الدين والعقل

        كما افترق الناس في شأن الحرية على النحو الذي أشرتُ إليه فقد افترقوا في الموقف من العقل كذلك،

▪️فمنهم طائفة اتخذت موقف التوجس والتخوف عند الحديث عن العقل، حتى أدخلوا بعض صور الاستدلال العقلي الصحيح المحمود في دائرة نقدهم وذمهم، وذلك لاستغراقهم الشديد في نقد المتكلمين مع عدم إدراكهم لدقائق الفرقان بين الحق والبطلان في قضايا العقل والنقل.

▪️ومنهم طائفة أخرى نفخت كلمة العقل ثم ملأتها بصور الهوى، والرأي الفاسد، ورفعت سيف الإرهاب الفكري ضد كل من يخالف أهواءهم وآراءهم الفاسدة، فصاروا يتهمون مخالفهم بالجمود والتحجر ومخالفة العقل.

▪️وشر منهم طائفة طعنت في أصل الرسالة المحمدية، وكفرت بالقرآن الكريم، لظنهم أن آياته تتعارض مع معطيات العقل الصحيح، وليس كذلك، بل كان التعارض مع شبهات غير متكاملة الأركان، قدموها على آيات القرآن باستعجال وسوء فهم.

والموقف العدل من العقل هو التوسط، وذلك بالجمع بين كونه مصدراً للمعرفة وبين احترام حدوده التي لا يستطيع تجاوزها.

 

وها هنا بعض النقاط والقواعد المهمة في باب العقل والنقل أذكرها على شكل فقرات:

▪️[١] أبرز القرآن مكانة العقل واستعمل الأدلة العقلية واعتبرها ميدانا ذا أهمية في بناء الحجج، (وقد وردت مادة العقل في القرآن تسعاً وخمسين مرة، كلها يفيد أن انتفاء العقل مذمة، هذا سوى ذكر مرادفاته كالألباب والأحلام والحجر، وذكر أعماله كالتفكر والتذكر والتدبر والنظر والاعتبار، والفقه والعلم) )

▪️[٢] الأدلة العقلية فيها القطعي المتفق عليه بين العقلاء وفيها الظني، والتسوية بينهما خطأ كبير، فمخالفة الدليل العقلي القطعي: انحراف وسفسطة، بينما مخالفة الدليل العقلي الظني لدليل أرجح منه موقف صحيح غير معارض العقل. مثال الدليل العقلي القطعي: القول بأن كل حادث لا بد له من مُحدث. فهذه ضرورة عقلية قطعية لا يخالفها إلا مكابر. وبهذا الدليل نستدل على ضرورة وجود خالق لهذا الكون؛ لأنه حادث. ولا يمكن أن يتعارض الدليل العقلي القطعي مع أي دليل قطعي آخر سواء أكان عقليا أم خبريا أم حسياً، وأما ما يصادم القطعيات فهو ظني أو غير صحيح من أصله. وكذلك الأدلة النقلية بعضها ظني من جهة الثبوت، فلو افتُرِض وجود تعارض من كل وجه بينها وبين دليل عقلي قطعي فإن المقدم هو القطعي، والعكس كذلك. مع التنبيه إلى أن أحاديث الآحاد فيها القطعي وفيها الظني، وليست كلها ظنية، وقد أثبتُّ ذلك من وجوهٍ في كتابي تثبيت حجية السنّة وسابغات .

▪️[٣] أهمية التفريق بين محارات العقول، وبين مُحالاتها، أي التفريق بين ما يُستبعد عقلا وبينما يستحيل عقلا: فالشريعة قد تأتي بالأمر الذي يحير العقل، أو يكون مستغرباً، ولكن لا تأتي بما هو محال في العقل ولا بما يناقضه! قال ابن تيمية رحمه الله في الجواب الصحيح: (يجب التفريق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته، فالأول من محالات العقول، والثاني من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني) . وقال أيضاً في نفس الكتاب: (الأنبياء عليهم السلام قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول) .”

▪️[٤] ما يقال فيه إنه يناقض العقل من صحيح نصوص الشرع لا يكون كذلك عند التحقيق، فإن الناس يتوسعون في باب التعارض دون تحرير وفحص لوجوه الجمع الممكنة، بينما اعتنى المحققون من علماء أصول الفقه والحديث بتحرير قضية التعارض، وجعلوا لها أهمية بالغة، ورتبوا خطوات مُحكمة في التعامل مع ما يُتوهم تعارضه من الأدلة، ولم ينطلقوا من مبدأ جواز مناقضة الشرع لمقتضيات الأدلة العقلية الصحيحة بل من مبدأ عدم التعارض بين صحاح الأدلة أياً كان نوعها: الخبر أم العقل أم الحس.

▪️[٥] من أكبر عوامل الخطأ في ما يُدعى فيه التعارض مع العقل: اعتبار المرء فهمه الشخصي معياراً للعقل، فما قبله فهو العقل وما رفضها فهو نقيض العقل، وهذا غير سائغ، فإن عوامل استنكار الذهن متعددة، منها طبيعة التكوين، ومدى سعة المعلومات في الذهن، ورصيد الخبرة، وغير ذلك، وعليه؛ فلا ينبغي الاستعجال في دعوى مناقضة العقل فقد يكون منشأ الاستنكار راجعاً إلى طبيعة تخص الشخص المستنك ولا تعم جميع العقلاء.

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى