تعزيز اليقين

ومضات للمحاور المسلم

درسٌ دعويٌّ ونصائحُ قيّمة مستفادة من كتابِ صيدِ الخاطر

من جماليّة هذه الأمّة أنها موصولةٌ وصلًا لا ينقطع بزمان ولا مكان، فأوّلُها يمهّد الدرب لآخرِها، وآخرُها يرتوي من نبعِ أوّلها حتى يشبّ سويًّا صحيحًا قادرًا على إكمال مسيرةِ العطاء لمن يلحَق به، وهكذا. ومن جماليّة هذا الوصل أنّه يجعل المسلم منّا قادرًا على استقبال إرثِ سلَفه وقراءته بغير نظارةٍ واحدة. فنفس النصّ حين تطّلعُ عليه طفلًا ترى فيه ما لا تراه حين اطِّلاعك عليه شابًّا أو كهلًا، ونفْسُ النصّ حين تطّلع عليه وأنتَ معلِّم تستنبطُ منه غيرَ ما يجِدُه المهندس أو الطبيب أو المزارع، ونفسُ النص حين تطّلع عليه وقد ولجْتَ مسار الدعوة إلى الله تضيءُ قلبَك فتوح منه لم تجِدها قبل هذا الاصطفاءِ الإلهي.

لذلك لم أتعجَّب حين أعدتُ قراءة كتاب ” صيدِ الخاطرِ” النّفيس للإمام ابن الجوزيِّ رحمه الله وأنا على دربِ متابعة المهتدين الجُدُد وتعليمِهم دينهم، إذ قابلتُ وقَفاتٍ لم ألتفِت لها من قبل حين قرأتُ الكتاب للمرة الأولى منذ أكثرَ من عشر سنوات.  لِمَ العجب وقد ارتديتُ نظارة الدعوة فرأيتُ بعدستيها؟ انطلاقًا من هنا وددتُ مشاركة جانبٍ من اقتباسات الكتاب النفيسة ووقفاتي معها لعلّ الله –تعالى- ينفع بها شركاءَ الدرب، الدّاعين إلى اللهِ بإذنه: المحاورين والمتابعين والمعلّمين، وكذلك المدعوّين الكرام الباحثين عن الحقِّ إن أرادوا أن يطلعوا على جانبٍ من الثقل الدعويّ الذي يحمله كل داعية إلى الله بحقٍّ على كاهله، والمَسير الذي يقطعه الواحد منهم قبل أن يجيب سؤالًا أو يقيم حوارًا. فلنتصفح معًا شيئًا من نفائس ابن الجوزيِّ بنظارة الدعوة إلى الله، وأكرِم بها.

*عدّاد المهتدين الجدد، وهمّ القلب*

اقتباس١:  

“ولقد تاب على يدي في مجالس الذِّكر أكثر من مائتيّ ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتيّ نفس، وكم سالَت عين متجبِّر بوعظي لم تكن تسيل. ولقد جلستُ يومًا فرأيت حولي أكثر من عشرة آلافٍ ما فيهم إلا مَن قد رقّ قلبه أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بكِ إن نجوا وهلكتِ! فصِحتُ بلسان وجدي: إلهي وسيّدي، إن قضيتَ عليّ بالعذاب غدًا، فلا تُعلِمهم بعذابي صيانةً لكرمك لا لأجلي، لئلّا يقولوا: عذّب من دَلّ عليه. إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه وسلم: اقتل ابن أُبَيّ المنافق، فقال: “لا يتحدث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه” (صحيح رواه البخاري ومسلم) “

وأقولُ: ونحن كمحاورين لغير المسلمين وغيرِ الموقنين، وكمتابعين للمهتدين الجُدد معلّمين لهم، إذ نقرأ قطعة كهذه، نجد لنا فيها غير وَقفة، منها:

  • ١-هذا هو الإمام جمال الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بنُ الجوزيِّ، شيخ صناعة الوعظ، ودرّةُ المجالس، وجامع الفنون، وصاحب التّصانيف الكثيرة. كم تتصوّرُ أن يكون عددُ من أسلم على يده؟ إلى أن خَطّ صيد خاطره -رحمه الله- كانوا حول مائتين فقط. هذا عددٌ ربما يراه بعض محاوري ودعاة اليوم قليلًا، يطمحون لتجاوزِه، ويلتهمون الحوارات التهامًا ليقتنصوا في أقل زمنٍ ممكن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله على لسان من يحاورون، ليزيدوا عددَ من نطقها على أيديهم واحدًا فسرعان ما يتحولون بعدها إلى غيره وغيره وبهذا يظنون أنهم أصحابُ هممٍ عالية وجهود تفوقُ جهود غيرهم ممن لم يُحرزوا الرقم ذاته من الأهداف الدّعوية في مرمى محاوريهم. ليس هذا كل شيءٍ، بل أيضًا تَشغل بعضَهم الاستزادةُ من عدد ناطقي الشهادة على أيديهم عن التعاون مع معلّمي من أسلموا بالفعل، فلا وقتَ لديهم لتلبية طلب المعلّم لإعادة الحوار مع المهتدي الجديد الذي تُداهمه شبهة أو حتى على شفا الردّة والعياذ بالله. ليس هذا الأصل في المحاورين الدعاة، لكنه بلا شكٍّ معلوم وجوده من كل من يعمل بالحقل الدعويّ اليوم ولا سيما الإلكترونيّ منه، وهذا بلاءٌ عظيم. نتعلم هنا أن العدد ليس هدفًا، “فواللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم” كما حدثنا سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم. إنما الهدف دومًا هو التبليغ بإخلاصٍ وإتقان، وأن تكون الدعوة إلى الله همًّا حقيقيًّا يحمله الداعية بصدقٍ بين جوانب صدره وطيّات قلبه حيثما كان، والله الموفِّق والمستعان.
  • ٢-مهما بلغ الداعيةُ إلى الله من نجاح، فإن عينه على قلبه لا تتحوَّل عنه. هل سبق لك أيها المحاور أن تأثّرَ بكلماتك فردٌ أو اثنان أو عشرة أفراد فتحوّل قلبك عن النظر إلى ما وقرَ فيه وإلى صدق مسعاكَ من عدمه، إلى هذا التأثر الواضح من الناس بمقالِك؟ وهل سبق لك أيها المتابع المعلِّم أن أتممتَ تعليم مجموعة من عشرين مهتديًا جديدًا كيفية الصلاة مثلًا ورأيت التعليقات الإيجابية منهم فانشغلتَ بالرد عليها عن الحديث مع نفسك تسألُها أين هي من التقوى ومن خطى الناجين؟ إن حدث هذا فلنا العبرةُ من الإمام ابن الجوزيِّ حين التفَّ حوله أكثر من عشرة آلاف وهو مَن هو، كلُّهم متأثرون باكون، يظنون أنه حاضرٌ معهم بكل قلبه وجوارحه، والحقيقة أنه كان في حضور أهمّ مع قلبه يفتّش عن موضعه وسط قلوب الناجين ويسأل الله ألا يزيغَ فيلحق بالهالكين.
  • ٣-ثم يخرج ابن الجوزي من الهمّ بنفسه إلى الهمّ بعشرة آلاف نفسٍ كان سببًا لهدايتهم بإذن ربه، وكذا حالُ الداعية إلى الله، يهتمّ لنفسه لأنه مأمور باتباع سبُل نجاتها، لكنه أبدًا لا يغفل عن نفوسِ أمته، أمّةِ محمد صلى الله عليه وسلم. يسأل الله أن ينجّي من اهتدى ولا يفتنه في دينه أبدًا، ومن المهمِّ التفريق بين حديث الإمام لنفسه هنا وبين جلد الذات المذموم أو الوسواس الذي في غير محله بعدم قَبول العمل أو بالهلاك والفتنة بعد الهدى، فالإمام هنا يذكّر نفسه فقط بأن دوام السَّير على درب الناجين يتطلب منه الانتباه وعدم الاغترار بأعداد المهتدين على يده، لكنه مع هذا يُحسن الظن بالله ويرجو رحمته ويظهر هذا حين تقرأ القطعة في سياقها بالكتاب.

الجمع بين الخوف والرجاء هنا هو الدرس.

-فهل تضع نصب عينيك عدد مَن يستجيب لدعوتك فحسب؟ أم تبلّغ رسالة الإسلام مخلصًا متقنًا وتسأل الله التوفيق؟ وما همّ قلبك خلال الدعوة وبعدها؟

 

*البناءُ على السليم من المنطقِ والفطرة*

اقتباس٢:

“اعلم أن الله تعالى وضعَ في النفوس أشياءَ لا تحتاج إلى دليل، فالنفوس تعلمها ضرورةً، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها. فإنه وضعَ في النفس أن المصنوع لابدَّ له من صانعٍ، وأن المبنيّ لابد له من بانٍ، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسمَ الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة.”

وأقولُ: هذا قولٌ في التَّعويل على السليمِ من المنطق، أو ما عُرِفَ بالمبادئ العقلية الأولية، التي تضم: مبدأ الهُويّة أو الذَّاتية، ومبدأ عدمِ التناقض، ومبدأ الثالثِ المرفوع، ومبدأ السببيَّة. وتلك المبادئ مدخَل دعوي لا يخفى على داعيةٍ محاور، لكن ما أود الإشارة إليه أنه أيضًا أداةٌ مهمة في يد المتابع المعلِّم للمهتدي الجديد، عليه ألا يغفل وجودَها. رأيت من دور المعلِّم الماهر أن يقفَ على مواضع السلامةِ في قلبِ ونفس ومنطق المهتدي الجديد، فيوظّفُها لتيسير العملية التعليمية فتقلُّ مشقّةُ بذل العلم وطلبه على كل من المعلِّم والمتعلّم. على سبيل المثال: يمكن للمعلّم أن يعوّل على مبدأ السببية القائلِ بأنَّ لكل شيء في هذا الوجود خصائصُ وحدودٌ يعجز عن تجاوزها فخصائصه الذاتية يفقدها إذا فقد أسباب وجودها، وبناءً عليه كانت مُقدِّمتا دليل الإيجاد -من أدلة وجود االله-:

  • ١- كل حادِث من عدَم لابُدَّ أن يكون له محدِث.
  • ٢- الكون حادِث من عدَم، إذًا لابد له من محدِث.

يمكن أن يعوّل المعلّم على ذلك في شرح العقيدة ومعنى شهادة التوحيد، وفي شرح اسم الله الخالق، وفي غير ذلك. فلا يثقل المعلّم كاهلَه بأن يبدأ من الصفر وكأنه يتحدث إلى كائنٍ غير بشري لا مشترَك منطقي يجمعه به، وإنما يتلمس ما سَلِم من منطق المهتدي الجديد وينطلق منه، وكذلك يتلمس ما سلم من فطرته ويبني عليها.

-على الداعية -مهما كان دوره- أن يقفَ على السليم لدى المدعوِّ ويبني عليه ليعالج مواضع السّقَم.

*همّتك = مقامُك*

اقتباس٣:

“إن القوم خُلِقَت لهم همم قاصرةٌ في الدنيا على طلب الفضائل، ثم يتفاوت قصورها. فمنهم من يحفظ بعضَ القرآن ولا يتوق إلى التمام، ومنهم من يسمع يسيرًا من الحديث، ومنهم من يعرف قليلًا من الفقه، ومنهم من قد رضي مِن كل شيء بيسيره، ومنهم مقتصر على الفرائض، ومنهم قَنوع بصلاة ركعتين في الليلة، ولو عَلَت بهم الهمم لجدّت في تحصيل كل الفضائل. ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهَر في سماع سمر ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن. والإنسان يُحشَر ومعه تلك الهمّة، فيُعطَى على مقدار ما حصّلَتْ في الدنيا، فكما لم تتُق إلى الكمال وقنعت بالدون قنعت في الآخرة بمثل ذلك.”

وأقول: وكذا الهمم تتفاوت في ميدان الدعوة، فنجد القانع بدعوة أو تعليمِ فرد أو اثنين، والطامح إلى تعليم عشرة، ونجدُ من يتوقُ لتعليم قريةٍ كاملة فُتِحَت، ونجد من يسأل الله ليلَ نهارَ أن يستخدمه من حيث لا يحتسب في فتح العالم كله ثم تعليمِ أهله. هممُنا تضعنا أمام عدّة حقائق حول ما نصدّق عن ربنا وأنفسِنا، إذ لا شيء يمكنه تطويق همّتك أو التضييق عليها إلا تصوّراتُك أنت وثوابتك أنت. ووالله إني رأيت من لا يعرفُ لغات أهل “غانا” مثلًا، لكنه صدق النية وعلت همته وأكثر الدعاء وسعى بما يقدر عليه، فاستخدمه الله في فتح خمسِ قرى في غانا وأسلم ثمانون شخصًا بسببه وبدأوا رحلة طلب العلم الشرعيِّ، ومَن يعمل بالحقل الدعوي يرى فتوحًا وعجبًا أكثر من هذا بكثير.

-ليكن سؤالك لنفسك يوميّا: إلى أين تصل همتكِ يا نفس؟ ثَمَّ مقامك.

*المتاح اليوم غير متاح غدًا*

اقتباس٤:

“إن العاقل لَيبادر السلامة، فيدَّخر من زمنها للزمن، ويتزود عند القدرة على الزاد لوقتِ العسرة، خصوصًا لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علوِّ العمل لها، وأن التدارُك بعد الفوت لا يمكن.”

وأقول: من العقل أن تغتنم أيها الداعية كل يوم في عمرك تتاح لك فيه دعوة الخلق إلى خالقهم، قبل أن يداهمك انشغال شديدٌ أو عجز أو مرض أو انقطاع سببٍ كان بوابتَك للعمل الدعوي. وأذكّر نفسي وإياكم بأن المتاح اليوم لا تضمن إتاحته غدًا، وتدرك هذا بلا شك إذا نظرتَ إلى ما كان متاحًا بالأمس القريب واليوم لا نتحصّل عليه. على سبيل المثال: اليوم يتاح لك الدعوةُ الإلكترونية لأن خدمة الإنترنت متاحةٌ ببلدك بمقابل مادي بسيط، وتطبيقاتُ مواقع التواصل الافتراضي مسموح باستخدامها في بلدك، والمواقع التعليميةُ التي تلزمك للتزوُّد بالعلم الكافي لعملك الدعوي غير محجوبة، فماذا لو استيقظتَ غدًا لتجد كل هذا المتاح محجوبًا عنك؟

بلا شك ييسر الله لدعوته سبلًا من حيث لا نحتسب منذ نزل الوحي وحتى قيام الساعة والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون، إنما أتحدث عنك أنت، عن شعوركَ الدّامي بالتقصير وإلفِ النعمة حين كانت بين يديك. فيا حاملَ راية الدعوة، ألا تستحق السلامة من  شعور كهذا سعيًا حثيثًا منك في طرق الدعوة الممهدة اليوم قبل أن تعرَّ غدًا؟

-احرص أخي الداعية على طرق كل الأبواب المتاحة اليوم ولا تؤجلها لغدٍ لم يعِدك بفتح أبوابِ طارقها.

*بين المباني وذوق المعاني*

اقتباس٥:

“رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلى أن يُمزَج بالرقائق والنظر في سِيَر السلف الصالحين، لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمرادِ بها.”

وأقول: هذا نافعٌ للطرفين: للمتابع المعلِّم، وللمهتدي المتعلِّم. أرى بعض المنصات الدعوية التي تقدم الخدمة التعليمية للمهتدين الجدد وقد غفلت عن توفير الرقائق والنظر المعتبر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم وسائر الأنبياء عليهم السلام، وفي سيَر أمهات المؤمنين، وسير الصالحين من بعدهم، ظانّين أن مرحلة تأسيس المهتدي تكفي لها دراسةُ ما لا يسع المسلمَ جهلُه من العقيدة والفقه الكافي لعبادة اليوم والليلة، وأرى هذا يجانِب الصواب لأنه يجانب طبيعة النفس والقلب.
هذا إنسان قضى –غالبًا- من عمره عددًا من السنوات متشبعًا بقصص وسِيَر لصالحين متوهَّمين، تعلّق قلبه بهم وقدّس كثيرًا منهم، ثم هو الآن واقف على بوابة عقيدةٍ تنفي كل قدسيّة عن البشر، كل البشر، وهي في الوقت ذاته تقدّم مفردات جديدة للصلاح ومعايير مختلفة لقياسه ودروبًا عدّة لطلبه، لذلك هو في أمسّ الحاجة إلى أن يرى كيف استقبل (المخلوق) رسالة (الخالق) وكيف تفاعل معها بغير غلوّ في تقدير ذاته أو رفع المحيطين –وإن كانوا تابعين لرسالته- لشأنه حتى يضاهي في النفوس شأن الإله، وكيف أنّ هذه الرسالة تسع محدودية بشريتِه في كل أحوالها، وكيف أن درب اتباعها الحق لا يعرف التفريط ولا الإفراط.

 -لا تنسَ أخي المتابع المعلِّم أن تحيط أخاك المهتدي الجديد بالتطبيق العمليّ لاتّباع رسالة الإسلام التي يخوض رحلة التعلم عنها، وخير تطبيق يجده في النظر في الرقائق وسير الأنبياء والصالحين.

*الجواب المالكيّ النفيس*

اقتباس٦:

“إذا صحّ قصد العالِم استراح من كلف التكلف، فإن كثيرًا من العلماء يأنَفون من قول “لا أدري”، فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس، لئلا يُقال: جهلوا الجواب، وإن كانوا على غير يقينٍ مما قالوا. وهذا نهاية الخذلان. وقد رُويَ عن مالك بن أنس أن رجلًا سأله عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال: سافرتُ البلدان إليك، فقال: ارجع إلى بلدك وقل: سألتُ مالكًا فقال لا أدري. فانظر إلى دينِ هذا الشخص وعقله كيف استراح من الكلفة، وسَلِمَ عند الله تعالى.”

وأقول: إن كان هذا حال الإمام مالك، فمالنا معشر المعلّمين المتابعين نخجل من قول: “لا أدري” إن سألنا أحد المهتدين الجُدد عن شيء من أمور ديننا!
رأيتُ كم هو صادق أن أصرّح بعدم درايتي بما أجهل تمامًا كصدق عدم كتمي لما أعرف، بل إن سألني أحدهم في أمر لا أعلمه وجدتُّها فرصة مركبة، فهي فرصة لأتعلم أنا شيئًا مما أجهل، وفرصة ليتعلم السائل أن لا متعالِم ولا متعالِ بين صفوف المسلمين الحقّ، وفرصة لي بصفتي معلّمًا أن أدلّه على مصادر المعرفة السليمة التي يمكنه اللجوء إليها لاستقاء العلم والبحث عن جواب تساؤلاته، وعلى رأسها القرآن والسنّة. فأهلًا بسؤال أعلمُ جوابه وألف أهلًا بسؤال يذكّرني بالجواب المالكيّ التقيّ.

لا تخجل من قول: لا أدري. ابحث وتعلّم وعلِّم المهتدي الجديد، فما جهلنا إلا لنخفض أجنحتنا لله العليم ونطلب المزيد من العلم النافع ونعلّمه غيرنا.

هكذا رأينا كيف أنّ لنا في كل عبارةٍ عبرة، وبين العبارة والأخرى ربما عِبَر، وأن في كل كلام ذكره سلفنا الصالح -ولا سيّما من خبر الدعوة وأخبارها- دروسًا ووقفات لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.


المصدر:

كتاب “صيد الخاطر” تأليف: الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.تحقيق: أبو عاصم  سيد بن محمود آل سليم. مكتبة مصر- ط١

الكاتب: فاطمة محب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى