الإجماع


         في السابق كان بحث موضوع الإجماع وما يتعلق به من تفصيلات وأحكام مرتبطاً بعلماء الشريعة وخاصة علماء أصول الفقه، وفي الوقت الراهن لم يعد الحديث عن هذا الموضوع مقتصرًا على المتخصصين في العلم الشرعي، وإنما صار يطرحه العالم والجاهل، حتى بات محل إشكال عند شريحة من الشباب المسلمين المهتمين بالفكر والثقافة، وصار من غير المستغرب أن تجد شابا أو شابة -لم يدرسا شيئاً من علوم الشريعة- يستدلان بعبارة الإمام أحمد: “من ادّعى الإجماع فهو كاذب” وينزّلانها على غير الوجه الذي قيلت فيه.

لن أتناول هنا مسائل الإجماع وتفصيلاته الدقيقة في أبواب أصول الفقه، وإنما أحاول تقديم رؤية نقدية للتعامل المعاصر مع قضية الإجماع بشكل غير منهجي.

دعونا نبدأ أولاً بذكر شيء من واقع التصورات المعاصرة الخاطئة في باب الإجماع:

▪️(١)- فمن ذلك: تجويز خطأ جميع الأمة على مرّ قرونها، وربط ذلك بعدم حجية الإجماع!

▪️(٢)- ومنه أيضاً: عدم التفريق بين الإجماع القطعي والإجماع الظنّي.

▪️(٣)- ومن ذلك: الخلط بين التقليد المذموم وبين قبول إجماع المسلمين واتباعه.

▪️(٤)- ومنه أيضاً: تسويغ الخروج عن الأسس المنهجية العلمية العامة المـُتفق عليها بين العلماء في الجُملة؛ كاشتراط موافقة اللغة العربية لصحة تفسير آيات القران،  وكاعتماد السنة مصدراً تشريعيّاً.

فمثل هذه التصورات بعيدة كل البعد عن مسألة: هل الإجماع حجة أم ليس بحجة. وإنما هي خلطٌ ومغالطات مبنية على سوء تصور لموضوع الإجماع وأدلته.
فأما تجويز خطأ جميع الأمة على مرّ قرونها وربط ذلك بأن الإجماع ليس بحجّة! فإنّ مُدّعي هذه الدعوى يعارض الآيات والأحاديث التي جاء فيها بيان خيرية هذه الأمة وعدالتها، كقول الله سبحانه:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المـُنْكَرِ}[آل عمران:١١٠] فإذا كانت الأمة على مرّ قرونها يجوز عليها أن تجتمع على ضلالة فإنه ينبني على ذلك جواز أمرها بالمنكر ونهيها عن المعروف؛ وهذا يعارض الآية.
كما أن الله جَلّ شأنه قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَــــٰكُمْ أُمَّةً وَسطًا}[البقرة:١٤٣] ومعنى وسطًا أي خيارًا عدولًا {لَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} فهذه تزكية لمجموع الأمة.
وقال معاوية بن حيدة القُشيري: سمعت نبي الله ﷺ  يقول: «إنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه الإمام أحمد -واللفظ له- والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح.

فهل يُعقل أن تجتمع هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على باطل وضلالة؟!
إنّ هذا يتعارض -تماماً- مع هذا التفضيل والتعديل الإلهي لهذه الأمّة.
ومن الأحاديث التي يَحْسُن ذِكْرُها في موضوع الإجماع: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»، وهذا الحديث يدل على أن الأمّة لا تُعدَم في وقت من الأوقات مَن يقول بالحق؛ قال النووي في شرحه لهذا الحديث: “وفيه دليلٌ لكون الإجْماع حُجّة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»فضعيف) اهـ.
قد يُسلّم بعض هؤلاء المـُستشكلين بأنّ الأمَّة لا تجتمع على ضلالة، ولكنهم يقولون: إنه لا يُمكن أن يقع إجماع أصلاً؛ لأنّ العلماء متفرقون في البلاد، لا يجمعهم ديوان يحصي أقوالهم؛ فلا حاجة لذِكر نصوص خيرية الأمة وأفضليتها.
وفي الحقيقة فإن هذا الكلام غير دقيق؛ لأنهم لا يُفرقون بين إجماع قطعي وإجماع ظني، ولا بين إجماع توارد أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم على نقله وإقراره, وبين إجماع يتفرد بنقله عالم واحد من مذهب واحد. وبعد هذا كلّه يأتون بعبارة الإمام أحمد -الذي لا يعرفونه إلا في باب الإجماع بل ربما يصفونه ويعيرونه بالتشدد في غير هذا الباب- والتي قال فيها: “من ادّعى الإجماع فهو كاذب”، وفي الحقيقة فإنّ أخْذَ عبارة الإمام أحمد هذه وترك عباراته الأخرى في نفس الموضوع = انتقائية غير موضوعيّة، أو جهل مبني على قلة اطلاع أو انعدام رغبة في البحث عمّا يخالف ذلك عن الإمام نفسه.
فقِف معي -أيها القارئ الكريم- على هذه النصوص الأخرى عن نفس هذا الإمام رحمه الله لتعرف مدى الانتقائية التي يقوم بها بعض هؤلاء المـُشككين، أو الجهل الذي يعيش فيه أكثرهم:

قال القاضي أبو يعلى الحنبلي:

الإجماع حجة مقطوع عليها يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ. وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج من أقاويلهم؟ أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا” اهـ.

وقال أيضاً:

وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإجماع، عمر وعلي وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس” اهـ.

وقال الإمام أبو داود في مسائله:

سمعت أحمد قيل له: إن فلاناً قال: قراءة فاتحة الكتاب -يعني: خلف الإمام- مخصوص من قوله: {وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له}[الأعراف:٢٠٤] فقال: عمن يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في الصلاة” اهـ.

فهذا نصّ واضح ثابت عن الإمام أحمد يدّعي فيه الإجماع على أمر شرعي، فهل نطبق عليه عبارته: “من ادّعى الإجماع فهو كاذب” أم نحاول فهمها على الوجه الذي يستقيم مع تطبيقاته هو؟!

ولماذا يتم الاعتماد على عبارة واحدة دون العبارات الأخرى؟

إذا كانت القضية انتقائية؛ فقد يقول قائل إنه يريد أن ينتقي العبارة التي فيها إثبات الإجماع ويُلغي العبارة التي فيها أن دعوى الإجماع كذب!
ولا شك أن المنهج المــَرْضيّ عند أهل العلم والذي سلكوه في التعامل مع عبارة أحمد هو توجيهها وفهمها في ضوء تطبيقاته وأقواله الأخرى, لا الاتكاء عليها لإبطال الإجماع!

ومن التوجيهات التي ذكرها أهل العلم في عبارته (من ادَّعى الإجماع فهو كاذب):
أنَّ الإمام أحمد قال ذلك إنكاراً على فقهاء المـُعتزلة.

قال المـَرداوي في التحبير:

وقال ابنُ رجب في آخر شرح الترمذي: وأمّا ما روي من قول الإمام أحْمد: “من ادعى الإجماع فقد كذب فهو إنما قاله إنكارا على فقهاء المعتزلة، الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين“)اهـ.

ومما يؤيد هذا الفهم: تمامُ عبارة أحمد نفسه، فإنه قال في رواية ابنه عبدالله:

(من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم) اهـ.

وبشر المريسي والأصمّ من رؤوس المـُبتدعة في وقت أحمد. ويزيد الأمر وضوحاً: قول ابن تيمية رحمه الله:

(إنّما فقهاء المتكلّمين كالمريسي والأصمّ يدَّعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين) اهـ.

وقريب من ذلك قول ابن القيّم:

(وليس مراده -أي: الإمام أحمد- بهذا استبعاد وجود الإجماع، ولكن أحمد وأئمة الحديث بُلُوا بمن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بإجماع الناس على خلافها، فبيَّن الشافعي وأحمد أن هذه الدعوى كذب، وأنه لا يجوز رد السنن بمثلها) اهـ.

ومن التوجيهات لعبارة أحمد كذلك: أنها محمولة على جهة الوَرَع في الدعوى، بمعنى أن دعوى الإجماع أمر صعب، فلعلَّ هناك خلافاً لم يبلغ مُدّعي الإجماع؛ فلذلك أرشد الإمام أحمد إلى استعمال عبارة: “لا أعلم فيه اختلافاً” ونحوها، لأنها أقرب إلى الواقع. وهذا لا ينفي أن يدّعي العالِم المـُطلع على أقاويل الناس الإجماعَ إن تيقن وقوعه، كما فعل أحمد نفسه ذلك!

قال القاضي أبو يعلى في (العدّة):

وظاهر هذا الكلام أنّ أحمد قد مَنَعَ صحة الإجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنّما قال هذا على طريق الورع ، لجواز أنْ يَكونَ هناك خلاف لم يبلغه ، أو قال هذا في حقّ مَن ليس له معرفة بخلاف السلف)اهـ.

وأعود بعد ذلك لأقول:

إنّ كثيراً من المـُستشكلين للإجماع لا يميزون بين مراتب الإجماع وتفاوتها قوة وضعفاً؛ فالإجماع الذي تجد العلماء متواردين على نقله: حنفيّهم ومالكيّهم وشافعيّهم وحنبليّهم وظاهريّهم، ولا يُعلَمُ بعد الاستقراء نَصٌّ عن أحد المـُجتهدين يُخالفه؛ فيبعد أن يُقال فيه: وما يُدريهم لعلّ الناس اختلفوا؟ وَمَن الناسُ -أي العلماء- إلا هم؟! فكيف إذا كان مُستند الإجماع نص نبوي صحيح ظاهر الدلالة على الأمر المـُجمَع عليه؟ كأحاديث الرجم مثلاً، فإنّها أحاديث صحيحة لا ريب في صحتها، ثم توارد العلماء على نقل الإجماع على ما جاء فيها من الحدّ، فمثل هذا الإجماع = قطعيٌّ مُستنده النص، وهو مُتحقق الوقوع، غير أنَّ هؤلاء المعاصرين يَستسهلون تناول المواضيع دون تحقيق، ودون تفريق بين المـُختلفات.

+1

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى