التسليم لأمر الله ورسوله

 


وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ منْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا

[الأحزاب:٣٦]

التسليم: 

 لفظ شرعي وارد في كتاب الله سبحانه وتعالى، وليس من مبتكرات طائفة من الطوائف، فقد قال الله تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}النساء:٦٥

والتسليم لله ورسوله يكون في الأخبار وفي الأوامر على حدّ سواء:

١]- فالتسليم للخبر الشرعي هو التصديق به، سواء أكان خبرًا عن شيء سابق أو خبرًا عن شيء مستقبل. وكثيراً ما يأتي الله في كتابه بأخبار غيبية تتجاوز حدود المحسوس ويكون التصديق بها من جملة التكليف الذي أمر الله به عباده، فالله لم يكلفنا بالعمل فقط بل كلفنا بالتصديق وامتدح المصدّقين فقال: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}البقرة:٣

٢]- والتسليم للأمر يكون بالقبول الداخلي له ثم بالانقياد والعمل بمقتضاه. وأعظم التسليم للأوامر ما كان فيه مخالفة للهوى أو ما كان مبنيًا على الانقياد التام ولو لم تظهر المصلحة للعبد فيه.
ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى أبرز لنا موقف خليله وحبيبه إبراهيم حين أمره بذبح ابنه إسماعيل فقابل ذلك بتمام التسليم مع أن الحكمة من هذا الامر قد لا تكون ظاهرة لإبراهيم عليه السلام، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُو لِلْجَبِينِ}[الصّافّات:١٠٣] أنزل الله الفداء بالذبح العظيم!
والتهوين من عبادة التسليم ينزع من العبد سر عبوديته لله التي هي في الحقيقة حريتُه في هذه الحياة.
وكثيراً ما تثار أسئلة للتهوين من هذا العبادة التي لم يفهم أكثر الخلق سرّها وجمالها، فتجد من يقول: “ماذا بقي من مجالات للعقل إذا كان الدين مبنياًّ على التسليم؟” و”هل التسليم الممكن اليوم إلا التسليم لآراء الرواة ونقلة الأخبار فلماذا الحديث عن التسليم؟” ونحو ذلك من الأسئلة.

إن حقيقة التسليم ليس فيها أي تعطيل للعقل، بل هي مقتضى العقل ولازمه؛ فإن العقل حين يُثبت صحة الرسالة المحمدية بالأدلة والبراهين، فإنه إنما يُثبت أنها من عند الله الذي له تمام العلم وكمال الحكمة، الذي لا يجوز عليه الخطأ أو النقص، ثم هو -أي العقل- يُدرِك من حاله في نفس الوقت أن قدراته محدودة في الإحاطة بكل شيء علماً، وهذا يقتضي أن يُسّلم محدود العلم والقدرة لمن هو كامل في علمه وحكمته وقدرته، بشرط أن يثبت أن ما سلم به ثابت النسبة إلى الله سبحانه.

ومع ذلك، فإننا لا نقول بانتهاء دور العقل بهذا التسليم، بل إن هناك مجالات متعددة لحركته بعد التسليم، منها

١)- مجال التفهّم والتدبر والاستنباط من النص.
٢)- مجال استخراج الحِكَم والمقاصد والعِلل من مجموع النصوص.
٣)- مجال الجمع بين النصوص التي يكون ظاهرها التعارض.
٤)- مجال تنزيل النص على الواقع وملابساته ومتغيراته.

وإذا استعرضنا سيرة أصحاب رسول الله ﷺ  ومواقفهم حيال ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه فسنجد أسمى صور الامتثال والانقياد والتسليم للأخبار والأوامر التي تصدر عن المصطفى ﷺ ، حتى عند التعارض مع هوى النفس أو تقدير المصلحة، وقد كان الدافع لهذه الطاعة الفريدة: الإيمان التامُّ بأن محمداً ﷺ  رسول رب العالمين سبحانه وتعالى، وأنه صادق في تبليغه وأوامره، مع المحبة التامة له ﷺ .

وهذه إشارة سريعة إلى بعض المواقف:
في العام الخامس من الهجرة اجتمع جيش للكفار بأعداد لم تجتمع قبل ذلك، وهو جيش الأحزاب، فحاصروا المدينة، وأعانهم يهود بني قريظة فأرهبوا المسلمين في أهليهم من وراء ظهورهم أثناء الحصار، وقد كان البرد شديداً وقاسيا فوق ذلك.
وفي تلك الظروف قام الرسول ﷺ في إحدى ليالي الحصار بين أصحابه قائلاً: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَة؟». فهو يريد في تلك الحال الشديدة أن يذهب أحد أصحابه متسللا إلى معسكر المشركين ليأتيه بالخبر، وكان كلّ واحدٍ من الصحابة يتمنى لو كفاه أخوه هذه المهمة مادام أن النبي ﷺ  لم يأمر شخصا بعينه.
وحين لم يقم أحد من الصحابة نظر الرسول إلى حذيفة وقال: «قُمْ يَا حُذَيْفَةَ»، فماذا كان موقفه تجاه هذا الأمر النبوي؟
لم يأت حذيفة بالتعليلات والاعتذارات، ولم يتأخر أو يتردد حين وقع التعيين عليه، فقال: «فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ» ثم قام من فوره وذهب إلى معسكرهم وحصلت له القصة المعروفة في موضعها.

موقف آخر:

زوّجَ معقل بن يسار أخته لأحد الصحابة، ثم حصل بينهما شيء فافترقا، وبعد مدة من هذا الافتراق أرادا التراجع عن تراض، فأخذَتِ الحميّةُ معقلَ بن يسار، فقال للصحابي: «زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ؛ فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا! لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا!»، فنزل قول الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَّنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة:٢٣٢] أي فلا تمنعوهن من ذلك. فلما سمعها معقل بن يسار لم يقل: “أنا قلتُ كلمةً، ولن أغيرها، والرجل عند كلمته”، إلى آخر هذه الكلمات، بل قال: «الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قَالَ: «فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ».

موقف ثالث:
كان الصحابة سَنة الحديبية متلهفين للعمرة متشوقين لها بعد انقطاعهم عن مكة سنوات عديدة، فتهيؤوا وأحرموا ولبّوا، وسابقتهم أشواقهم حتى قاربوا دخول الحرم، فمنعهم المشركون، وجرت بينهم مفاوضات طويلة انتهت بلائحة من البنود والشروط رأى فيها بعض المسلمين غضاضة عليهم، فتضاعف الهم باجتماع منعهم من البيت مع الشروط الأخرى التي رأوا فيها ما رأوا من الغضاضة، ووقع الاتفاق على أن تكون العمرة في السنة التي تليها، فأمرهم النبي ﷺ  بحلق رؤوسهم والتحلل من إحرامهم، وكان الحال شديداً حتى قيل إن بعضهم كاد يقتل بعضاً من الغمّ (كما في صحيح البخاري)، ولكنهم ما إن رأوا النبي ﷺ سبقهم بحلق رأسه وبالتحلل من إحرامه حتى قاموا واتبعوا هديه ولا يعرف عن واحد منهم الامتناع عن اتباعه في ذلك اليوم.

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى