأحداث الخاصَّة بنشأته هي أحوج من أي حدث تاريخي آخر بوجود آلية محايدة من أجل إثبات صحة وجود النص أو وقوع الحدث أو عدمه، لماذا؟

لأن التشريعات الدينية بالذات -سواء كانت خاصة بالإسلام أو بأديان كان لها أصل سماوي كالمسيحية واليهودية أو حتى الأديان الوثنية- تخاطب الإنسان عادة بما يخالف هواه، تختبر إيمانه بطلب بذل المال والجهد والتضحية بالنفس وتقديم القرابين، وهي كلها أشياء تخالف ما يحبُّه الإنسان، فالإنسان بفطرته يحب الحياة والراحة والاستزادة من المال، كما أنّها تمنعه من أشياء يحبها مطلقًا “المحرمات”، أو تقيدها في مواطنَ أخرى؛ (كمبطلات الصيام والصلاة والإحرام)، كما تطالبه بالإيمان واليقين الجازم بأمور غيبية لم يرها بعينه ولا يستوعبها بحواسه؛ (كالجنة والنار والملائكة والجن واليوم الآخر)، كما أن معجزات الأنبياء وآياتهم التي تظهر في أقوامهم أمور خارقة للطبيعة عصيّة على العقل، فلا يملك المتدين الذي لم يشهدها أن يقبلها أو يرفضها بعقله، بل يتوقف إيمانه بها على ثبوتها فقط، وهذا هو منهج الصدّيق -رضي الله عنه-: (إن كان قال؛ فقد صدق)، فالكفار قيّموا الحدث بمدى معقولية حدوثه لأنهم لا يؤمنون بنبوة النبي -ﷺ-، ولكن أبا بكر الصديق لأنه يؤمن بنبوة النبي -ﷺ- وبقدرة رب العالمين على أن يجري الأمور الخارقة على يديه؛ كان إيمانه بالحدث مرتبطًا بمدى ثبوته (هل قال أم لا)، لا مدى معقوليته.

وبالتالي فتقديم عشوائية موافقة الهوى والرؤية كمنهج بديل لمنهج المحدثين مرفوض عقلًا كما ذكرنا، لأن مآله ملايين ومليارات الأديان والشرائع لاستحالة تطابق فهم ورؤية وقبول شخصين اثنين، فضلًا عن ملايين ومليارات المؤمنين على مدى الزمان، ولأن طبيعة الأديان أصلًا تصطدم مع أهواء الإنسان وتلزمه بخلافها اختبارًا وامتحانًا، فكيف تكون نفس الأهواء هي مقياس الثبوت والرد؟!.

وبعد قراءة قدر من المعلومات عن علم الحديث ومنهج المحدثين؛ والذي لخّصته في الجزء الأول من هذا المقال، كانت الرحلة في هذا الصدد بالقراءة عن منهج المؤرِّخين على اختلاف مشاربهم في تحقيق الوقائع والأحداث التاريخية ودراسة ثبوتها من عدمه، مناهج علمية دقيقة متفق عليها في الغرب والشرق لم تصغ في هذه الخطوات الدقيقة المرتبة إلا منذ عقود، ثم مقارنتها بعلم الحديث الذي نشأ تدريجيًّا بعد وفاة النبي -ﷺ-، ليتحول في قرنين أو ثلاثة إلى صرح كامل من الأصول والقواعد والعلوم الخادمة له.

أقارن لأتبين هل هذا العلم ومكوناته وخطواته تمثل منهجًا علميًّا أكاديميًّا فعلًا أم محض عشوائية كما يتم وصفها؟²، وأبدأ بمقارنة يجريها المسلم العامي غير المتخصص بنفسه، ثم أشير إلى مقارنات أجراها متخصصون.

وللقراءة عن منهج المؤرخين عمدت إلى كتابي (مصطلح التاريخ)، للمؤرخ اللبناني النصراني “أسد جبرائيل رستم” (١٨٩٧م -١٩٦٥ م)، والذي شمل جزئيًّا مقارنة فعلية بين منهج المحدثين والمنهج الغربي في كتابة وتدوين التاريخ، وأيضًا كتاب (مناهج البحث العلمي) للدكتور الفيلسوف “عبد الرحمن بدوي” (١٩١٧م – ٢٠٠٢ م).

  • عن علم التاريخ:

في مقدمة كتابه (مصطلح التاريخ) يقول الدكتور أسد رستم: (والواقع أن المثودولوجية الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي؛ ليست غريبة عن علم مصطلح الحديث، بل تمت إليه بصلة قوية، فالتاريخ دراية أولًا ثم رواية، كما أن الحديث دراية ورواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث تتفق في جوهرها وبعض الأنظمة التي أقرها علماء أوروبا فيما بعد في بناء علم المثولودوجية، ولو أن مؤرخي أوروبا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين؛ لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجية حتى أواخر القرن الماضي).

وبإمكاننا أن نصارح زملاءنا في الغرب؛ فنؤكد لهم بأن ما يفاخرون به من هذا القبيل نشأ وترعرع في بلادنا، ونحن أحق الناس بتعليمه والعمل بأسسه وقواعده، وها أنا الآن أضع بين يدي القارئ رسالتي في مصطلح التاريخ متوخيًا خدمة لغتي وبلادي، ومحاولًا أن أفتح بابًا جديدًا لطلاب التاريخ العربي، ينفذون منه إلى مجاهله ويتوصلون به إلى فهم الروح العلمية الحديثة التي تتجلى في مؤلفات علماء الغرب اليوم، فكأي من قضية في تاريخنا لا يزال مؤرخونا يخبطون في حلها خبط عشواء، وكأي من ناحية في حياة القدماء في العصور السالفة يجهلونها تمام الجهل، وحسبنا أن نذكر أن أكثر مؤرخينا اليوم يزعمون أن كتابة التاريخ لا تتعدى نقل الرواية والإلمام بقواعد اللغة، ففي عرفهم أنك إذا أجدت الإنشاء وفهمت بعض النص فقد هيئت لك العدة لكتابة التاريخ، ولقد فات هؤلاء أن التاريخ هو علم أيضًا يعوزه ما يعوز سائر العلوم؛ من طب وهندسة وفقه وغيرها، وأنه لا بدّ لصاحبه من أن ينشأ نشأة علمية خالصة يتربى فيها على الشروط الفنية التي يقتضيها كل علم، مما أوردنا في تضاعيف هذا الكتاب، ولعلي أول من حاول أن يربط ما توصل إليه علماؤنا في الحديث بما وضعه علماء الغرب اليوم في هذا الحقل من العمل.

والمقصود بالمثولودجية “Methodology”هو علم المنهج، وهو العلم الذي يدرس المناهج البحثية المستخدمة في كل فرع من فروع العلوم المختلفة.

وعن مهمة المؤرخ يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه: (مناهج البحث العلمي)، فصل: (المنهج الاستردادي)، والمختص بمسألة التأريخ، يقول: (يجب أن نلاحظ أولًا أنّ مهمة المؤرخ كأشق ما تكون المهمة، وذلك لأن الوثائق التي لديه ليست كالمواد الطبيعية التي يجرب فيها الفيزيائي والكيميائي، لأن هذه الوثائق ليست هي الأحداث الواقعة، وإنما هي تقريرات وأوصاف وروايات مفصلة بها، وما مثل المؤرخ في هذه الحالة إلا كمثل الكيميائي الذي لا يعاين التجارب ولكن يكتفي بدراسة التقريرات التي يقدمها له المعمل، بل الأمر أعسر بكثير، لأن في وسع الكيميائي أن يعاين بنفسه هذه الظواهر الكيميائية بإعادة التجارب من جديد والتحقق من صحة تقريرات المحضر، أما المؤرخ فليست له حتى هذه الوسيلة، فما كان قد كان ولا سبيل إلى إعادته، لذلك كانت مهمته محفوفة بكثير من المصاعب، مما سيتبين من دراستنا لكل جزء من جزأي النقد التاريخي).

  • مراحل تحقيق التاريخ:

أولًا: التجميع (التقميش):

وهي المرحلة التي بدأ بها المؤلفان شرحهما لعناصر منهج المؤرخين (المنهج الاستردادي).

(إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها، هذه قاعدة عامّة لا موضع للجدال فيها، وذلك أنّ التاريخ لا يقوم إلا على الآثار التي خلفتها عقول السلف أو أيديهم، فإذا سطت محن الدهر أو عوادي الزمن على بعض هذه الآثار، وأزالت معالمها؛ فقدها التاريخ وكانت كأنها لم توجد، وبفقدها يجهل تاريخ عصرها ورجالها،أمّا إذا بقيت وحفظت فقد حفظ التاريخ فيها، لهذا يرى المؤرخون لزامًا في أعناقهم قبل كل شيء؛ أن يتفرغوا للبحث والتفتيش عن شتى الآثار التي تخلفت عن السلف، والتي اصطلحنا أن نسميها أصولًا) [مصطلح التاريخ].

(والآن وقد ثبت لدينا وجوب التقميش، ننتقل إلى النظر في كميته فنتساءل: أيجب أن نجمع كل الأصول أم أن نكتفي ببعضها؟، وبطبيعة الحال يصبح هذا البعض ما يسهل علينا الوصول إليه -ما قد نجده مثلًا في هذه البلدة التي نقيم فيها أو في أقرب المكاتب إلينا- نتساءل فنجيب: إذا كانت غاية المؤرخ الوصول إلى الحقيقة فالحقيقة هي كل الحقيقة لا بعضها، وهي وحدة تامة لا تتجزأ). [مصطلح التاريخ]

(فالتأريخ لا يمكن أن يتم حقًّا كما يقول Seignobos and Langloi”” في كتابهما الممتاز: (المدخل إلى الدراسات التاريخية)، نقول لا يمكن أن يقوم التاريخ إلا على أساس من الوثائق، وهذه الوثائق تنقسم إلى آثار أو مخلفات خطية أو روايات أو نقوش.. إلخ، ولهذا يجب أن تكون الخطوة الأولى في المنهج التاريخي هي خطوة البحث عن الوثائق). [مناهج البحث العلمي]

(ولا ضير على الإنسان أن يبدأ أولًا بجمع الوثائق من أي مصدر كان، وأن يضم بعضها إلى بعض دون ترتيب أو تمييز أو اختيار أو تصنيف؛ لأن المهمة الأولى في الواقع هي جمع الوثائق من مظانها في كل مكان، حتى إذا ما انتهت هذه الخطوة الأولى؛ أمكن بعد للمؤرخين أن يعنوا بهذه الوثائق ويتوفروا على دراستها؛ ليستطيعوا عن هذا الطريق أن يصلوا إلى الأحداث التاريخية التي ليست هذه الوثائق غير آثار متخلفة عنها). [مناهج البحث العلمي]

أما عند المحدثين؛ فإن تلك القاعدة الحديثة قد عرفت منذ بداية الطريق، قال المحدث “أبو حاتم الرازي” (ت ٢٧٧ هـ): (إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش)، أي وأنت في مرحلة التجميع اكتب كل شيء يصلك دون تفتيش وتحقيق، فإذا اجتمع لديك أكبر كم من المصادر والروايات ففتشها وحققها وانتخب منها قبل التحديث، وقال الإمام “عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين ابن الصلاح” في كتابه: (معرفة أنواع علوم الحديث) والمشهور باسم: (مقدمة ابن الصلاح)، قال: (وَلْيَكْتُبْ، وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عَلَى التَّمَامِ، وَلَا يَنْتَخِبُ. فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالَمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ”. وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: “لَا يُنْتَخَبُ عَلَى عَالَمٍ إِلَّا بِذَنْبٍ”، وَرُوِّينَا -أَوْ بَلَغَنَا- عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: “سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ النَّدَامَةُ)، لذلك فقد كان أئمة الحديث يجمعون ويحفظون الصحيح والضعيف من الأسانيد، وهذا أدى إلى ثراء الأصول التي يتم الانتخاب منها، وبالتالي جاء المنتخب في صورة مثلت تميزًا للأمة الإسلامية عن غيرها، وهنا يجدر الإشارة لأمور:

  • يخلط البعض ويتخبط بسبب الجهل بالمسميات الحديثية، فيسخر ويتعجب من ذكر العلماء لعشرات ومئات الآلاف من الأحاديث، كقول الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: (أَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ) [مقدمة ابن الصلاح]، وقول الإمام مسلم (صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة) [تدريب الراوي للسيوطي]، ويقول: أين كل هذه الأحاديث إذن!، والحقيقة أن كل إسناد موصل إلى متن يسمى حديثًا، حتى لو كان عشرات الأسانيد توصل لمتن واحد نقله نفس الصحابي، لذلك وظهر هذا في المثال الذي ذكرته في الفصل الأول عند الحديث عن شرط انتفاء العلة أن المتن الواحد قد يكون ضعيفًا من جهة إسناد، صحيحًا من جهة إسناد آخر أو أسانيد أخرى، فعشرات ومئات الآلاف من الأحاديث التي تسمع عنها في سير العلماء وحفظهم وكتابتهم ليس معناها عشرات ومئات الآلاف من المتون، والأسانيد التي انتخب منها البخاري وغيره مصنفاتهم منها الصحيح والضعيف، وعلى حسب شرط الكتاب ودقة المحدث يكون الانتخاب.
  • كثرة الأسانيد قطعا هي نقطة قوة وليست نقطة ضعف أو مدخل شبهة كما يحاول البعض أن يصورها، فبجانب توافق ذلك مع منهج المؤرخين وتوافقه مع المنطق قبل ذلك، فإن كثرة الأسانيد والطرق هي التي ساهمت في تصنيف الرواة جرحًا وتعديلًا في ضبطهم وعدالتهم عن طريق المقارنة والتَّدقيق، فالمحدثون قديمًا كانوا عند التحقيق لا يفتحون كتابًا مختصرًا على الإنترنت، أو الموسوعة الشاملة مكتوب فيه كل أسماء الرواة وبجوار كل اسم شيوخه وتلاميذه وتعديله أو جرحه، ولكن كانوا يصلون لذلك التصنيف بمقارنة المرويات الكثيرة جدًّا التي يحفظونها ويدونونها، وهذه ثمرة الجمع والتقميش، بل إن اهتمام المحدثين بحفظ الأحاديث الضعيفة وعدم محوها من التاريخ مهم جدًّا في تعرف الأجيال المتعاقبة على الرواة الضعفاء الموجودين في تلك الأسانيد، كما أنه لا يغلق باب التحقيق في وجه من يأتي لاحقًا بناء على رؤية واجتهاد المحدث وحده، بل ولا يغلق باب التحقيق في وجه معاصريه، فهو لم تصله كل الأسانيد بالضرورة، فالحفاظ على تلك الأسانيد مهم، إذ ربما إن تم ضمها لأسانيد أخرى لم تصله أدى ذلك لاستنتاج مختلف، وهذه أمانة عظيمة بلا شكّ، واحترام للأجيال اللاحقة.

يتبع بإذن الله…

https://almohaweron.com/the-status-of-alhadeeth-science2/

الكاتب: معتز عبد الرَّحمٰن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى