القضيّةُ المنهجيّةُ الأولى(النظرة الكلية للإنسان والكون والوجود)

إنَّ هذا الدينَ العظيمَ لا تُفهمُ محاسنهُ، ولا يُتوصّلُ إلى جماليّاته؛ إلّا بإدراكِ نظرتِه الكليّةِ للكونِ وللوجودِ، وللدنيا والآخرة، وللإنسانِ وما وراءَ وُجودهِ على هذهِ الأرض.

وإذا تأملتَ كثيرًا مما يُثارُ من الاستشكالاتِ والاعتراضاتِ ضدَّ أحكامِ الشريعة؛ فستجدُ أنها منبعثةٌ من تجزئةِ النظرِ إلى الإنسانِ أو إلى الحياةِ والوجود، وناشئةٌ من عدمِ فَهمِ التكامُلِ الــمُراعى في تشريعاتِ الإسلام، والذي يتجَاوزُ إطارَ المادةِ الضيق .

إن اللهَ حين شرَّع للناسِ خمسَ صلواتٍ في اليومِ والليلة، وأمرهم بأداءِ الصدقةِ للفقراء، وفرضَ عليهم الإمساكَ عن الطعامِ في رمضان، وكتبَ عليهم الحجَّ إلى مكة، لم يشرع هذه الأعمالَ لتكونَ حِزمةً من الواجباتِ يؤديها الإنسانُ دون إدراكٍ لما تحققهُ من مقاصدَ وغايات، وحِكَمٍ عظيمةٍ مرتبطةٍ بعلاقةِ الإنسانِ بربّهِ سبحانه، ألم يقل الله سبحانه: {وأقم الصلاة لذكري}[1] أي: لتذكُرني فيها؟[2]، فالمسلمونَ يقيمونَ الصلاةَ ليتذكّروا الله جلَّ وعلا[3]، وهكذا قالَ النبي ﷺ في الحج: (إنما جُعل الطوافُ بالكعبة، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامةِ ذِكْر الله)[4].

وتأمّلوا معي هذا الكلامَ الكاشفَ عن عُمقِ هذه القضيةِ المنهجية[5]:

“إنّ الإسلامَ وهو يتولى تنظيمَ الحياةِ الإنسانيةِ جميعًا، لم يُعالج نواحيها المختلفةَ جُزافًا، ولم يتناولها أجزاءً وتفاريق؛ ذلك أنّ له تصوّرًا كليًّا متكاملًا عن الألوهيةِ والكونِ والحياةِ والإنسان، يَردُّ إليه كافةَ الفروعِ والتفصيلات، ويَربط إليه نظريّاتهِ جميعًا، وتشريعاتهِ وحدودهِ وعباداتهِ ومعاملاته، فيَصدر فيها كلها عن هذا التصورِ الشاملِ المتكامل، ولا يرتجلُ الرأي لكلِ حالة، ولا يعالجُ كلَ مشكلةٍ وحدها في عزلةٍ عن سائرِ المشكلات.

ومعرفةُ هذا التصورِ الكليّ عن الإسلامِ تيسِرُ للباحثِ فيه فَهم أصولِه وقواعدِه، وتسهلُ عليهِ أن يرُدَّ الجزئياتِ إلى الكليات، وأن يتتبّعَ في لذّةٍ وعُمقٍ خطوطهُ واتجاهاتهِ، ويَلحظَ أنها متشابكةٌ متكاملة، وأنها كلٌّ لا يتجزّأ، وأنها لا تعملُ عملًا مثمرًا للحياةِ إلا وهي متكاملةُ الأجزاءِ والاتجاهات … وطريقُ الباحثِ في الإسلامِ أن يتبينَ أولًا تصورهُ الشاملَ عن الألوهيةِ والكونِ والحياةِ والإنسانِ قبلَ أن يبحثَ عن رأيهِ في الحُكمِ، أو رأيِه في المالِ، أو رأيِه في علاقاتِ الأممِ والأفراد؛ فإنما هذه فروعٌ تصدرُ عن ذلك التصورِ الكليِّ ولا تُفهمُ بدونهِ فهمًا صحيحًا عميقًا”.

ثم نبّهَ إلى المصدرِ الصحيحِ لاستقاءِ هذه النظرةِ الشموليةِ فقال:

“والتصورُ الإسلاميُّ الصحيحُ لا يُلتمسُ عندَ ابنِ رشد، أو عندَ ابنِ سينا أو الفارابي وأمثالِهم ممّن يُطلقُ عليهم وصفُ (فلاسفةِ الإسلام)، ففلسفةُ هؤلاء إنما هي ظِلالٌ للفلسفةِ الإغريقية، غريبةٌ في روحها عن روحِ الإسلام، وللإسلامِ تصوّرهُ الأصيلُ الكامل، يُلتمسُ في أصولِه الصحيحةِ القرآنُ والحديثُ، وفي سيرةِ رسولِه ﷺ وسُننِه العمليّة، وهذه الأصولُ هي حَسْب أيّ باحثٍ متعمّقٍ ليُدركَ تصورَ الإسلامِ الكليّ الذي يَصدرُ عنه في كلِ تعاليمهِ وتشريعاتهِ ومعاملاته” انتهى.

وهذهِ هي القضيةُ المنهجيةُ الأساسيةُ لإدراكِ محاسنِ الإسلام، وبدونها فلا يمكنُ أن تُفهَم محاسنُ تشريعاتِ الإسلام.


[1] سورة طه: ١٤.

[2] تفسير الطبري (١٦/٣٣).

[3] الطريق إلى القرآن، لإبراهيم السكران. (٩١).

[4] أخرجه أبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢) وقال: حسنٌ صحيح.

[5] من كتاب: العدالة الاجتماعيّة في الإسلام، لسيّد قطب (20).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى