رابعاً: محاسن الإسلام


       كثيراً ما يتم الحديث عن محاسن الإسلام نظرياً، غير أنَّ أكثر من يدرك محاسن الإسلام على حقيقتها، وأكثر من يشعر بحلاوة الإيمان ويتذوقها هو الملتزم بتعاليم الإسلام وآدابه في نفسه ومع أهله وجيرانه، وفي معاملاته، وفي خلوته، إذْ إنَّ الإسلام يغرس في نفس من يلتزم به قيماً مطلقة متجاوزة للزمن، نابعة من ضمير الفرد -ولو غاب القانون الرادع-، وهي أسمى من النَّفعية المجردة، وأعلى من كونها صادرة عن تنظير فيلسوفٍ أو حَكيم أو مجموعة مُشرِّعين.

والالتزام بهذه القيم حال غياب الرقيب يُكسب المؤمن شعورا تاماً بالثقة والاطمئنان لجمال هذا الدين العظيم، لأنه يرى أثره عليه في منعه من الظلم والبغي والخيانة والفواحش، ومهما قيل بعد ذلك في الإسلام من تُهَم وتشكيكات فإنها لا تكون ذات قيمة وبالٍ عنده لأن عنده ما يعارضها.

مكانة القيم الأخلاقية والسلوكية في الإسلام:
إذا كان الإيمان أهم ما يعيش المسلم لأجل المحافظة عليه، ثم تجد في نصوص الشريعة ما ينفي الإيمان عن المرء إذا لم يلتزم ببعض القيم الأخلاقية كحُسن الجوار مثلاً، أو تجد فيها ما يُجلي حقيقة كون المرء مسلماً بصفة سلامة المسلمين من لسانه ويده، فإن لك أن تتخيل محل القيم الأخلاقية والسلوكية وشأنها في الإسلام إذاً.
وقد جمع الدكتور محمد دراز الآيات القرآنية المؤسسة للقيم الأخلاقية في آخر كتابه دستور الأخلاق في القرآن.
واخترتُ -هنا- طائفة يسيرة من الأحاديث النبوية (الصحيحة) التي تشير إلى ما تقدمه السنة النبوية في مجال أثر الإيمان “السلوكي” و “القيمي” وتُظهر شيئاً من محاسن الإسلام، وصدَّرْتُ كل حديث من هذه الطائفة المختارة بعنوان: (تعلمنا من الحديث الصحيح).

أما بعدُ،
▪️[١]- فقد تعلمنا من الحديث الصحيح أنَّ: «الـمُؤْمِن مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ».
وهنا تنكسر الشعارات وتسقط اللافتات التي يعلقها بعض الناس متظاهرا بالإيمان، إذْ إنّ الإيمان عند حضور الذهب والفضة يُقاس بقدر التزام المرء بالأمانة.
▪️[٢]- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن النبي ﷺ  أقسم بالله ثلاثاً أن مؤذي جاره ليس مؤمناً، وذلك بقوله: «وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهُ لا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ، قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ :الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»؛ ومعنى بَوَائِقَهُ أي شروره.
فهل يبقى شك -بعد ذلك- في أن الإيمان عمل وسلوك؟!
▪️[٣]- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن «مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
▪️[٤]- تعلمنا من الحديث الصحيح أن التواضع رفعة، وأن العفو عز.
▪️[٥]- وتعلمنا من الحديث الصحيح أن ننظر إلى المرأة المؤمنة بعدل وموازنة، فإن كرهنا منها خُلقا رضينا منها الآخر.
▪️[٦]- تعلمنا من الحديث الصحيح الدفاع عن المال المكتسب من الحلال، شرف وكرامة ولو قُتِل المرء وهو يدافع عنه فإنه شهيد.
▪️[٧]- تعلمنا من الحديث الصحيح أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون مغفلا مخدوعاً، فإن الرسولﷺ يقول: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ».
▪️[٨]- وتعلمنا من الحديث الصحيح حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الفرد تجاه ما يحصل من تجاوزات في المجتمع (كائناً من كان هذا المتجاوز) فقد قال النبي ﷺ:
«مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّه هو الذي يأمر بالخير وينهى عن الشر.
اسْتَهَمُوا يعني اقترعوا، أي عملوا بينهم قرعة ليتقسموا أعلى السفينة وأسفلها.
وهذا حديث يصور المجتمع بالسفينة الواحدة التي لا تبلغ هدفها إلا بالتعاون على المحافظة عليها، والتعاونِ على منع أصحاب الأهواء الشخصية من إغراقها -بغباء- لتحقيق مصالحهم التي تعميهم عن النظر في مصلحة المجتمع بأسره.
▪️[٩]- تعلمنا من الحديث الصحيح الحرص على حسن المظهر فــــ«إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ».
وعلى حُسن رائحة الفم، فــــ«السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».
▪️[١٠]- تعلمنا من الحديث الصحيح: إحسان الظن فــــــ«الظَّنُّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ».
▪️[١١]- وتعلمنا حمل أمور الناس على الظاهر وعدم الدخول في تحليل النوايا «أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟».

▪️[١٢]- تعلمنا من الحديث الصحيح أن للمرأة المسلمة من المكانة ما استحقت به أن يخصها النبي ﷺ بالتوصية يوم اجتماع أكبر عدد من الناس في حياته -في الحج- بقوله: «اِتَّقُوا اللَّهَ فيِ النِّسَاءِ».
▪️[١٣]- تعلمنا من الحديث الصحيح وجوب مراعاة مشاعر من يشترك معنا في المجلس؛ «فَلَا يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ».
▪️[١٤]- وتعلمنا من الحديث الصحيح بث روح الأمل والعمل الصالح أمام المخطئ ليعوض ما فاته، كما فعل النبيﷺ مع من صدرت منه قُبلة لا تحل له؛ فخاطبه بقول الله «إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ».
▪️[١٥]- تعلمنا من الحديث الصحيح مكانة الوالدين، ومنزلة الأرحام، وحق الجار، بل والوفاء لأصدقاء الأب بعد موته كما في الحديث الصحيح «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ».
▪️[١٦]- وتعلمنا من الحديث أن الحياء من خير الصفات التي من الممكن أن تكون في الإنسان، ولكن في المقابل لا يَحْسُنُ أن تمنع هذه الصفةُ صاحبها من قول الحق والقيامِ والصدعِ به، فالنبيﷺ كان «أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا»، ومع ذلك فقد صعد على الصفا أمام قريش صادعا بالحق قائلاً «إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»ولم يترك نادياً من نواديهم لم يَدْعُ فيه إلى سبيل ربه.
▪️[١٧]- تعلمنا من الحديث الصحيح أن «شَرَّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ»، فالشح الهالع يمنعه من إخراج ماله ويصيبه بالجزع إن أنفق شيئاً منه.
والهَلَعُ: الجزع، والجُبْنُ الخَالِعُ: هو الذي كأنه يخلع قلب صاحبه من ضعفه وخوره فيمنعه من القيام بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
ولن يفي هذا المقام المختصر بعُشر ما يمكن أن نتعلم (أفراداً ومجتمعات) من الحديث النبوي، من قواعد في الفكر والمنهج والمفاهيم والأحكام والآداب والأخلاق تُظهر لنا عظمة هذا الدين وحسنه وجماله.
هذا وقد كثرت المؤلفات والرسائل والبحوث في هذا الباب، حتى إن هناك من الدراسات المطولة ما أُفرِد في إظهار محاسن باب واحد من أبواب التشريع الإسلامي كباب الحرب مثلاً، وقد ذكرتُ في أوائل كتابي: نظرات منهجية في محاسن الإسلام طائفة من الكتب والدراسات في باب محاسن الإسلام مقسمة بحسب طريقة تصنيفها وبحسب متعلّقها، فليراجع.

وقبل الانتقال عن موضوع محاسن الإسلام إلى ما يليه، رغبت أن أقتبس مواضع يسيرة من كتاب: نظرات منهجية في محاسن الإسلام وهي اقتباسات متعلقة بجوانب منهجية لم أشر إليها في الكلام السابق؛ لتكون مكملة له، وشافعة:

✍🏻«لقد تميَّزَ الإسلام على سائر الديانات الموجودة اليوم بوضوح العقيدة في (الإله) من جهة الكمالات المتعلقة به، ولذا فإن العقل لا يجد تكلفاً في قبول الاعتقاد الإسلامي في الله سبحانه، بخلاف الخرافات والأساطير الموجودة في تصوّرات كثيرٍ من البشر تُجاه الإله، وهذه القضية من أظهر القضايا في دين الإسلام، والاستدلال عليها لا يحتاج إلى كبير عناء، فالقرآن من أوله إلى آخره تمجيدٌ وتعظيمٌ وتنزيهٌ لله، والسورة التي أخبر النبيّ ﷺ أنها أعظمُ سورةٍ في القرآن هي السورة التي تبدأ بحمد الله والاعتراف بأنه رب العالمين، وأنه مالك يوم الدين، وتبيّن العلاقة بين المخلوق وبين الخالق بالتعظيم الذي ينبغي للخالق، بأنه لا يُعبد إلا هو، ولا يُستعان إلا به، فهذه أعظم سورة.
وكذلك أعظم آية في القرآن، كلُّها متعلقةٌ بالإله من أولها إلى آخرها، وهي آية الكرسي.
ولا يوجد عندَ أمّةٍ من الأمم المتديّنة تعظيمٌ للإله بمثل ما في آية الكرسي.
ثم إنه قد صح عن النبي ﷺ  أن في القرآن سورة تعدل ثلث القرآن، وهي سورة الإخلاص، وإذا تأمّلتَ فيها وجدت أن جميع السورة إنما هي تعظيمٌ وتنزيهٌ لله سبحانه وتعالى.
بينما إذا نظرتَ فيما جاء عن الخالق في سائر الأديان فلن تحتاج إلى كبير جهد لتدرك الفارق بين الإسلام وبين غيره، بل إن المقارنةَ بين الإسلام وغيره في هذا الباب ظالمةٌ.
ومن جمال وكمال وعظمة التصور الإسلامي عن الله أنه لا يقتصر على مجرد الوصف الكامل، بل هذا الوصف يقتضي التعبدَ والخضوعَ والذلَّ لله . وفي ذلك يقول فريد الأنصاري رحمه الله: “فالربوبية إذن -لمن عرفها حقاً وصدقاً- جالبة للمحبة؛ لأنه إذا كانت الإلهية -وهي عقيدة المحبة وما تفرع عنها خوفاً ورجاءً كما أصّلنا- مبنيةً على الربوبية فمعنى ذلك أنّ الربوبيةَ ذاتُ خواصٍّ تجلب إليها القلوبَ فتألَهُهَا!”.
إذن فهذا الاعتقادُ الإسلاميُّ العظيمُ في الله سبحانه وتعالى -على وضوحه وجلاله وجماله- فإنه يزداد جمالاً على ذلك باقتضائه التعبدَ لهذا الإله سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم عند علماء الاعتقاد الإسلامي أنّ من أهم الأدلة القرآنية في الرد على المشركين الاستدلالُ بتوحيد الربوبية وبصفات الله سبحانه وتعالى وكماله على توحيد الإلهية واستحقاق الله له».

✍🏻«إن من أهم ما يُبرِز محاسن الإسلام ويرسّخها في النفسِ: النظرُ إلى أحوالِ الجاهلية -سواء ما كان منها متقدماً على الإسلام أو متأخراً عن بدايته- ورؤية الجانب الإصلاحيِّ العظيمِ الذي جاء به الرسول ﷺ في مقابل ما كان منتشراً ومتجذراً في نفوس العرب من الناحية الاعتقادية والسلوكية ومن ناحية العادات والأعراف والتقاليد. إننا لا نتحدث عن نتائج إصلاح عادي يقارب نتائج الحركات الإصلاحية القديمة والحديثة، بل نتحدث عن حالة استثنائية فريدة في التاريخ، عبّر عنها أحد أشهر المؤرخين في التاريخ الحديث (ول ديورانت) مع كونه لا يؤمن برسالة النبي ﷺ ، بل وقد أثار شيئا من الطعونات والتشكيكات فيه، غير أن سطوة الحقيقة عليه أبت إلا أن تُخرج منه هذا الكلام؛ وذلك في كتابه قصة الحضارة، حيث قال: “وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثرٍ في الناس، قلنا: إنّ محمداً كان أعظمَ عظماءِ التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعبٍ ألقت به في دياجيرِ الهمجيةِ حرارةُ الجوِّ وجدبُ الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرضِ نجاحاً لم يدانيه فيه أيُّ مصلحٍ آخرَ في التاريخ كلِّه، وقلّ أن نجدَ إنساناً غيرَه حقّق كلَّ ما كان يحلم به”».

 

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

التصميم: سمية العمودي- قمر القصاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى