أولاً: إثبات وجود الله سبحانه


حين يسأل متحيّرٌ: “ما الدليلُ على وجودِ الله؟”

فمن المهمِ -قبلَ الإجابةِ عن سؤاله- التأكدُ من طبيعةِ الدليلِ الذي يريدهُ لإثباتِ وجودِ اللهِ سبحانهُ وتعالى؛ إذْ إنَّ كثيًرا من المتحيرينَ في وجودِ الخالق -فضلاً عن المنكرينَ الملحدين- يتركونَ الأدلةَ الواضحةَ السهلةَ القريبة، ويطلبونَ الطرقَ الوعرةَ الطويلةَ التي قد لا توصلُ إلى نتيجةٍ أصلاً، وقد يشترطونَ شروطاً -في الدليلِ الموصلِ إلى معرفةِ الله- راجعةً إلى أذواقهم واستحساناتهم الشخصية، وليس إلى معاييرَ منهجية وموازين موضوعية.

فهؤلاء مهما تذكرُ لهم من الأدلةِ والبراهينِ فإنها لا تنفعهم طالما أنها لا توافقُ الاستحسانات الشخصية التي وضعوها، وذلك كقولِ بني إسرائيل لموسى عليه السلام: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَة} _[البقرة:٥٥] فهم هنا حصروا دليلَ الإيمانِ في الرؤيةِ الحسية، وهو تعنّتٌ ورثهُ عنهم المتعنتونَ من غيرِ المؤمنينَ بالله ورسولهِ ﷺ في سائرِ الأزمانِ إلى زماننا هذا.

بينما لو تأملتَ في الحججِ والبراهينِ الموصلةِ إلى عمومِ الحقائقِ القطعيةِ في مختلفِ المجالات؛ لوجدتَ أنها لا تنحصرُ في الرؤيةِ الحسيةِ مطلقاً، فعلى سبيلِ المثال: إيماننا القطعيُ بوجودِ بعضِ الشخصياتِ التاريخية كأفلاطون وأرسطو وصلاح الدين الأيوبي ليس سبيله الرؤيةَ البصريةَ ولا الحس المباشر؛ بل عمدته الخبر  -وهو جزءٌ من مصادرِ المعرفة-.

إن إثباتَ وجودِ الله سبحانهُ وتعالى أمرٌ فطريٌ عقليٌ قريب، لا يجهد العقلَ في الوصولِ إليه؛ إذ إنّه قائمٌ على مبدأ يجدهُ الإنسانُ مركوزاً في عقله، بحيثُ لا يمكنهُ التخلي عنه البتة، وهو مبدأ:(الاستدلال بالأثر على المؤثِّر)  ؛ بل إن عامةَ الملحدين الذين يتنكرونَ لوجودِ الخالقِ سبحانهَ يُطبقونَ هذا المبدأ في سائرِ أمورِ حياتهم وإن أنكروهُ في بابِ الألوهية.

إن البحثَ فيما وراءَ الآثارِ والأفعالِ والأحداثِ عن المؤثّرين والفاعلين والــمُحْدِثين لا يُمكن أن يتخلى عنه البشر -مُطلقاً- إلا في حالةِ فقدانهم لعقولهم؛ إذ لا يمكن للبشرِ أن يتصوروا حدوثَ الأشياءِ بعد عدمها دونَ وجود أسباب لذلك تناسبُ طبيعةَ تلك الحوادث.

وإذا كان العقلُ البشري لا يقبلُ تصور حدوث (صورة إنسان متقنة) على ورقةٍ بيضاءَ دون وجود سبب يمتلك الخبرةَ التي أوجد بها الصورة على الورقة، فإن عدم قبولهِ لحدوثِ الإنسان -نفسه- دون وجود فاعل قادر عليم = أولى وأحرى.

وقُل مثل ذلك في سائرِ الأشياءِ الحادثةِ بعد العدم.

وكلما كان الأمرُ الحادثُ الناشئُ أكثر إتقاناً وتعقيداً، اشتدت الضرورةُ في النفسِ للبحثِ عمّا وراء ذلك الأمر الـمُحدَث المتقَن من السببِ الذي يناسبُ هذا الإتقانَ والتعقيد، فإن العقلَ لا يقنَع -عند النظرِ في الأمورِ الحادثة- بمجردِ وجود سببٍ وراءها؛ بل لا بد أن يكونَ  السببُ مناسباً للصفة التي نشأ عليها هذا الأمرُ الحادث، فإذا كانت عقولنا لا تقبلُ تصورَ قيام طفلٍ عمره ثمانية أشهر –مثلاً- بصناعةِ جهاز كمبيوتر، وذلك بسببِ التنظيمِ البالغِ التعقيدِ في جهاز الكمبيوتر، والذي يتطلبُ معرفةً وخبرةً وعقلاً ناضجاً؛ فإننا –كذلك- لا يمكنُ أن نقبلَ بأن يكونَ من أنشأ هذا الكون البالغ في التعقيدِ والخاضعُ لأدق القوانين جاهلاً أو عاجزاً ، فضلاً عن أن يكون الكون ناشئاً بلا سببٍ ولا فاعلٍ أصلاً.

ومع أن هذه القضيةَ في غايةِ الوضوحِ والسلاسة، فإن كثيراً من الناسِ يُعرضون عن هذا الوضوح والقُرب، فيُعقّدون ما حقه التبسيط، ويُعسّرونَ ما حقه التيسير، فيتطلّبون أدلة معقدةً على وجودِ الله سبحانه لا يتوقفُ معرفةُ الحقِ عليها.

وقد تأملتُ عامّة ما يُثار من إشكالاتٍ واعتراضاتٍ في هذا الباب، فوجدتها ناشئة من أحد أربعة أمور:

الأمر الأول: الانحرافُ في بابِ مصادرِ المعرفةِ ووسائل اكتسابها

والمقصودُ بالانحرافِ في باب مصادرِ المعرفة: هو حصرُ طُرقِ اكتسابِ المعرفةِ في مصدرٍ واحد، مع إهمالِ بقيةِ المصادر.

وأهمُ المصادرِ التي يمكننا أن نكوّن المعرفةَ عن طريقها، هي: العقل، والحسّ -كالإبصار واللمس- والخبر الصحيح الصادق، كما أننا نكتسب من الفطرةِ معارفَ أولية، تعتبرُ أساساً للكثيرِ من المعارفِ المكتسبةِ لاحقاً.
مثالٌ على الانحرافِ في مصادرِ المعرفة:

إذا قلت للملحد: إننا نؤمنُ بوجودِ اللهِ سبحانهُ اعتماداً على دلائلِ العقل القطعية، وعلى الفطرة.
فيقول لك: ولكنّي لا أثقُ إلا بالأدلةِ الحسيّةِ التجريبيةِ المبنيّة على الملاحظةِ في المختبر، وبما أن أدلةَ وجود الله ليست كذلك؛ فإنهُ لا يؤمنُ به.

فهذا الإلحاد سببه الانحراف في بابِ مصادرِ المعرفة، مع تكبُّرٍ -لا يَسلَمُ منه الكثير- عن الخضوعِ للحقِ الذي مِن لازِمهِ مخالفةُ للهوى.

الأمر الثاني: عدمُ تصورِ حقيقةِ أدلة المؤمنين والتسوية بينها وبين شبهات الملحدين. 

كثيراً ما يستهترُ الملحدون بأدلةِ المؤمنينَ على وجودِ الله، فيصورونها على غير حقيقتها، حتى يظن الجاهلُ أن أدلة المؤمنينَ إنما هي مغالطاتٌ وتعصبٌ وإيمانٌ جامد، وهذا غيرُ صحيح.

مثال ذلك: التسويةُ بين المبدأ العقلي الفطري الضروري: (كل حادثٍ لا بد له من محدث) وبين فرضيةٍ خيالية سخيفة قررها “برتراند رسل” مُصوراً بها أن احتمالَ وجودِ الله كاحتمالِ وجود إبريق في الفضاء لا تستطيعُ أن تثبتَ وجودهُ ولا أن تنفيه، وهذه مغالطةٌ ناشئةٌ عن التسويةِ بين المختلفات، فالإبريقُ لا أثر له، بينما كلُ شيءٍ نراهُ في الكونِ هو من آثارِ وجودِ الله وقيّوميّته.

الأمر الثالث: ادعاءُ نتائجَ غيرِ صحيحة لفقدانها شرط التلازم

إن من شروطِ صحةِ الاستدلال أن تكون النتيجةُ مستنتجَة من الدليلِ بطريق اللزوم، وأما الاستدلالُ بالأدلة الصحيحةِ على نتائج لا تلزم منها، فهذا خللٌ يمارسه كثيرٌ من الملحدين ومثيري الشبهاتِ ضد السنُّة والثوابت.

مثال ذلك: الاستدلال بالنظرياتِ والقوانين العلمية التي تفسرُ حركةَ الكونِ أو نشوءَ المخلوقات على نفي وجود الخالق، وهذا استدلالُ يفتقدُ التلازم، فإن وجودَ القانون لا يلزم منه عدم وجود مدبر له.

الأمر الرابع: الكبر والهوى

إن العقلَ البشري حال خلوهِ من المؤثرات لا يُطيق الاطمئنان إلى افتراضِ نشوءِ هذا الكون بكل ما فيه نتيجة العشواء والصدفة، وإن الاعترافَ بوجودِ خالقٍ عظيمٍ عليم قديرٍ وراء كل هذا الإتقان والإحكام -الذي له ملايينُ الشواهدِ في الإنسان والحيوان والكون- أمرٌ تدعو إليهِ الفطرة، ويستوجبهُ نظر العقل، وترنو إليه النفس وتطمئن، وإنما يحصلُ جحودُ ذلك بسببِ كثرةِ الشبهات المعارضة للنظر العقلي المستقيم، وللفطرة السوية الصحيحة، مع مزيجٍ من الهوى والكبر، الذي يدفع بالإنسان إلى الاستنكافِ عن الخضوعِ  والذلِ لله سبحانه، وعن مخالفةِ هوى النفوسِ ورغباتها:{ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}_[غافر:٥٦].

 

 

 

0

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

التصميم: سمية العامودي- قمر القصاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى