عرض ونقد

مَا ذَنبُ مَن وُلِدَ فِي أُسرَةٍ غَيرِ مُسلِمَةٍ؟

الحمدُ للهِ المتّصفِ بالعدلِ والمنزهِ عن مطلقِ الظُّلمِ، والصلاةُ والسلامُ على نبيّهِ خاتَمِ المرسلينَ..

يتساءلُ البعضُ عن مصيرِ مَن نشأَ علَى غيرِ الإسلامِ، ومِن ثمَّ اتبعَ أَبَويهِ، وقدْ قالَ نبيُّنَا صلَّى اللهُ عليْهِ وسلمَ: (مَا مِن مولودٍ إلَّا يولدُ علَى الفطرةِ، فأبواهُ يهودانِهِ، أو ينصّرانِهِ، أو يمجسانِهِ) متفق عليه.

أليسَ يتبعُ هؤُلاءِ آباءَهُم كَما يتبعُ المسلمُ ما ورثَهُ مِن دينٍ؟

فَلِماذَا يُؤاخذُ غيرُ المسلمِ علَى انحيازِهِ لدينِ أبَويْهِ بَينَما يدخلُ المسلمُ الجنةَ؟

ومعلومٌ أنَّ السائلَ لَو كانَ غيرَ مسلمٍ فَهُوَ غيرُ مؤمنٍ بِمَا نعتقِدُهُ مِن دخولِ المسلمينَ الجَنّةَ، ودخولِ غيرِهم النّارَ، ومِن ثَمَّ يكونُ سؤالُهُ جَدلِيًّا تشغيبًا علَى المؤمنينَ، ولَكن هَذا السؤالَ يراودُ بعضَ المؤمنينَ بالفعلِ، ولأنَّ السؤالَ يتعلقُ باعتقادٍ إسلاميٍّ فالصوابُ أَن يكونَ الجوابُ مستندًا للرؤيةِ الإسلاميّةِ؛ حتَّى يكونُ التصَورُ للمسألةِ صحيحًا ومِن ثَمَّ يكونُ حكمَ القلبِ واستقبالَهُ للمسألةِ منضبِطًا محكومًا برؤيةٍ أكثرَ شمولًا؛ فالحكمُ علَى الشيءِ فرعٌ عن تصورِهِ.

وَفِي بدايةِ الجوابِ نذكرُ بأنَّ مَن نشأَ علَى غيرِ الإسلامِ لا يخلُو مِن حَالَينِ:

الأولُ: ألَّا يكونَ قد عرفَ الحقَّ أو سمعَ بهِ.

الثانِي: يكونُ قد بلغهُ الحقَّ أو سمعَ بهِ.

أمَّا الصنفُ الأولُ الذِي لمْ يبلغْهُ الحقَّ أو بلغهُ مشوَّهًا علَى غيرِ حقيقتِهِ ولمْ يكنْ لهُ سبيلٌ لمعرفَتِهِ، فحالُهُ مختلفٌ عن حالِ الصنفِ الثانِي، فقَدْ قالَ جلّ وعلَا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:١٥]، وقَد قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَةَ رَحمَهُ اللهُ : 

” وَهُنَا أَصْلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ ، وَهُوَ : أَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ.. ثم قالَ: فَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ ، لَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ ، وَعَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ، فَعَانَدَهُ : فَهَذَا مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ. 

وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّطَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ ، مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ ، مُشْتَغِلًا عَنْ ذَلِكَ بِدُنْيَاهُ..

إلى أن قال: وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ: أنَّهُ لَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ ، وَلَا يُعَذَّبُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ الرُّسُلَ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ قَالَ تَعَالَى – لِإِبْلِيسَ- : {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: ٨٥]..

إلَى أنْ قالَ رحِمهُ اللهُ: وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالرِّسَالَةِ ، كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَأَهْلِ الْفَتَرَاتِ. فَهَؤُلَاءِ فِيهمْ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ: أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِطَاعَتِهِ، فَإِنْ أَطَاعُوهُ اسْتَحَقُّوا الثَّوَابَ، وَإِنْ عَصَوْهُ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ.”

انتهَى، باختصارٍ مِن: “الجوابُ الصحيحُ لمَن بدّلَ دينَ المسيحِ”.

وقالَ الإمامُ أبُو حامدٍ الغزالِي رحمهُ اللهُ: “بلْ أقولُ: إنّ أكثرَ نصارَى الرومِ والتُّركِ في هذَا الزمانِ تشملُهُم الرحمةُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أعنِي الذينَ هُم فِي أقاصِي الرُّومِ والتُّركِ، ولمْ تبلُغْهُم الدّعوةُ، فَإنّهُم ثلاثةُ أصنافٍ: 

الصنفُ الأوّلُ: لمْ يبلغْهم اسمُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ أصلًا، فهُمْ معذُورُونَ.

 الصنفُ الثانِي: بلغَهُمُ اسمُهُ ونعتُهُ، ومَا ظَهرَ علَيهِ مِن المعجزاتِ، وَهمْ المجاورُونَ لِبلادِ الإسلامِ، والمخالطونَ لَهُم، وَهُم الكُفَّارُ الملحِدونَ.

 الصنفُ الثالثُ: هُم بَين الدرجتَينِ، بلَغهُم اسمُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ولمْ يبلغْهُم نعتُهُ وصِفتُهُ، بَل سمِعُوا أيْضًا منذُ الصِّبَا أنْ كذَّابًا اسمُهُ محمدٌ -نعوذُ مِن ذَلك باللهِ تعالَى- ادَّعَى النبوَّةَ، كَما سمِعَ صِبيانُنا أن كذاباً يقالُ لهُ: المقفعُ بعثهُ اللهُ تحَدِّيًا بالنبُوّةِ، كاذِبًا، فهؤلاءِ عندِي في أوصافِهِ فِي معنَى الصنفِ الأوّلُ، فإنّهمْ معَ أنهُم لمْ يسمَعُوا اسمُهُ، سمعُوا ضدَّ أوصافِهِ، وهَذا لَا يحرِّكُ النظرَ فِي الطلبِ” انتهَى.

وأمَّا الصنفُ الثانِي، فهؤلاءِ الذينَ يثورُ حولَهم الإشكالُ عادةً، ونتناولُ -بإذنِ اللهِ تعالَى- الجوابَ مِن عدةِ محاوِرٍ: 

١- قَدْ تبَيّنَ الرُّشدُ مِن الغيِّ.

٢- وماذا عليهمْ لو آمنُوا؟

٣- أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهمْ..؟

٤- أفلم يسيرُوا فِي الأرضِ فينظُروا؟

٥- وتنْسَوْنَ أنفسَكُم؟

٦- ربُّهُم أعلَمُ بهِم.

وباللهِ تعالَى أستعينُ فِي البيانِ، ومَا كانَ مِن توفيقٍ فمِن ربنَا الرحمٰنِ، وما كانَ مِن زلَلٍ أو نسيانٍ فمن نفسِي ومِن الشيطانِ..

المحورُ الأوّلُ: قَد تبيَّنَ الرُّشدُ منَ الغَيِّ:

إنَّ اللهَ تعالَى مِن حكمتِهِ وعدلِهِ أنَّه لم يجعلْ الحقَّ والباطلَ سواءً فِي الحُجّةِ، ولمْ يجعلْ اللهَ سبحانَه الأمرَ يرجعُ إلَى عاطفةٍ وذوقٍ نسبِيٍّ، ولكنّها براهينٌ ساطِعةٌ لَا يملكُ المُنْصفَ إلّا الإقرارَ بِها والإذعانَ للِوازِمِها، والحقُّ فِطرِيٌّ يُوافِقُ العقلَ السليمَ، ولَا يستثِيرُ الشكَّ فِي أُصُولِهِ إلّا أن يأتيَ مشغّبٌ مِن الخارجِ ويثيرَ الشبهاتِ مبتدأً بالفروعِ، ثمّ يكونُ دحضُ الشبهاتِ علَى أهلِ العلمِ يسيرًا بفضلِ اللهِ.

يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنِ تيميةَ: “وَكُلَّما كانَ الناسُ إلَى الشَّيءِ أحوجَ كانَ الربُّ بِهِ أجوَدَ، وكذلك كُلمَا كانُوا إلَى بعضِ العلمِ أحوجَ كانَ بهِ أجودَ؛ فإنهُ سُبحانهُ الأكرمُ الذي علّمَ بالقلمِ علمَ الإنسانَ مالمْ يعلم، وهُوَ الذِي خلقَ فسَوَّى والذِي قدَّرَ فهَدَىٰ، وَهُو الذِي أعطَى كُلَّ شيءٍ خلْقَهُ ثمّ هدَى؛ فكيفَ لَا يقدِرُ أن يهدِيَ عبادَهُ إلىٰ أن يعلمُوا أنّ هذا رسولَهُ وأنّ مَا جَاءَ بهِ مِن الآياتِ آيةٌ من اللهِ وهيَ شهادةٌ مِن اللهِ لَهُ بصِدْقِهِ وكيفَ تقتَضِي حكمتُه أن يسويَ بينَ الصادقِ والكاذبِ فيؤيدَ الكاذبَ مِن آياتِ الصدقِ بمثلِ ما يؤيدُ بهِ الصادقَ حتَّى لا يُعرَفُ هذا مِن هذا، وأن يُرسِلَ رسولًا يأمرُ الخلقَ بالايمانِ بِهِ وطاعتِهِ وَلا يجعَلُ لهُم طريقًا إلَى معرفةِ صدقِهِ وهذا كَتكليفِهِم بمَا لا يقدِرونَ علَيهِ ومَالا يقدرونَ علَى أنْ يعلمُوه، وهذا ممتَنَعٌ في صفةِ الربِّ وهو منزّهٌ عنهُ سبحانَهُ؛ فإنّهُ لَا يُكلفُ نفسًا إلّا وُسعَها وقد عُلِمَ من سُنّتِهِ وعادتِهِ أنّهُ لَا يُؤيدُ الكذّابَ بمثلِ مَا أيَّد بهِ الصّادقَ” انتهى..

والباطلُ يحمِلُ دلائِلَ بُطلانِهِ فِي أُصُولٍ مُتناقِضَةٍ، وأشياءَ تخالفُ الفِطرَةَ مِمَّا يُثِيرُ الرَّيبَةَ في قلوبِ أهلِهِ حتَّى وَلَو لَم يأتِ من خارجِ منظومةِ الباطلِ مَن يثيرُ عليهِ شبهةً؛ فالباطلُ ظاهرُ البطلانِ، ويسهلُ ضربِ الأمثلةِ بثالوثِ نصارَى وصلبٍ وفداءٍ وخطيئَةٍ تورَثُ، وهُم يتّفِقون مَع مَا ينسِبُهُ اليهودُ لِلّٰهِ مِن ندمٍ واستراحةٍ، وما ينسِبُونَهُ لِلأنبياءِ مِن موبقاتٍ، وتِلكَ ديانةٌ تقَدّسُ البقَرَ، وديانةٌ ثالثةٌ أقربُ للفلسفةِ لأنّها ليْسَت تألِيهِيّةً، ويضيقُ المقامُ عَنِ التفصيلِ فِي مثلِ ذَلكَ.

قالَ ابنُ أبِي العِزِّ رحمهُ اللهُ: “إنَّ النُّبُوَّةَ إنَّما يَدَّعِيها أصدَقُ الصَّادِقينَ، أو أكذَبُ الكاذِبينَ، وَلا يلتَبِسُ هذا بِهذا إلَّا علَى أجهَلِ الجاهِلينَ، بل قرائِنُ أحوالِهِما تُعرِبُ عنهُما، وتُعرفُ بهِما، والتمييزُ بين الصَّادِقِ والكاذِبِ لهُ طرُقٌ كثيرةٌ فيما دُونَ دَعوَى النُّبُوَّةِ، فكيفَ بِدعوَى النُّبُوَّةِ؟” انتهى..

ومِن ثمَّ فإنَّ المسلمَ الذِي ورثَ الحقَّ مِن أبوَيْهِ ليسَ ملزَمًا بأن يشكَّ في الحقِّ بِلا داعٍ؛ فالحقُّ وافقَ فِطرَتَهُ بَينمَا لا يستطيعُ مَن اعتنقَ الباطلَ الاتّساقَ معَ باطلِهِ، ولكِن مِن رحمةِ اللهِ أنْ لَا يعَذِّبَ إلَّا بعدَ بلوغِ الرسالةِ كَما سبقَ التفصيلُ.

المِحورُ الثانِي: ومَاذا علَيهم لو آمَنُوا؟

إنَّ اللهَ تعالَى خلقَ الناسَ ووَهبَ لهُم قدرةً علَى الاختيارِ بينَ الطاعةِ وبينَ المعصيةِ، وإن كانَتِ البيئَةُ التِي ينشَأُ فِيها المَرءُ مؤثرةً في اختياراتِهِ إلَّا أنّ تأثيرَها ليسَ بالحَتمِيِّ، والواقعُ يشهدُ بِذلِكَ، فكَم مِن مُجرمٍ كانَ ابنُهُ مصلِحًا صالحًا؟

وكَم مِن مُصلِحٍ كانَ ابنهُ مفسِدًا؟

وكثيرًا ما يرَى النّاسُ اجتهادَ أبٍ فِي تربيةِ ابنهِ علَى حُبِّ مهْنتِهِ أو توجُّهِهِ الفكرِيِّ ثمَّ يجدُ الابنَ يُقبلُ علَى غيرِ هوَى أبِيهِ، ولوْ كانَ الأمرُ كذلكَ فِي الاختيَاراتِ الدنيوِيَّةِ، فلِمَاذا يجعلُ الناسَ دينَهُم أهونَ الأمورِ ولا يستمِعونَ لنداءِ الحقِّ إذا جاءَهُم؟

مَاذا علَيهِم لَو آمنُوا؟

المِحورُ الثالثُ: أَوَلَو كَان آبَاؤُهُم..؟

إِنَّ أفعالَ الناسِ ليْسَت مِعيارًا للحقِّ والباطِلِ، ولَو كانَ أغلبُ الناسِ يكذِبونَ فَلا ينبَغِي أن يشكَّ عاقلٌ فِي حُسنِ الصِّدقِ وفِي قُبحِ نقيضِهِ، وكذلك لا ينبَغِي أن نعذُرَ الاتباعَ الأعمَى للآباءِ بِدعوَى أنّ عامَّةَ الناسِ يفعلونَ ذلكَ، ولو سلَّمنا بهذه الطريقِ فِي التفكيرِ لبرَّرنا لكثيرٍ مِن الناسِ جرائمَهُم، وهذا معلومُ البُطلانِ.. 

وليسَ هذا الإشكالُ بالجديدِ، بل جاءَتْ آياتُ اللهِ ترُدُّ علَى هذِه الدّعوَى، ولَا تدَعُ لمعتذِرٍ بمثلِ ذلكَ عذْرًا، وَلِيبقَ الحقُّ واجبَ الاتباعِ، ويبقَ الهوَى أيًّا كانَ دافعُهُ مذمُومًا إن خالفَ ذلك الحقَّ..

قالَ تعالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:١٧٠]

وقالَ سبحانهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان:٢١]

وقالَ جلَّ وعلَا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة:١٠٤]

المحورُ الرابعُ: أفلَم يَسِيرُوا فِي الأرضِ فَينْظُرُوا؟

مَن يستقرِئُ التاريخَ ويستنطِقُهُ يُخبرهُ عَن أُممٍ غيّرت دينَها، وقد بدَأَ الإسلامُ بِنَبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ ثمّ أسلمَ العربُ بعدَ عبادةِ أصنامِ، وتحوّلَ عامّةُ القِبطِ إلىٰ الإسلامِ، وكذلكَ فعَلَ التركُ والفرسُ والبَربرُ وغيرُهم الكثيرُ، وَمِن أعجبِ العَجبِ إسلامُ أُمّةِ التتَارِ وقد كَانوا هُم غُزاةَ المسلمينَ..

وكَما يشهدُ التاريخُ فإنّ الواقعَ يشهدُ بذلكَ، وقد أسلمَ ملايينُ النَاسِ في أفريقيَا فِي العقودِ الماضيةِ بفضلِ اللهِ ثمَّ جهودِ بعضِ المسلمينَ، مِثل: الدكتُور عَبد الرّحمٰنِ السميط -رحمهُ اللهُ- وَغيرِه ممَّن جعلَهُم اللهُ سببًا فِي تعريفِ الناسِ بالحقِّ.

وكَما أنّ فِي مثالِ الأُممِ التِي غيَّرَتْ دينَها خيرُ مثالٍ فإنَّ الأفرادَ الذينَ يُسلمونَ أو يغيِّرونَ دينَهم عمومًا دليلٌ علىٰ أنّ النشأةَ ليسَت مُلزِمةً لِلأفرادِ، ومِن المعروفِ بالمنطقِ أنَّ القضيةَ الموجبَةَ الكليّةَ تنتقضُ بالسالبَةِ الجُزئيّةِ؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ وجودَ مَن يتحوّلونَ عَن دينِ الآباءِ ينقُضُ دعوَى العذرِ المطلقِ لِمَن اتبَعَ اتباعًا أعمَى رغمَ بلوغِ الحقِّ لهُ.

المحورُ الخامسُ: وتنسَونَ أنفُسَكُم؟

وهُنا يُمكِنُ أَن نَعجَبَ عجبًا لَو كَان يُمكِنُ كِتابتُهُ لمَا كفَىٰ تِلكَ الأرضُ الإحاطةَ بحدودِهِ، وذلكَ حينَ تجدُ مَن نَشأَ فِي أسرةٍ مسلمةٍ قد ارتدَّ عَنِ الإسلامِ ثُمّ يُثِيرُ مثلَ تلكَ الشُّبهَةِ، ويعيبُ علَى المسلمينَ اعتقادَهُم بهَلاكِ مُخَالفِيهِم، وذلك لِسبَبَينِ: 

أُولاهُما: أنّهُ هُو نفسَهُ حُجَّةٌ علَى عدمِ استحالةِ التَّحَوّلِ عن دينِ الآباءِ.

ثَانِيهِما: انحيازُهُ غيْرُ المبرّرِ إذْ يَعذُرُ غيرَ المسلمينَ فِي عدمِ اعتناقِ الإسلامِ لِما يزعُمُهُ مِن سطوةِ الموروثِ، ثُمَّ لا يعذُرُ المسلمَ في اعتقادِهِ بنجاةِ المسلمينَ وَحدِهِم، ولو أنصفَ لقالَ: المسلمُ معذورٌ لأنه اعتقدَ ما يعتقدُهُ أهلُهُ.. ولكنّهُ الانحيازُ غيرُ المُبررِ.

المحورُ السادسُ:  رَبُّهُم أَعلمُ بِهِم:

إنَّ المسلمَ المُستَشكِلَ تلكَ المسأَلةِ دافعُهُ إمَّا الرحمةُ أو السؤالُ عنِ العَدلِ، ومعلومٌ أنَّ واهبَ الكمَالِ أَولَى بالاتّصافِ بِهِ، والذِي وَهبَنا الرّحمَةَ والعدلَ وجعَلَنَا مُستَحسنِينَ لَهُما مُستَقبِحينَ لِنقِيضِهِما، هُو أوْلى بالاتِّصَافِ بالعدْلِ والرَّحمَةِ والتنزُّهِ عنِ الظلمِ، وهوَ الذِي قالَ: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة يونس]

فاللهُ تعالَى أعلمُ بعبادِهِ وأرحمُ منَّا بهِم، وَهُو الذِي لَا يظلمُ مثقالَ ذرَّةٍ، وقدْ قالَ تعالَى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال:٢٣]

وقالَ سُبحانَهُ فِي ذاتِ السورةِ: {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال:٧٠]

فَربُّنا سبحانَهُ وتعالَى لَا يتْرُكُ مَن علِمَ فيهِ الخَيرَ للضلالِ، بَل اعلمْ -أيُّها المؤمِنُ- أنّ أولٰئِك الذينَ سيدخلُونَ النارَ مِن الكافِرينَ قَدْ عَلِمَ اللهُ تعالَى عنهُم أنَّهُم لَن يُؤمِنُوا وَلوْ عَادُوا إلىٰ الدُّنيَا بَعدَ رؤيتِهِم أهوالِ القيامةِ، فقد قالَ جلَّ وعَلا: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [سورة الأنعام:٢٧-٢٨]

فَلا تقلقْ أيُّها المؤمنُ علَىٰ عبادِ اللهِ؛ فربُّهُم أعلَمُ بهِم، وَهُوَ سُبحانَهُ أرحَمُ بِهِم، وانشَغلْ بنجاتِك، واحرصْ علَى أن تدفعَك رحمتُك بالناسِ إلَى الاجتهادِ فِي بلاغِهِِم وهِدايَتِهم إلَى الحقِّ، وليسَ فِي مُحاوَلَةِ إِيجادِ الأعذارِ لهُم.

فالحمدُ للهِ الذِي أظهرَ الحقَّ وأرسلَ الرسُلَ وأنزلَ الكتبَ وسخرَ مِن عبادِ اللهِ مَن يُبلِّغُونَ رِسَالتَهُ، وَاللهُ تعالَى أسألُ أَن يستخدِمَنا وَلا يستبدِلَنا، وأن يهديَنا إلَى ما يرضِيهِ، وأن يُعلمَنا مَا ينفعنَا، وأن يهديَنا ويهدِيَ بِنا.

الكاتب: علي جلال

القراءة الصوتية: أسامة قائد القطاونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى