حجية السنّة النبويّة


     ينظر بعض الناس إلى أحاديث النبي ﷺ  باعتبار أنها مجرد رُكام من المرويات، لا يُجــزَم في شيء منها بنسبته إلى النبي ﷺ ، ولا تتجاوَز كونها محلّ استئناس في بعض أبواب الدين؛ ولذلك؛ لا يرون أنَّها مصدر مستقل من مصادر التشريع الإسلامي!
وهذا يخالف دلالة القرآن، والسنّة، وعمل الصحابة، والإجماع، وواقع الشريعة.

فأما القرآن فإنه مليء بالإرشاد إلى سُنة ﷺ ، فمن ذلك مثلاً:
▪️(١)- النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول:
قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩]. فقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ}, يشمل كل شيء؛ {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. المراد بالردّ إلى الله: الرد إلى كتابه -وهذا واضح لكل أحد-، وكذلك فإن الردّ إلى الرسول: هو الرد إلى شخصه في حياته, وإلى سنته بعد مماته، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم؛ قال ابن حزم:

والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبرِ عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجّه إلينا, وإلى كل من يُخلَق, ويُركّب روحه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنّة والنّاس“.

وقال ابن القيم:

الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته“.

▪️(٢)- النّصوص القرآنية الآمرة بطاعة الرسول ﷺ؛ فإن فيها دلالة بيّنة على وجوب اتباع سنّته؛ لأنها آيات ليست خاصة بوقت حياته، ومن قال بخصوصها فقد ادّعى دعوى عارضة لا دليل عليها.
وكذلك فإن الصحابة لم يكن لهم حكم خاص في التشريعات الإسلامية، وإنما هم من هذه الأمة المأمورة باتباع رسولها، وكذلك فإنّ حُكْم الرسول لا يتغير بموته.
فنَخْرُج من ذلك كلِّه بأن اتباع سنته المنقولة إلينا عن طريق الثقات هو السبيل لامتثال أوامر الله في كتابه بطاعة رسوله، كما قال الشافعي في كتابه (جماع العلم):

فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله في اتّباع أوامر رسول اللهﷺ , أو أحد قبلك أو أحد بعدك ،ممن لم يشاهد رسول الله ﷺإلا بالخبر عن رسول اللهﷺ؟

وأما دلالة السنة (وإن كان الاستدلال بها لا يفيد في مناقشة منكر جميع السنة، لأنه لا يعتبر السنة حجةً، غير أن معرفة هذه الأحاديث تفيدنا في حجاجه من جهةٍ معيّنة، وهي فيما لو استدل علينا بشيء من السنة، فإننا نطالبه بعرض جميع ما نؤمن به لا أن يقوم بانتقاء بعض الأحاديث وترك بعضها)، فقد قال النبيّﷺ : «لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ؛ وَنَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» وهذا حديث رواه الشافعي في كتاب (الرسالة) ورواه غير واحد من أصحاب السنن من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن رسول الله ﷺ, وهو حديث إسناده صحيح.
وهذا الحديث نص في المسألة دالٌّ على وجوب قبول ما جاء عن رسول الله ﷺ مما زاد على القرآن.
وروي الحديث من وجه آخر من طريق المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنه، أن رسول اللهﷺ قال: «أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وأخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ»، وإسناده لا بأس به.
وصدق رسول الله، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فما زادنا هؤلاء المنكرون إلا يقيناً.

وأما دلالة عمل الصحابة رضوان الله عليهم على حُجّية السنة
(والقول في الاستدلال بالأخبار عنهم هو نفس القول في الاستدلال بالسنة على منكرها؛ فإنّ كثيرًا من منكري السنة يذكرونَ في سياق استدلالهم على قولهم أخبارًا للصحابة، يرون أنها تؤيّد موقفهم، فمن المهم –والحال كذلك– معرفة أخبار الصحابة التي تفيد تقديرهم للسنة وعملهم بها)، فهذا متواتر عنهم في مواقف كثيرة، بل إنه لا يُعرَف عن أحَدٍ منهم تركُ الاحتجاج بالسنّة، والعجيب أنَّ بعض الناس لا يعْرِف عن الصّحَابة إلاَّ روايات ضَعِيفَة يتخذها دليلا على عدم حجية السنة، كالتي جاءت عن أبي بكرٍ بحرْقِ خمسمائة حديث.

وإذا أتوا بروايات صحيحة عنهم فإنهم يقعون في سوء الاستدلال بها من وجهين:

▪️الوجه الأول: إساءة فهمها، كالاستدلال بموقف عمر مع أبي موسى، حين روى أبو موسى حديثا عن النبي ﷺ في الاستئذان، فطلب عمر من أبي موسى أن يأتيه بمن يروي معه هذا الخبر عن رسول الله، فيستدلون بهذا الخبر على عدم حجية أحاديث الآحاد، وهذا غلط، فإنَّ شهادة هذا الواحد مع أبي موسى لم تُخرِج الخبرَ عن دائرة الآحاد؛ لأنَّ حديث الآحاد ليس هو حديث الشخص الواحد، وإنّما هو ما دون المتواتر.
أيضاً، فما كان موقف عُمر من هذا الحديث بعد أن جاء أبو موسى بشاهد معه؟
هل ردّه؟ أم هل قال: هذه روايات غير مُلزمة؟ بل أخذ به، وقال مُتحسراً على عدم معرفته بهذا الحديث: «أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ».

▪️الوجه الثاني: إغفال الروايات الأخرى عن الصحابة في احتجاجهم بالسنّة. فمن ذلك مثلاً: موقف أبي بكر الصديق في قضية الميراث: قال الله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانْثَيَيْنِ} [النساء: ١١]، وهذه الآية عامة؛ تقتضي أن المال ينتقل من الآباء إلى الأبناء بالموت. فجاءت فاطمة إلى أبي بكر؛ تطلب ميراثها من أبيها رسولِ الله ﷺ، وطَلَبُها يوافق ظاهر القرآن، وكان عند أبي بكر نصّ من رسول الله ﷺأن الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه من مال فهو صدقة، -وهذا النص ثابت في صحيحي البخاري ومسلم-، فلم يعطها إياه لأجل ذلك. ولولا أنّه رأى في نفسه أن السّنة حُجّة ملزمة ومصدرٌ تشريعي؛ لما تمسّك بهذا القرار في مقابل إصرار فاطمة، وقال مُبيّناً أهمية النص النبوي وعدم جواز مخالفته: “إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ“. وكان عمر لا يورّث المرأة من دية زوجها, حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ؛كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. فعدل عمر عن رأيه إلى هذا النقل. وكان عمر يشدد في النهي عن أداء صلاة التطوّع في الأوقات المنهي عنها، وكان يضرب على ذلك بالدرة. مع أن هذا النهي إنما ثبت بسنة رسول اللهﷺ وليس في كتاب الله. وقال علي بن أبي طالب: “لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ مِنْ ظَاهِرِهِمَا“. قال: وَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ». فعليٌّ ترك القياس الذي رآه في هذه المسألة،  وقدَّم عليه فعلَ رسول اللهﷺ وهذا يدل على اعتباره الشديد لهذه القضية.
ومواقف الصحابة في احتجاجهم بالسنّة أشهر من أن يستدل عليها؛ إلا أنَّه حين تغيرت المفاهيم، وكثرت الشبهات، صار الإنسان محتاجًا إلى ذكر الأدلة والشواهد على ذلك!

وأما دلالة الإجماع على حجّية السنة:
فقد قال ابن عبد البرّ القرطبي المالكي في مقدمة التمهيد: “أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما علمت- على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت, ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً” اهـ. وهذا إجماع على حجية خبر الواحد فضلاً عن المتواتر.
وقال ابن حزم : “وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنّهم وإنسهم في كل زمان ومكان على أنّ السنّة واجب اتباعها، وأنها ما سنّه رسول الله ﷺ، …، فاعلموا رحمكم الله أنَّ من اتبع ما صحّ برواية الثقات مُسنَداً إلى رسول اللهﷺ فقد اتّبع السنّة يقيناً” اهـ.
وقال الشوكاني في (إرشاد الفحول): “إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام“. وتأمل قوله: “لا حظّ له في الإسلام” فمثل هذه الجملة لا تقال في مسائل الإجماع الظنّي. وقال المعلمي في (الأنوار الكاشفة) حين تكلم عن حجية خبر الآحاد, قال: “والحجج في هذا الباب كثيرة, وإجماع السلف على ذلك محقق“.


مكانة السنة في التشريع الإسلامي:

إضافة إلى ما تقدم ذكره من أدلة القرآن والسنة وعمل الصحابة والإجماع على حجية السنة ووجوب اتباعها، فلنتأمل في هذا السؤال:
لو لم يكن عندنا غير القرآن، ولا يوجد أيّ حديث من أحاديث الرسول ﷺ؛ فهل نستطيع أن نؤدي عباداتنا الشرعيّة الأساسيّة بصورة صحيحة أم لا نستطيع؟

لنبتدئ بالصلاة:
كم صلاة أُمرنا بأدائها في اليوم والليلة؟! هل هذا مذكور في القرآن؟

الجواب: ليس مذكوراً في القرآن، ولكنه مذكور في السنّـة.
وإذا علمنا أن المطلوب منا خمس صلوات فكم ركعة نؤدي في كل صلاة؟ هل هذا مذكور في القران؟

الجواب: لا، وإنما هو مذكور في السنة.
وإذا كان الله قد أمرنا في كتابه بالمحافظة على أوقات الصلوات، فمتى يدخل وقت العصر -مثلا- ومتى يخرج؟ هل فُصّل هذا في القرآن؟

الجواب: لا، وإنما جاء تفصيله في السنة!

وإذا كان النبي ﷺ قد قال لرجل صلى أمامه: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» لأنه أخلَّ بركن الطمأنينة، فهل هذا الركن -الذي لا تصح الصلاة إلا به- مذكور في القرآن؟

الجواب: لا، ليس مذكوراً صريحاً في القرآن وإنما جاء ذِكره في السنّة.
هذا كله في فريضة واحدة من فرائض الإسلام، وهي الصلاة!
فإذا انتقلنا إلى “الزكاة” سنجد أن الله سبحانه وتعالى أمرنا في القرآن بأداء الزكاة وذَكَر عقوبة مانعها، ولكن: هل تجب الزكاة في القليل والكثير من الأموال؟ أم أن هناك حداً معيناً إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة؟
وإذا كان الحد الذي تجب فيه الزكاة مـُعَيّناً، فما مقدار ما يُخرَج منه لتبرأ ذِمَّةُ المـُزكّي؟ النصف أم الثلث أم الربع أم العشر أم رُبْع العُشر؟
هل هذه الأشياء مذكورة في القرآن؟!

الجواب: لا، وكلها مذكورة في سنّـة النبيّﷺ.
وإذا انتقلنا إلى “الحج” من أركان الإسلام فمن المعلوم أن هناك مواقيت مكانية لا يتجاوزها الحاج أو المعتمر إلا بإحرام، فما هذه المواقيت؟ ومن أين علمنا ذلك؟
كل هذا مذكور في سنة النبيﷺ بالتفصيل، وليس مذكوراً في القرآن.
ومِن أظْهَر شعائر الحج رميُ الجمرات؛ فهل ذُكِر ذلك في القرآن؟
لا، ليس مذكوراً فيه، بل في سنّة النبيﷺ!
والأعجب من هذا كله أننا لم نعلم أن للإسلام أركاناً خمسة إلا من طريق السنة!
ولو نظرنا إلى سائر أبواب الشريعة سنجد مثل ما تقدم ذكره في أركان الإسلام من وجود أحكام هامة لم تُذكَر إلا في السنة.
ولا شك أنّ هذه الأمثلة تبيّن لنا أهميّة السنة ومحلها من التشريع، وأنها ليست مجرد أخبار يُستأنس بها!
وقد يرِد سؤال بعد التقرير السابق، وهو: ألم يقل الله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِ شَئٍ}[النحل: ٨٩]؟ فلماذا لم يتم ذِكر هذه الأحكام المهمة في القرآن؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن من تبيان القرآن أنّ الله قال فيه {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر:٧] وقال:{وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}[المائدة:٩٢], وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}[النساء:٦٥] والسنة داخلة في هذا كله.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أن النبي ﷺ يبين لنا ما نُزِّل إلينا، ويعلمنا الكتاب والحكمة -التي هي السنّة-.
وأيضاً، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[النساء:٥٩].
وفي هذه الآية إشارة إلى أن الله سبحانه سيحفظ سنة نبيه ﷺ حتى تكون مرجعاً عند النزاع.
وفيها دلالة أيضاً على أنّ أحاديث الرسول ﷺ-مع القرآن- شاملة لجميع أبواب الشريعة، لأن الأمر بالرجوع إليهما عند النزاع يدل على وجود فصل النزاع فيهما.

اعتراض: يدعي بعض المنكرين أنه لا اشكال لديهم مع أقوال الرسول ﷺ وإنما اشكالهم مع طريقة نقلها وتوثيقها؛ فيقولون: إن علم الحديث ليس جديرًا بأن يوثق به، فيردون السنّة بهذه الحجية. وللجوابِ عن هذا الاعتراض؛ نفصّل القول في شيء من منهجية المـُحدّثين وطريقتهم في توثيق السنة.

كيف يحكم المحدثون على الحديث بالصحة؟

أهل الحديث يحكمون على الحديث بأنّهُ صحيح إذا توفرت فيه خمسة شروط، وهذه الشروط -إجمالاً- هي:

▪️(١)- عدالة الرواة،

▪️(٢)- وضبطهم،

▪️(٣)- واتصال الإسناد،

▪️(٤)- وسلامة الحديث من الشذوذ،

▪️(٥)- وسلامته من العلة.

وأما تفصيلاً، فكما يلي:
▪️الشرط الأول: (عدالة الرواة):
يُروى الخبر عن رسول الله ﷺفي كتب السنة عن طريق سلسلة من الرواة، من صحابة النبي ﷺإلى مُصنّفي الكُتُب، وقد تتكون هذه السلسلة من ثلاثة من الرواة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من ذلك. فاشترط المحدثون لقبول خبر الرواة في هذه السلسلة أن يكون كل واحد منهم عَدْلاً. والعدالة هي السلامة الدينية، وضدّها الفسق، فالذي يُعرف بالمعاصي وارتكاب المحرمات لا يكون عدلاً، ولا يُعتمَد على ما روى، فالمحدثون لا يقبلون خبره؛ لأنه إذا تجرأ على الحرام بلا توبة؛ فقد يتجرّأ فيكذب على رسول اللهﷺ!
وإن قال قائل: قد يتلبّس إنسان بالصلاح ظاهرًا، ويكون في باطنه فاسدًا، وربما يضع الحديث ويكذب على رسول الله ﷺ مستغلاًّ مظهره الزائف! فنقول: إنَّ هذا الأمر لم يَفُت على المحدّثين! فإذا كانوا يقولون في بعض العُبّاد الكبار ذوي الصلاح الحقيقي: لا تقبلوا أحاديثهم! لأنهم اختبروها وعرضوها على أحاديث الثقات، فوجدوا أنهم لم يضبطوا الحديث؛ فإذا كانوا قد اكتشفوا أخطاء هؤلاء مع صلاحهم الحقيقي فكيف لا يكتشفون كذب أولئك مع صلاحهم المزيّف؟

▪️الشرط الثاني: (الضبط):
لا بُدَّ لقبول خبر الراوي -في ميزان المـُحدّثين- أنْ يُعرَف -زيادة على العدالة- بالضبط والإتقان.
لأن الراوي قد يكون عدلاً صالحاً، ولكنه لا يضبط الأخبار، فمِثلُ هذا لا يُخشى من تعمده الكذب وإنما يُخشى من خطئه وغلطه.
وكيف يعرف النقاد ضبط الراوي وإتقانه؟
يعرفون ذلك بعدد من الوسائل، منها اختبار الراوي، ومنها اختبار مروّياته ومقارنتها بروايات الثقات. قال ابن الصلاح في النوع الثالث والعشرين من أنواع علوم الحديث في كتابه علوم الحديث:
يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر (أي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه“.
وقال يحيى بن معين: “قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله“.
ومعنى قولِ ابن معين لابن عُليّة: “عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة“، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لمروياتك وأحاديثك بمرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثَر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق!!
وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحُكم على الرواة: اختبار أحاديثهم وعرضها ومقارنتها بأحاديث باقي الثقات. وعلى قدر توافق روايات هذا الراوي المـُختَبَر مع روايات الثقات يحكمون عليه بالضبط والإتقان. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزيادة أو نقصان، أو تغيير اسم أو قلب إسناد أو غير ذلك من الأخطاء المتعلقة بالضبط يعرفون مستوى ضعفه!

▪️الشرط الثالث: (اتصال الإسناد):
يحرص المحدّثون على التأكد من اتصال إسناد الرواية التي يُراد الحُكم عليها، فإذا وجدوا انقطاعاً فيها فإنهم يحكمون عليها بالضعف -في الجملة-؛ لأنها إذا لم تكن متصلة فمعنى ذلك أن هناك بعض الرواة قد سقطوا من الإسناد، ونحن لا نعلم حال هذا الراوي الذي سقط، هل هو عدل ضابط أم لا.

▪️الشرط الرابع: (السلامة من الشذوذ):
يرجع مصطلح الحديث الشاذ عند المحدّثين إلى معنيين:
-الأوَّل: مخالفة الثقة للثقات. فإنّ الراوي إذا خالف رواية الثقات فإنهم يردون حديثه ويعتبرونه شاذّاً.
-الثَّاني: أنْ يتفرَّد راوٍ لم يُعرف بالتقدم في الضبط والإتقان بأصل من الأصول عن النبي ق, أو بما لا يحتمل مثله أن يتفرّد به. فإن أحاديث النبيّ ق قد شاعت وذاعت بين الرواة، وخاصة في طبقة أتباع التابعين فما بعد، فلأجلِ ذلك يستنكر المحدثون بعض أنواع التفرد من الرواة، ويطبقون في ذلك قواعد عقلية وتجريبية نافعة جداً، منها: النظر إلى حال الراوي المتفرد، وإلى قرائن في الإسناد وإلى قرائن في المتن لا يسع المجال لبسطها، وبعد تحكيم هذه القرائن قد يقبلون التفرد وقد يردونه، فليس كل تفردٍ مقبول، ولا كل تفرّد مردود.

▪️الشرط الخامس: (السلامة من العلة ):
وهذا الشرط هوَ الميْدان الأكبر لإبداع علماء الحديث وظهور تقدمهم وفهمهم.
فقد يأتيهم إسناد تتوفر فيه الشروط الأربعة الماضية: عدالة رواته، وضبطهم، واتصال إسناده، وسلامته من الشذوذ.

ومعنى ذلك أنّ ظاهره الصحّة، ولكنّ هذا غير كافٍ عند العلماء، فقد يكشفون فيه علّة خفيّة تظهر غالباً مع جمع طُرق الحديث، قال ابن القيم في كتابه (الفروسيّة):

وقد عُلم أن صحّة الإسناد شرطٌ من شروط صحة الحديث وليست موجبةً لصحة الحديث؛ فإن الحديث إنما يصحّ بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وألّا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذّ عنهم“اهـ.

ولذلك؛ فإن الناقد إذا أراد الحكم على رواية فإنه يجمع أسانيدها، ويُقارن بينها متأملاً بعين الخبير، ويستعمل قرائن كثيرة؛ ليرجح بعض هذه الأسانيد على بعض حال اختلافها.
وبطريقة المقارنة هذه يكتشف علماء الحديث أخطاءَ الثقات، ويستخرجون العِلَلَ الخفيّة، وههنا تظهر عظمة علم الحديث، ودقّته.
وقد ذكر الإمام ابن الصلاح في علوم الحديث، في النوع الثامن عشر، نقلاً عن الخطيب البغدادي أنه روى عن الإمام علي بن المديني قوله:

إن الحديث إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يتبين خطؤه“.

وبمجموع هذه الشروط الخمسة يتبيّن لنا قدر الحالة الاختزالية التي يتعامل بها طائفة مع الشباب مع السنة وعلومها وطريقة التعامل معها.


علم العَبـــــــاقـــرة

كثيرة هي التساؤلات والاتهامات الموجهة نحو علم الحديث في هذا الزمن خاصة، وبعض هذه الاتهامات يستحق أن يُجاب عنه بتفصيل لعله يزيل اللبس الحاصل، والبعض الاخر حين يسمعه أو يقرؤه المتخصص في علم الحديث فإنه يتعجب من الوصول إلى هذه الدرجة من الظنون التي ينافح عنها أصحابها بدعوى التجديد والتحرر، وهي في الميزان العلمي لا تساوي صفراً!!

وخلاصة هذه التساؤلات والاتهامات تنادي بأن علم الحديث ليس كافياً ولا دقيقاً في إثبات صحة نسبة الكلام المنسوب إلى النبي ﷺ من عدم صحتها، وأن هذا العلم اختلط بأوزار السياسة وألاعيبها وبالطائفية حتى تحكمت فيه وأثرت في تكوينه ونتائجه.
وأستطيع أن أجزم بأن أغلب من يلقي هذه الاتهامات ليس لديه اطلاع كاف على هذا العلم الذي يتحدث عنه، فضلاً عن أن يكون مختصّاً فيه!
إن السعي لإثبات دقة علم الحديث وصواب موازينه وعدلها يحتاج إلى كلام طويل جدًا وإلى عرض لأمثلة كثيرة تُثبت صحة هذه القضية.
ولعلي هنا أتحدث معكم عن جزء يسير من أجزاء هذا العلم كمثالٍ على باقيه، وهو ما يتعلق برواة الأحاديث، وكيفية الحكم عليهم بكون أحدهم ثقة أو ضعيفاً.

قد تتعجب إن قلت لك بأن علماء الحديث قد دونوا في سجلاتٍ ضخمة معلومات لآلاف الرواة الذين رووا أحاديث النبي ﷺ، وكأنها سجلات إلكترونية لطلاب جامعة من الجامعات المتقدمة التي لديها ملف متكامل عن كل طالب بمعلوماته الشخصية والعلمية وتاريخه الدراسي السابق واللاحق ومستواه وتقييماته وما إلى ذلك.
وهذا الأمر ليس تخرصاً بل واقعاً، وسأضرب مثالاً بكتاب من هذه الكتب التي تعتبر سجلا ضخما للآلاف من الرواة.
إنه كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال لمؤلفه الإمام العالم أبو الحجّاج يوسُف المِزِّي. كانت وفاته عام ٧٤٢هـ.. وهذا الكتاب مطبوع في خمسة وثلاثين مجلداً!! حوَت هذه المجلدات أكثر من ثمانية آلاف ملفّ لرواة الأحاديث الذين لهم رواية في الكتب الستة التي هي: البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه!
وأما باقي الرواة الذين لم يرووا في هذه الكتب الستة مثل الرواة في مسند الإمام أحمد وسنن البيهقي ومستدرك الحاكم، فلهم كتب أخرى تتحدث عنهم غير كتابنا تهذيب الكمال.
والعجب أن هذا الكتاب الضخم (٣٥ مجلداً) إنما هو مختصر من كتاب أكبر منه اسمه الكمال، فكتابنا هذا هو “تهذيبٌ” لكتاب (الكمال) الذي صنّفه الحافظ عبدالغني المقدسي.
يحوي كل ملف من ملفات الرواة الموجودة في كتاب تهذيب الكمال، هذه المعلومات عن الراوي: اسمه، اسم أبيه، قبيلته، كنيته، روى عن من، ومن روى عنه، تاريخ وفاته، حاله من ناحية الثقة أو الضعف، ذِكر بعض الأمور الحديثية المتعلقة بروايته إن كان من الرواة الذين في أحوالهم تفصيل.

وهنا نستعرض أنموذجًا من هذه الملفات حتى تتضح الصورة.
اخترت لك واحدًا من الرواة في هذا الكتاب العظيم، اسمه يحيى بن زكريا، وأتركك مع هذا النص الذي اختصرته كثيرا لأن ملف هذا الراوي طويلٌ جداً. وكثيرة هي الملفات الطويلة في هذا الكتاب.
قال المزي:

يحيى بن زكريا بن أبي زائدة واسمه مَيْمُون بْن فيروز الهمداني الوادعي أَبُو سَعِيد الكوفي مولى امرأة من وداعة وقيل مولى مُحَمَّد بْن المنتشر الهمداني.
روى عن أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الثقفي(د ت ق)، وإسرائيل بْن يُونُس(م)، وإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد وحارثة بْن أَبِي الرجال(ق)، وحجاج بْن أرطاة (م س)، وحريث بْن أَبِي مطر (ق).

وذكر شيوخاً كثيرين مع ذكر رموزٍ بعد هؤلاء الشيوخ حذفتهم للاختصار.
ربما تلاحظ هذه الرموز التي يضعها المصنف أمام كل شيخ من شيوخ يحيى بن أبي زكريا وهذه الرموز هي من أكثر الأشياء المبهرة في هذا الكتاب، بل وفي علم الحديث، ولشرحها باختصار إليك ما يلي:

تذكّر أنّنا قلنا في البداية أن هذا الكتاب خاص برواة الكتب الستة، وهذه الكتب كل واحد منها له رمز، فالبخاري خ، ومسلم م وأبو داود د، والترمذي ت، والنسائي س، وابن ماجه ق، فحين يذكر لنا المؤلف ما يلي »روى عن أَبِي يَعْقُوب إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الثقفي(د ت ق) «فمعنى ذلك أن رواية يحيى بن أبي زكريا عن هذا الشيخ الذي هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ليست موجودة في كل الكتب الستة، وإنما في (د) الذي هو أبو داود، وفي (ت) الذي هو الترمذي، وفي (ق) الذي هو ابن ماجة، فقط!
وهذه الدقة أشبه ما تكون بالخيالية إذا علمت أنها شملت آلاف الرواة، وكل راو منهم له شيوخ كثيرون. إضافة إلى أنه يصنع نفس الشيء في نسبة رواية تلاميذ الراوي عنه، ويضع الرموز كما ستقرأ هنا.
حيث قال :

روى عنه إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الْفَرَّاء (خ م د) وأَحْمَد بْن حَنْبَل (م) وأَحْمَد بْن منيع الْبَغَوِيّ (د ت س) وأسد بْن مُوسَى (د) وإِسْمَاعِيل بْن أبان الوراق (ص د) وإِسْمَاعِيل بْن توبة القزويني (ق) والحسن بْن عرفة وحسين بْن علي الكوفي (د).

-وذكر تلاميذ كثيرين جداً رووا عنه حذفتهم أيضا للاختصار.
ثم بدأ هنا في نقل كلام المحدثين في حال هذا الراوي من حيث الثقة والضبط (وأيضاً باختصار شديد)، قال المزّي:
قال إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الْفَرَّاء عَنْ أَبِي خَالِد الأحمر: كَانَ جيد الأخذ. وقال أيضًا، عَنِ الْحَسَن بْن ثابت: نزلت بأفقه أهل الكوفة يَعْنِي يَحْيَى بْن أَبِي زائدة.
وقال عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حَنْبَل، عَنْ أَبِيهِ، وإسحاق بْن مَنْصُور، وأَحْمَد بْن سَعْد بْن أَبِي مَرْيَم، عَنْ يَحْيَى بْن معين: ثقة .
وقال عُثْمَان بْن سَعِيد الدارمي: قلت: ليحيى بْن معين: “إِسْمَاعِيل بْن زكريا أحب إليك، أو يَحْيَى بْن زكريا؟” قال: “يَحْيَى أحب إلي”.
قلت: “هما أخوان عندك؟” قال: “لا”.
وقال علي بْن الْمَدِينِيّ: هُوَ من الثقات. وقال فِي موضع آخر: لم يكن أحد بالكوفة بعد الثوري أثبت من ابْن أَبِي زائدة. وقال فِي موضع آخر : انتهى العلم إلى ابْن عَبَّاس فِي زمانه، ثُمَّ إلى الشعبي فِي زمانه، ثُمَّ إلى الثوري فِي زمانه، ثُمَّ إلى يَحْيَى بْن أَبِي زائدة فِي زمانه.
وقال أَبُو حاتم: مستقيم الحديث، صدوق، ثقة .
وقال النسائي: ثقة، ثبت .
وقال العجلي: ثقة، وهُوَ ممن جمع له الفقه، والحديث، وكَانَ على قضاء المدائن، ويعد من حفاظ الكوفيين للحديث، مفتيا، ثبتا، صاحب سنة«.
إذاً، فقد قرّر المحدّثون أن هذا الراوي ثقة ومن أعلى درجات الثقات لأنهم وصفوه بالـثبت زيادة على وصفهم له بالـثقة. ومع هذا كله أرجو أن تقِفَ معي على هذه العبارة فهي مهمة جدا وتُبين الدقة العجيبة عند المحدثين: قال المزي:
»وقال الغلابي، وعباس الدوري، عَنْ يَحْيَى بْن معين: كَانَ يَحْيَى بْن زكريا كيّسا ولا أعلمه أخطأ إلا فِي حديث واحد، حدث عَنْ سُفْيَان، عَنْ أَبِي إِسْحَاق«.
لاحظ أن هذا الراوي مع أنهم امتدحوه وقالوا فيه من الثناء بالضبط الشيء الكثير ، إلا أنه لم يفُتْهُم أنه أخطأ في حديث واحد، بل وعلموا وحددوا الحديث الذي أخطأ فيه!!
ثم ختم المزي ترجمة هذا الراوي بكلام أهل العلم في سَنَة وفاته، فمما نقله في هذا ما يلي

قال الْهَيْثَم بْن عدي: توفي فِي خلافة هَارُون.
وقال علي بْن الْمَدِينِيّ: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.
وقال هَارُون بْن حاتم، ومُحَمَّد بْن سَعْد، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الحضرمي: مات بالمدائن سنة ثلاث وثمانين ومائة، زاد مُحَمَّد بْن سَعْد هُوَ قاض بها.

نقلب هذه الورقة الجميلة لننتقل إلى ورقة أخرى لا تقل عنها جمالاً، وهي تتحدث عن كيفية حُكم المحدثين على الرواة بكون أحدهم ثقة أو ضعيفا.
الذي يعرف علم الحديث يُدرك أن هناك مجموعة من أفذاذ هذا العلم تميزوا في الحكم على رواة الأحاديث، ولكن قد يتعجب غير المتخصص من بعض النقاط في هذه القضية، فمثلاً: يحكم المحدث على راوٍ أنه ثقة أو ضعيف، وليس هذا الراو معاصراً له، بل يكون قد مات قبل ولادة هذا المُحدِّث!! فكيف استطاع الحُكم عليه؟!
كذلك، كون المحدث يحكم على راوٍ عاصره أو لم يعاصره بأنه متقن في الحفظ، ألا يحتاج هذا إلى مقياس دقيق يميز به مستوى حفظه وضبطه؟
تعال معي إلى هذا الموقف لنستكشف الإجابة:

«قال يحيى بن معين: “قال لي إسماعيل بن عُلَيَّة يومًا: كيف حديثي؟ قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله».

ما الذي لاحظته في القصة؟
إسماعيل بن علية أحد الرواة المشهورين جدا يسأل ابن معين الذي يُعتبر أستاذ الحُكمِ على الرواة، فيقول: كيف حديثي؟ يعني: كيف راواياتي، كيف ضبطي فيما أنقله من الأحاديث؟ فرد عليه ابن معين بأنه مستقيم الحديث، فرد عليه إسماعيل يسأله نفس السؤال الذي طرحناه بالأعلى: كيف عرفتَ أني ضابط مستقيم الحديث؟ كيف يعرف المحدثون ذلك؟

فقال ابن معين عبارته المهمة “عارضنا بها أحاديث الناس. فرأيناها مستقيمة”، أي: أجرينا عملية اختبار ومقارنة لمروياتك وأحاديثك التي نقلتها مع مرويات باقي المحدثين الثقات، فوجدنا أن رواياتك توافق رواياتهم ولا تخالفها فعلمنا أنك ثقة من أثر هذه المقارنة العملية، والاختبار الدقيق!!
وهذا هو المنهج الذي سار عليه المحدثون في الحُكم على الرواة: اختبار أحاديثهم وعرضها ومقارنتها بأحاديث باقي الثقات. وعلى قدر التوافق المتكرر من هذا الراوي مع الثقات يكون مستوى ضبطه واتقانه. وبقدر مخالفته لهم في النقل بزيادة أو نقصان، أو تغيير اسم أو قلب إسناد أوغير ذلك من الأخطاء المتعلقة بالضبط يعرفون مستوى ضعفه!
كما قال ابن الصلاح -وهو من كبار علماء الحديث المتأخرين- في النوع الثالث والعشرين من أنواع علوم الحديث في كتابه علوم الحديث:
«يعرف كون الراوي ضابطاً بأن نعتبر (أي نعرض ونختبر) روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة -ولو من حيث المعنى- لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطاً ثبتاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نَحْتَجَّ بحديثه «.
ولأجل هذا تجد أن كثيراً من أهل الحديث يقبلون الحديث ممن عنده مخالفات عقدية ويخرجون له في كتب الصحاح مع أنهم ينكرون عليه مخالفته أشد الإنكار إذا كان صادقاً وثبت أن حديثه مُستقيمٌ متقَن، ومن أبرز الأمثلة على ذلك صحيحا البخاري ومسلم. وقد استقصى ابن حجر في “هدي الساري في مقدمة شرحه لصحيح البخاري” جميع الرواة في صحيح البخاري الذين أُخذ عليهم مخالفات عقدية وبين نوع المخالفة وشيئا من التفصيل في ذلك. وهذا الكلام ينقض كلام بعض المتسرعين الذين يوهمون بكلامهم أن قبول الأحاديث وردها لم يكن يعتمد على قضية الضبط والصدق بل على المذهب فقط!!
ومع أنه يوجد من أهل الحديث من لايروي عن أهل البِدَع، إلا أن كثيرا من المحدثين قبِل أحاديثهم على تفصيل معروف في كتب علم الحديث.
وهذا الاختزال في تصور وتصوير منهج المحدثين في الحكم على الرواة وقبول أحاديثهم، يُشبهه الاختزال الخاطئ لمنهجهم في الحكم على الإسناد والمتن، حيث يُدَّعى أن حكمهم إنما هو على الإسناد فقط. وهذه دعوى غير صحيحة أبداً، فإن المحدثين يراعون النظر إلى المتن، بل قد يحكمون على الراوي بالضعف إذا أتى في المتون التي يرويها بأشياء منكرة لا تُعرَف!! وتفصيل هذا يطول جدا.
والمراد من هذا الاستعراض السريع لجزء يسير من علم الحديث أن نعرف دقة هذا العلم وانضباطه وصلاحيته لأن يكون ميزاناً في القبول والرد لما يُنسب إلى النبي ﷺ من أقوال وأفعال.

0

الكاتب: أ. أحمد السيد

القراءة الصوتية: عبدالرحمن الهلالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى