ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن الكريم


     تنوعت أساليب الطاعنين في نبوة المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، واختلفت شبهاتهم وتعارضت في سبيل تكذيبها، وبذلوا جهوداً امتدت على طول أربعة عشر قرنًا ليثبتوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يأت بالقرآن من عند الله تعالى، فلم يفلحوا.

وبعد أن اتفق العالـِمون بلسان العرب منهم على الاندهاش والتعجب من عظمة القران الكريم وبلاغته وفصاحته، اختلفوا في الجواب عن سؤال: من أين جاء النبي ﷺ  بالقرآن؟

فتارة يقولون عن النبي إنه ساحر تتنزل عليه الشياطين. فقال الله لهم {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:٢٢١-٢٢٢] وهم يعلمون أن النبي ﷺ  لم يكن أفاكاً ولا أثيما، إذ أن ألسنتهم لم تجف بعدُ من حديثهم عن صدق محمد وأمانته.

وتارة يقولون إنما يعلمه بشر، ثم لم يجدوا في فصحاء العرب ولا بلغائهم المعروفين من يمكنهم أن ينسبوا القرآن إليه فنسبوه إلى حدّادٍ روميّ أعجمي في مكة زعموا أنه معلم الرسول ق، فقال الله : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل:١٠٣].

ثم جاء المتأخرون منهم ليقولوا إنه سرق مضامين القرآن من الكتب المقدسة قبله، لأنهم وقفوا على بعض التشابهات بين قصص القرآن وقصص التوراة والإنجيل، ولكنهم غفلوا عن أمور متعددة تجعل شبهتهم هذه علامة على إفلاسهم وعجزهم أمام الحق وسطوته.

فالتشابه في القدر الصحيح من القصص إنما هو من العلامات المؤيدة لصدقه ﷺ  وليس العكس، إذْ إن سبيل علمِ النبي ﷺ  بتلك القصص الصحيحة إنما هو الوحي، لأنه أمي لم يكن يستطيع قراءة الكتب المقدسة، ولأنها لم تكن مترجمة إلى اللغة العربية في ذلك الزمن أصلاً، إضافة إلى أن القساوسة كانوا يضنّون بنُسَخ الكتاب المقدس ويطوونها عن العامة ليكونوا وسطاء بينهم وبين الرب.

كما أنه قد فات أولئك المشككين أن القرآن الكريم قد خالف قصص الكتابَين في مواضع كثيرة ثبت في بعضها مؤخراً بوسائل الإثبات التاريخية صدق ما تفرد به القرآن الكريم، كعدم تسميته حكام مصر وقت يوسف عليه السلام بالفراعنة مع أن الكتاب القدس سماهم بذلك، ثم ثبت تاريخيًا أنها لم تكن مرحلة حكم الفراعنة.

وأضاف القرآن على قصص الكتاب المقدس أمورًا كثيرة أُفردت في كتاب، على أن القرآن فيه بيان واضح أنه مصدق لما بين يديه، فوجود التشابه في بعض المضامين هو مما أخبر به القرآن نفسه وليس مما اكتشفه خصومه.

وأما طعنهم على شخص النبي ﷺ  فإن أوائلهم اتهموه بتهم متعارضة يظهر فيها الاضطراب والحنق والشعور بالهزيمة، فقالوا عنه: (ساحر وكاهن ومجنون وشاعر ومعلَّم) وغير ذلك، ثم جاء المتأخرون فنبشوا كتب السير والتاريخ والأدب؛ ليستخرجوا بمنظار الكراهية والحقد أي موقف يطعنون به على النبي الكريم فأهانوا في سبيل تحقيق ذلك كل منهج علمي معتبر، حيث أعرضوا عن الأخبار التي توفرت فيها شروط الثبوت والصحة وتمسكوا بكل أثر منقطع الإسناد يرويه مجهول أو كذاب.

وهم جميعاً -متقدهم ومتأخرهم- يفرّون عن وسيلة التخطئة الواضحة التي أرشدهم الله إليها، فقال لهم: ﴿إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣-٢٤].

وتحداهم كذلك بقوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:٨٨].
وقد نزلت هذه الآية في وقتٍ كانت قريش مستعدة فيه للتنازل عن كنوزها كلها لتغلب النبي ﷺ ، ولقد كانت بضاعة البيان -حينذاك- رائجة أي رواج، وكان كثير من العرب خارج مكة يتربصون برسول الله الدوائر, ويحرصون على محاربته وهزيمته، كما فعلوا في غزوة الأحزاب؛ فما بالهم وقفوا جميعاً مشدوهين مدهوشين أمام هذا التحدي؟

ألم يكن اجتماعهم على أن يأتوا بمثل هذا القران أسهل عليهم من المعارك التي خاضوها مع النبي ﷺ ؟!
ألم تكن أنفتهم -وهم وجوه العرب- تأبى عليهم أن يتركوا هذا التحدي الذي أعلنه خصمهم أمام النّاس إلا بخوض غماره ومحاولة الانتصار فيه؟ خاصة وأنه استفزّهم بإعلانه أنّهم لن يستطيعوا أن يكسبوا هذا التحدي، مع أنه أباح لهم أن يستقووا بمن شاءوا، وأن يستعينوا بمن أرادوا.

كتب الدكتور محمد دراز في كتابه النفيس (النبأ العظيم) واصفاً التحدي الذي في سورة البقرة المختوم بقوله سبحانه {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ}[البقرة:٢٤] بقوله: “فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز: لقد أجهز عليهم بالحكم الباتِّ المؤبَّد في قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُواْ﴾، ثم هددهم بالنار، ثم سوَّاهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداءُ الألِدَّاء، وأباةُ الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم. ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طَوْد شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، وتلك حيلة يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا بالقلم واللسان.
ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرَّبَ كل امرئ نفسه، وجاء العصر الذي بعده وفى البادية وأطرافها أقوامٌ لم تختلط أنسابهم، ولم تنحرف ألسنتهم، ولم تتغير سليقتهم، وفيهم من لو استطاعوا أن يأتوا هذا الدين من أساسه، ويثبتوا أنهم قادرون من أمر القرآن على ما عجز عنه أوائلهم؛ لفعلوا، ولكنهم ذلت أعناقهم له خاضعين، وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فُعِل بأشياعهم من قبل.
ثم مضت تلك القرون، وورث هذه اللغة عن أهلها الوارثون، غير أن هؤلاء الذين جاءوا من بعد كانوا أشد عجزًا، وأقل طمعًا في هذا المطلب العزيز فكانت شهادتهم على أنفسهم مضافة إلى شهادة التاريخ على أسلافهم،.., ولا يزال هذا دأب الناس و القرآن حتى يرث الله الأرض ومن عليهااهـ.
وهذا التحدي القرآني باقٍ ما دامت السماوات والأرض، فمن كان في ريب من القران فدونه هذا الميدان فليُبد صفحته، وليُعلن عن نفسه، وليأتِ بسورة من مثله؛ فإن لم يفعل ولن يفعل فليتق النار فإنها حقّ.

الأخبار الغيبيّة:

من المعلوم أن الإنسان مهما بلغت ثقته بحدسه فإنه لا يستطيع أن يراهن على قدرات الآخرين التي تتقلب وتتبدل، ولا بد له -لو أخبر بشيء مستقبلي لا دخل له بالحسابات والتوقعات العلمية- أن يجعل لنفسه طريق رجعة فيما لو لم يقع هذا الأمر الذي تنبأ به، وأمّا أن يأتي إنسان فيتحدث عن أخبار غيبية كثيرة، متنوعة في موضوعاتها، متباينة في أزمنة وقوعها، مختلفة في متعلقاتها، فمنها ما هو متعلق بتغيرات كونية، ومنها ما هو متعلق بأحداث سياسية، ومنها ما هو متعلق بأمور اجتماعية، ومنها ما هو متعلق بأشخاص بأعيانهم حول مصيرهم بعد عشرات السنين من وقت الخبر: بقوة وثقة وجزم وقطع، ثم يقع ما أخبر به على الهيئة التي أخبر بها الله فإن ذلك كله ليس في نطاق قدرات البشر.
فإذا تَقرّر ذلك؛ فتأمّل معي هذه الأخبار الغيبيّة في القرآن:

▪️[١-] قال الله تعالى: {آلم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)} [الروم:١- ٥]

هذه الآيات فيها إخبار عن أمور مستقبلية متعددة، وهي:
١- نشوب حرب بين الفرس والروم.
٢- ينتصر الروم فيها على الفرس.
٣- الظرف الزمني لنشوب الحرب وانتصار الروم فيها هو ما بين ثلاث إلى تسع سنوات.
٥- ويرى بعض العلماء أن فيها خبرا رابعاً وهو انتصار المسلمين في نفس اليوم الذي يتوج فيه الروم على الفرس، وذلك من قول الله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّهِ} ولا شك أن في الآية إخبارا بفرح المؤمنين بالنصر، لكن الخلاف في مُتعلّق هذا النصر: هل هم المسلمون أم الروم.

تُرى ما الدافع لأن يُعرّض النبي ﷺ  دعوته لخطر التكذيب -لو لم يكن واثقا تمام الثقة- بحديثه الجازم عن نتيجة حرب لم تنشب بعدُ، بين أكبر جيوش العالم في ذلك الوقت، وزيادة على ذلك يُحدد الفترة الزمنية التي ستكون ظرفاً لوقوع هذه الحرب الكبرى.
ماذا لو لم تنشب هذه الحرب؟
وماذا لو نشبت و لكن كانت النتيجة فيها لصالح الفرس؟
بل وما ذا لو انتصر الروم ولكن بعد المـُدة الزمنية المـُحدّدة أو قبلها؟
ألا يجعل ذلك للكفار حجة في تكذيبهم وإعراضهم؟
بلى، والله!
غير أنه لم تنصرم بِضْعُ السنوات المذكورة في الآية إلا وقد نشبت الحرب بين الفرس والرّوم, وانقضت بانتصار الروم على الوجه الذي جاء في القرآن؛ بل ويرى طائفة من المؤرخين أن ذلك كان بالتزامن مع انتصار المسلمين في معركة بدر؛ ليكون ذلك كله دليلا على أن القرآن من عند الله عالم الغيب وحده.

▪️[٢-] الوعد الثاني: قال الله تعالى عن مشركي قريش: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}[القمر:٤٥] وهي آية مكّية نزلت قبل أيِّ قتال بينهم وبين المسلمين، وهي آية فيها خبر مُستقبلي لا يُمكن الجزم والقَطع به إلا ممن يعلم الغيب وحده، لأن الظرف الذي نزلت فيه هذه الآية كان ظرفاً صعباً على المـُسلمين في مكّة، إذْ كان يصدُق عليهم لقب (المـُستضعفين) حيث كانوا في حالة اضطهاد ديني شديدة، فأيُّ جَمْعٍ ذاك الذي سيُهزَم؟ وهل ستُولِّي هذه القوة العُظمى -قريشُ- أدبارها أمام هؤلاء المـُستضعفين؟ كيف يكون ذلك، وإذا كان الخبر من باب التفاؤل والرجاء فلماذا لا يأتي بصيغة تحتمل الوقوع أو تُغلّبه ولكن يبقى فيها تجويز لخلافه بدلا من هذا الجزم.
وما هي إلا سنوات يسيرة حتى بدأ عِزّ الإسلام في المدينة، ثم جاء جمع المشركين إلى حتفه ببدر، وهُزموا، وولّوا الدبر، وصَدَق الله وعده ونصر جنده.

▪️[٣-] الوعد الثالث: قال الله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}[الفتح:٢٧].

هذه الآية نزلت في صُلح الحديبية، العام السادس من الهجرة، وفيها وعْدان مُستقبليّان:
٢-دخول المـَسجد الحرام بأمان مع أداء العمرة.
٢-أنه سيكون قبل هذا الدخول فتح قريب.
ثم يقع هذان الوعدان كما أخبر الله تعالى.
ففي العام السابع من الهجرة فُتحت خيبر، وكان فتْحُها خيراً كبيراً للمـُسلمين، ثم وفي نفس العام دخل النبيّ ﷺ  وأصحابه مكة, معتمرين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون, ليكون ذلك دليلاً آخر على أن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى.

▪️[٤-]الوعد الرابع: الإخبار الجازم بأعلى أساليب الجزم والتأكيد بانتصار النبي ﷺ  في الدنيا قبل الآخرة، كما قال الله : ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] وتأملوا معي جمال تفسيرها:
قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:
“مَن كَانَ من الكفَرة الحَسَدَة له ﷺ ، يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ؛ أي: أن لن ينصر الله نبيه محمداً ق، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ؛ أي: بحبل إِلَى السَّمَاء؛ أي سماء بيته، والمراد به السقف: لأن العرب تسمي كل ما علاك سماء كما قال:
وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر
والمعنى: فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق; لأن الاختناق يقطع النفس بسبب حبس مجاريه؛ ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه ﷺ  في الدنيا والآخرة. والمعنى: لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ . وحاصل هذا القول: أن الله يقول لحاسديه ﷺ ، الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أنَّ ربه لن ينصره: موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم، وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي. ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}[آل عمران: ١١٩]. انتهى -اختصار- هذا الكلام البديع من الإمام محمد بن الأمين الشنقيطي تغمده الله برحمته من كتابه أضواء البيان.

وأما الوعود الغيبية في السنة النبوية الصحيحة فهي كثيرة جدا، يطول المقام بذكرها، وفيها من التفصيلات المتعلقة بالأشخاص والأحداث الشيء العجيب كالإخبار باستشهاد عمر وعثمان ، مع أنهما خليفتان يحكمان دولة عظيمة، والإخبار بأن عماراً تقتله فئة باغية، والإخبار بأن الحسن يصلح بين فئتين من المسلمين، وكالإخبار بظهور الخوارج، وكالإخبار بأن فاطمة ابنته هي أول من يموت من أهله بعده، إلى غير ذلك من الأخبار الصحاح.

بين أصدق الصادقين وأكذب الكاذبين

كتب ابن أبي العز الحنفي كلمةً جميلة حول النبوة، وقد ذكر معناها -قبله- ابن تيمية، وهي كلمة مطربة للعقل، مُنعِشة للذهن، ومنذ أنْ وقفتُ عليها وأنا أحبّ تكرارها في كل موطن تُذكَر فيه دلائل نبوة محمد ﷺ .
قال رحمه الله: “النبوة إنما يدّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تُعرِب عنهما، وتُعَرِّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟”اهـ.

وإذا انطلقنا لنرى شواهد صدق محمد ﷺ  فسنرى من كثرتها ما نعلم به السبب الذي لأجله قال عبدالله بن سلام حين رآه: “عرفتُ أنّ وجهه ليس بوجه كذاب”

فقَبْل أنْ يَبْعَثه الله بالرسالة لبث عُمُراً في قومه بمكة لا يرون منه إلا شواهد الصدق والأمانة، حتى استحق فيهم لقب (الصادق الأمين)، ولذلك؛ فإنَّه ﷺ أوّل ما خاطبهم بالرسالة اتّكأ على ما يعرفونه عنه من صِدق وبُعدٍ عن الكذب؛ فقال لهم: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ؛ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ! قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ».

وحين ذهب أبو سفيان إلى الشام قَبل إسلامه, وكان سيّد قريش وقائدها ضدّ رسول الله، استدعاه هرقل عظيم الروم ليعلَم منه خبر محمد ﷺ ، فسأله عن عدد من الأمور التي أراد بها التوصّل إلى معرفة حقيقته، فكان فيما سأله: “هل كنتم تتهمونه بالكذب”؟ فأجابه أبو سفيان: لا. فقال له هرقل قولة حكيمة: ” وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا؛ فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ”

وحين كسفتِ الشمْس في اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبيّ ﷺ  قال النّاس: (كسفتِ الشّمسُ لموت إبراهيم) فماذا كان ردّ النبيّ محمد ﷺ  على هذا الكلام؟
هل أيّدهم عليه؟ أو على الأقلّ سكت؟
بل قام فيهم خطيباً مُصحِّحاً هذا الاعتقاد الخاطئ، معظّماً ربّه وخالقه ومولاه قائلاً: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ».
ثم أرشدهم إلى الصَّلاة والاستغفار والصدقة؛ وذلك لأنه رسول من عند الله، ولو قيل مثل هذا الكلام في حق ملك من ملوك الدنيا لكان شأنه في التعامل مع هذا التعظيم لابنه آخر.
ومن شواهد صدقه ﷺ  أنّه بلّغ القرآن كاملاً مع أنّ فيه آيات عتاب الله له، كقوله سبحانه وتعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءهُ الأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾[عبس:١-٣]
وقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}؟[التوبة:٤٣]
وقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾[التحريم:١]
وقوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}![الأحزاب:٣٧]
أخبروني باللّه عليكم لو لم يكن محمد رسول الله حقّاً أكان يُبلّغ هذه الآيات؟ ما الذي يضطره لقول هذا الكلام الذي يقرؤُه الناس إلى يوم القيامة إلا أنّه مأمور بتبليغه؟
وكثير من آيات القرآن الكريم فيها بيان واضح بأن النبيّ محمداً عليه الصلاة والسلام عبدٌ للّه، مُبلّغ رسالة ربّه، وأنه لا يضر ولا ينفع، و لا يعلم الغيب، وأنّه ليس له من الأمر شيء، فبلَّغَها كما أُمِر، وهذا من دلائل صدقه ونبوّته عليه الصلاة والسّلام.
فمن ذلك قول الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}[آل عمران:١٢٨]، وقوله: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا}[الجن:٢١-٢٢]، وقوله: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ}[الأنعام:٥٠]، وقوله: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ}
[الأحقاف:٩].

ومن دلائل نبوة محمد ﷺ : حِفْظُ الله له ونصره إياه كما أخبره ووعده في القرآن، فعلى مَرّ ثلاثة وعشرين عاماً قضاها رسول الله في تبليغ الرسالة تعرّض فيها لكل أنواع الأذى لكن لم يستطع أحد من أعدائه قتله، على كثرة المحاولات من مختلف الأعداء؛ فالله سبحانه أنزل عليه {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:٦٧] فعصمه، وأيّده بسكينته، وجُنده، حتى أتمّ الرسالة، وبلّغها، ونزلَت شهادة الله له من السماء: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[المائدة:٣] ودخل النّاس في دين الله أفواجاً، وفُتِحَت مكة.
وإذا أردتَ أن تُدرك الحفظ الإلهي له فانظر إلى بيته الذي كان في المدينة، فلم يكن حصناً كحصون اليهود، ولا قلعة كقلاع الروم، وإنما حُجُرات لا حارس عليها ولا بوّاب، إلا عينُ الله التي تحرسه.
ففي صحيح البخاري من طريق ثَابِت الْبُنَانِيّ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ  مَرَّ بِهَا وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: “اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِي.

قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ، قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ». ومع ذلك فقد كان الله سبحانه يُخلّصه من كل شر، وينجّيه من كل كيد.
ومِن دلائل نبوّته ق أنّه كان يثق بوعد الله له، فلا يهتزّ قلبُه في أحلك الظروف وأصعبها؛ متوكّلاً على خالقه ومولاه، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أَنَس بْن مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ، قَالَ: «نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ، أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْر، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».
وأخرج البخاريّ ومسلم عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ  قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ-أي الشجر-، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي العِضَاهِ، يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ  يَدْعُونَا فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ» ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

 

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

التصميم: قمر القصاب- سمية العمودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى