الدين، بفهم من؟

   


     لا يصحّ إسلام أحَدٍ حتى يؤمن بأن القرآن ليس من اختراع بشر، وإنما هو من عند الله، وأن كل ما فيه حق، وقد تم بيان أدلّة ذلك في هذا الكتاب، ولله الحمد.
وهذه قضية لا يُنازع فيها المنتسبون للإسلام، أن هناك ظاهرة فُتن بها بعضهم، حيث تخلّصوا بها من الحقيقة السابقة دون أن يتبرؤوا من القرآن، وهي ظاهرة القراءة المفتوحة للنص القرآني؛ فتجدهم يقولون: نحن نؤمن بالقرآن، ولكن لا نؤمن بفهمك أنت للقرآن، ولا بفهم العلماء السابقين ولا اللاحقين، ولا نُسلّم لفهم أحد من المسلمين، وإنما لكلّ واحدٍ منّا قراءته الخاصة للنصّ القرآني، يفهم منها ما شاء أن يفهم دون أن يُخطّئ طرفٌ من الأطراف الآخر، وعلى ذلك فلا يوجد فهمٌ مُـلزِم، أو -بالأصح-: لا يوجد إسلام مُحَّدد مُلزِم!!

أذكر أني ناقشتُ أحد هؤلاء، فقلتُ له: ما حكمُ الزنا في القرآن؟ فقال: التحريم، قلت: جيد، ما رأيك لو جاء شخص فقال: (أنا لا أفهم من النصوص القرآنية تحريم الزنا، وإنما الاغتصاب فقط،)؛ فما رأيك في قوله؟ فقال: لا أعتبره مُخطئاً!
أرأيتم كيف يتم التخلّص من الإسلام بخداع النفس؟!

ويقول أحدهم: “لا توجد في عالم البشريّة مفاضلة بين حكم إلهي وحكم بشري؛ لأن كل حكم يتولّاه الإنسان، حتى لو كان يرتكز على شريعة إلهيّةٍ سيصبح بالضرورة بشريّاً، تنعكس عليه أهواء البشر وتحيّزاتهم وأطماعهم وكل جوانب ضعفهم”اهـ.
ولذلك تراهم يقولون: لا يوجد شيء اسمه الحُكْمُ بالقرآن، ولم ينزلِ القرآنُ ليَحكُم!

وإذا كان الموضوع بهذا الفهم، فلماذا يأمرنا الله برد التنازع إلى القرآن في قوله : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[النساء:٥٩] ومن المعلوم أن الردّ إلى الله هو الرد إلى كتابه، والردّ إلى الرسول هو الرد إلى سنّته، كما أجمع على ذلك علماء المسلمين، نقل الإجماع على ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين. ونقل ابن حزم قبله الإجماع على أنّنا مخاطبون بهذه الآية وكل مسلم إلى يوم القيامة. ويستفاد من الآية أننا إذا احتكمنا إلى الكتاب والسنّة فسنجد فيهما فصلَ النزاع، بينما يستلزم قول هؤلاء أن رجوعنا إلى الكتاب والسنة سيزيدنا نزاعاً؛ لأن لكل إنسان فهمه، ولا يوجد أي قوانين وضوابط لفهم النصّ! ونقول لهؤلاء: هل يوجد أي حقيقة متفق على فهمها في القرآن؟
فإن قالوا: لا، نقول لهم: إذن؛ لماذا أُنزل القرآن؟ ألم ينزل ليكون حُجّة لله على عباده؟ ألا يعني هذا أن ترك الناس دون قرآن لا يضرهم شيئاً، لأنه لم يأتِ بأي حقيقة جديدة؟ فلِمَ يمتنّ الله علينا بهذا البيان والهدى والموعظة؟ لماذا وصفه الله بأنه كتاب يُخرج من الظلمات إلى النور: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[المائدة:١٥-١٦].
وإن قالوا: بلى، فيه حقائق، ولكنها لا تتجاوز أصابع اليدين، كالتوحيد والصلاة والزكاة وصوم رمضان وأداء الحج. نقول لهم: ما المعيار الذي جعلكم تعتبرون هذه الأمور حقائق واضحة المعاني متفقاً عليها؟
بالتأكيد لن يكون معياركم الإجماع المعروف عند العلماء، لأنهم أجمعوا على أحكام كثيرة في القرآن زيادةً على ما ذكرتم. كالحكم ببطلان كل دين سوى الإسلام، وكتحريم الربا والزنا والقول على الله بلا علم وغير ذلك، ولن يكون تدخّلكم في تحديد الفهم المتعلق بهذه الأحكام بأولى من إجماع العلماء على أحكامٍ قرآنية كثيرة؛ فهم أهل الاختصاص.

ثم، لو كان لكل شخص قراءته ولا نستطيع أن نخطّئ أحداً؛ فلماذا نجد هؤلاء الذين يدعون إلى القراءة المفتوحة للنص يخطئون بعض القراءات الأخرى ؟! حيث نجدهم يُقَيِّمون قراءات بعض الإسلاميين للقرآن بأنها قراءات غالية في فهم النص.
فعلى أي أساس حددوا المعنى المعتدل ليحكموا على غيره بالغلوّ؟ ألم يقولوا بأن القراءات مفتوحة؟ إذاً فليقرأ كل شخص قراءة فردية، وليفهم كل شخص ما يريد، فلا تنقدوا الناس، والتزموا مبادءكم.

الفهم الصحيح

إنّ الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فلا يجوز لنا أن نفسر القرآن بغير ما تقتضيه اللغة العربية الفصحى من معانٍ وسياقات. وأيضاً؛ فإن القرآن يُفسَّر ببعضه، فقد تجد آية مُجملة تُفسرها آية مُبيَّنة، وأخرى مُتشابهة تُفسرّها آية مُحكمة، ولذلك؛ اعتنى أهل العلم بتفسير القرآن بالقرآن.
ثم، إنَّ رسول الله ﷺ  قد بيّن في سنّته كثيراً من آيات القرآن؛ ولذلك فَإنّ من معايير الفهم الصحيح للقرآن أن يتمّ على ضوء سنة مُبلِّغِه ﷺ  فكثير من الأوامر المـُجملة في القرآن كالأمر بالصلاة والزكاة جاء تفصيلها على لسان النبيّ، ولا يمكن أداؤها إلا على ما بيّن رسول الله ﷺ .

ثم إنّ أصحاب رسول الله ﷺ  كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وعاصروا وقت النزيل، ولازموا رسول الله، وهذا يؤهلهم إلى أن يكونوا أفهم الناس للقرآن، وهذا لا يعني أنه لم يَعُد هناك حاجة لتفسير القرآن وفهمه بعد الصحابة؛ فهذا كلام باطل، وإنما المقصود أن نـَهْتَمَّ بأقوالهم و تقريراتهم في التفسير، ونجعل لها مكانتها وقيمتها، وألا نضرب بتفسيرهم عرض الحائط.

المـُحكم والمتشابه

 

بيّن الله سبحانه وتعالى أن من آيات القرآن ما هو مُحكَمٌ ومنها ما هو مُتشابه، فقال: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}[آل عمران:٧] قال إمام المفسّرين الطبري مفرقاً بين المـُحكم والمتشابه:

المـُحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل -أي التفسير- غير وجهٍ واحد، والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجهاً

وقال مُبيِّناً معنى ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي

أنهنّ أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، و ما كلفواْ من الفرائض والحدود، وسائر يحتاجون إليه في عاجلهم وآجلهم، وإنما سمّاهنّ أم الكتاب لأنّهنّ مُعظَم الكتاب وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه” اهـ.

قال الشيخ عبد الله العجيري في كتابه النافع (ينبوع الغواية الفكريّة):

كل مذهب له أفكاره المحورية المركزية التي تُمَثِّل مُحكمات المذهب وثوابته، والتي يُعَدُّ المـُنقلب عليها خارجاً ضرورة عن حدّ المذهب، فمن ينادي بإلغاء الحُرّيات لا يمكن أن يكون ليبراليّاً، ومن يدعو لإلغاء مرجعية الشعب في الحكم لا يمكن أن يصير ديمقراطياً، وهكذا يُقال في الإسلام: فيه منظومة تشريعية تفصيليّة مُحكَمة لا يصحّ الخروج عنها)اهـ.

وفي هذه القضية رد على من يقول لا يوجد أي فهم يمكن أن يحكم بصحته أو بخطئه، وردٌّ كذلك على من يقول لا يوجد حقائق متفق عليها أو ينبغي أن يكون متفقاً عليها في القرآن الكريم.

+1

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى