لماذا أكثرُ العلماءِ ملحدون؟

الحمدُ للهِ الَّذي علَّم بالقلمِ، علَّمَ الإنسانَ ما لمْ يعلمْ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِهِ الَّذي جاءَ يتلو علينا آياتِ ربِّنا، ويزكِّينا، ويعلِّمُنا الكتابَ والحكمةَ..

يتساءلُ البعضُ عن سببِ كثرةِ الإلحادِ بينَ العلماء، ويقولُ متسائلٌ: لو كانَ الإيمانُ بالخالقِ حقًّا؛ أليسَ العلماءُ أولى النَّاسِ باتِّباعِه وهمْ أرجحُ النَّاسِ عقولًا؟.

وهذه الرُّؤيةُ تحملُ عدَّةَ إشكالاتٍ ومغالطاتٍ مِنْ نواحٍ عدَّةٍ؛ إذ يحملُ الكلامُ في طيَّاتِه قِصَرَ مفهومِ العلمِ على ال Scienceأو العلمِ التَّجريبيِّ، ومِنْ ثمَّ تكونُ العبقريَّةُ قاصرةً على المتفوِّقين في هذا البابِ دونَ غيرِهم، وهذا ليسَ مقامَ التَّفصيلِ في بيانِ خطإِ هذا الاعتقادِ. 

وكذلكَ يقعُ مَنْ يسألُ هذا السؤالَ في مغالطةِ الاحتكامِ إلى السُّلطةِ، وأيضًا يقومُ الإشكالُ على زعمٍ يفتقرُ إلى إحصاءٍ دقيقٍ، وإن شاءَ الله تعالى نتناولُ إشكالاتِ السُّؤالِ من زوايا عدَّة، واللهَ تعالى نسألُ السَّدادَ والرَّشادَ والهدى.

 

  • أوَّلًا: مغالطةُ الاحتكامِ إلى السُّلطةِ:

 يقعُ المرءُ في مغالطةِ الاحتكامِ إلى السُّلطةِ حين يتبنَّى قولًا ما بلا سندٍ إلَّا سلطةَ قائلِه، وقد جاءَ في الأثرِ عن أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضيَ اللهُ عنه- أنَّه قال: لا تعرفُ الحقَّ بالرِّجالِ، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه.

وما يفعلُه السَّائلُ هنا هو الاحتجاجُ بالألقابِ العلميَّةِ لبعضِ الملحدين، بينما الصَّوابُ هو البحثُ عنِ البرهان؛ فهو الفيصلُ، قالَ تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ١١١]. 

وقد كانَ النَّاسُ يعدُّونَ الفلاسفةَ القدماءَ عباقرةَ أزمانِهم، بل لا يزالُ النَّاسُ يقدِّرونهم، ولكنْ قلَّ أنْ تجدَ مَنْ يتبنَّى أقوالَهم وقد ظهرَ فسادُ أكثرِها، فهل ثمَّةَ معيارٌ عندَ السَّائلِ يفرِّقُ به بينَ عباقرةِ زمانٍ دونَ آخر؟.

أم هل ثمَّةَ ضمانٌ ألَّا يكتشفَ النَّاسُ في عصورٍ قادمةٍ سذاجةَ كثيرٍ مْنْ تصوُّراتِ علمائِنا اليومَ؟.

 

  • ثانيًا: العلماءُ بشرٌ:

العالِمُ إنسانٌ عاديٌّ جدًّا له رغباتٌ وأهواء، وتفوُّقُه في مجالِه لا يعني أنَّهُ يتَّخذُ القرارَ الصَّحيحَ في كلِّ شيءٍ، فلا علاقةَ بين هذا وذاك، فهل أساتذةُ الجامعاتِ كلُّهم سعداءُ في بيوتِهم، أو أحسنوا اختيارَ زوجاتِهم، أو تربيةَ أبنائِهم مثلًا؟.

– بالطَّبع لا، فلا يوجدُ ثمَّةَ علاقةٌ بينَ هذا وذاك.

وكذلك في مسألةِ الوجودِ الإلهيِّ قد يتَّخذُ قرارًا خاطئًا، وقد يكونُ صاحبَ هوًى يرفضُ الوجودَ الإلهيَّ تعنُّتًا، وهذا فرنسيس كريك الحاصلُ على نوبل 1953 لاكتشافِه الخاصِّ بال DNA، وهو اكتشافٌ يُظهرُ إبداعًا في عالَمِ الخليَّة المذهلِ، ونظامِه المعلوماتيِّ العجيب، فماذا قالَ العالِمُ الملحد؟.

‐ قال إنَّه مِنَ المحتملِ أنْ تكونَ الحياةُ قد وُجدت عن طريقِ كائنٍ فضائيٍّ!.

 

وتجدُ مَنْ يتبنَّى رؤًى لا دليلَ علميَّ عليها، أو يقبلُ منطقيَّتَها ولا يقبلُ أبدًا بوجودِ الخالق، كما فعلَ قومُ إبراهيمَ -عليه السَّلام- إذ لمْ يعترضوا على قولِه: هذا ربِّي، عنِ الكوكبِ والقمرِ والشَّمسِ، ولكنْ حينَ قال: ﴿إِنّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ﴾، وجدْنا: {وَحَاجَّهُ قَومُهُ}، فاتِّباعُ الهوى قديمٌ، وليسَ العالِمُ الطَّبيعيُّ منزَّهًا عنه، وقد تجدُ مَنْ لا يحبُّ فكرةَ مراقبةِ الإلٰهِ، أو لا يحبُّ التَّقيُّدَ بتكاليفِ الدِّين.

 

ولا يزالُ العلماءُ يكتشفون أخطاءَهم ويتراجعون، -وهذا أمرٌ محمود- وتلك طبيعةُ العلمِ التَّجريبيِّ، ولكنَّهُ أمرٌ يُظهرُ أيضًا عدمَ عصمةِ العلماء، فإن كانوا يُخطؤونَ فيما برعوا فيه؛ فكيفَ ننسبُ العصمةَ إليهم في غيرِ تخصُّصِهم؟.

 

إذا أدركْنا ما سبقَ علِمْنا أنَّ العلماءَ الطَّبيعيين ينطبقُ عليهم ما ينطبقُ على سواهم، وقد قالَ تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: ١٠٣]

ومنْ ثمَّ لا نتفاجأُ إن كفرَ أغلبُهم، ولكنْ نؤكِّدُ على أنَّ ضلالَهم أو إيمانَهم ليسَ دليلًا في ذاتِه، ولكنَّ أقوالَ وآراءَ العلماءِ يُستدلُّ لها لا بها.

 

  • ثالثًا: الثَّقافةُ المُهَيمنة:

بعضُ العلماءِ يتأثَّرونَ بالفلسفةِ المادِّيَّةِ رغمَ قصورِها عنِ الإحاطةِ بمجالاتِ الحياة، وهذا ممَّا قد يتسبَّبُ في ضلالِ الكثير، فقضيَّةُ الوجودِ الإلٰهيِّ لا تخضعُ للرَّصدِ الذي يرفعُه علماءُ الطَّبيعةِ فوقَ قدرِه، ولكنَّهم يزعمونَ أنَّه طالما لا يُقبلُ الوجودُ الإلهيُّ للرَّصدِ؛ فإنَّه لا مبرِّرَ للإيمانِ به!.

 

ولكي يتصوَّر القارئُ التَّعاملَ الماديَّ في طرحِ النَّظرياتِ وقَبولِ الفرضيَّات؛ فليتأمَّلِ المثالَ التَّالي:

لو أردْنا تحليلَ ترتيبِ وضعِ تلكَ الأرقامِ:

١

٢

٤

 

على أيِّ أساسٍ كان هذا التَّسلسلُ؟

وجودُ الأرقامِ هنا حقيقة، ولكنْ سَتأتي النَّظرياتُ المعتمدةُ على فرضيَّاتٍ مقبولةٍ..

 

منَ الممكنِ أنْ نقولَ مضاعفات، وبالتَّالي سنتنبَّأُ بالرَّقمِ التَّالي:

١

٢

٤

٨

 

ولكنْ هذه نظريَّةٌ، وليستْ يقينًا؛ فقد يأتي مَنْ يقول: الرَّقمُ الثَّاني يساوي الرَّقمَ الأوَّلَ مضافًا إليه واحدٌ، والرَّقمُ الثَّالثُ يساوي الرَّقمَ الثَّاني مضافًا إليه اثنين، وبالتَّالي سيكونُ الرَّقمُ الرَّابعُ هو الرَّقمَ الثَّالثَ مضافًا إليه ثلاثةٌ (٤+٣) يساوي ٧،

 

فإذا ما تقدَّمْنا للرَّقمِ الرَّابعِ ووجدناهُ (٨)؛ فهلْ يعني هذا يقينيَّةَ الفرضِ الأوَّل (المضاعفاتِ)؟

 

في الحقيقةِ لا؛

فقد يُقالُ: مجموعُ ما سبقَ يضافَ إليه واحدٌ،

فرقمُ اثنين (١+١)،

ورقمُ أربعةٍ عبارةٌ عن مجموعِ ما سبقَ من أرقام (١+٢)؛ يضافُ إليها واحدٌ،

ورقمُ ثمانيةٍ عبارةٌ عن مجموعِ ما سبقَ (١+٢+٤)؛ ويضافُ إليها واحد.

 

وفي كلتا النظريَّتَينِ سيصدُقُ التنبُّؤَ التَّالي، والرَّقمُ سيكونُ: ١٦.

 

ومهما سرتَ سيكونُ الرَّقمُ متطابقًا حسْبَ الوجهتين، ولكنَّنا سنقبلُ الافتراضَ الأوَّلَ غالبًا لبساطتِه، ولكنْ هل يمكنُ الجزمُ بذلك التَّفسيرِ؟.

– الحقيقةُ لا؛ هو فقط مقبولٌ حتَّى يَظهرَ ما يدحضُه..

 

فكيف نصلُ لليقينِ؟

– بسؤالِ مَن كَتَبَ الأرقامَ.

 

وهذا منطقيٌّ جدًّا؛ إذ لو أخبرَنا مَنْ وضعَ التَّسلسلَ بمعيارِ ترتيبِه لكفانا الاضطرابَ ولحسَمَ الخلالَ، ولكنَّ هذا ما يرفضُه الماديُّون، ويقولون: هذا الكلامُ ليس علميًّا.. يرفضون فكرةَ وجودِ كاتبٍ للأرقامِ إذ لمْ يرَوه، وهنا موطنُ الإشكالِ.

 

ما سبقَ كانَ مثالًا لتقريبِ الصُّورةِ للأذهانِ، فهؤلاء يرَونَ ضبطًا دقيقًا، وصنعًا متقنًا؛ ثمَّ لا يقولون بوجودِ الخالقِ بدعوى عدمِ علميَّةِ الفكرة!.

 

  • رابعًا: كونُ المعجزاتِ:

ثمَّةَ اعتقادٌ شائعٌ خاطئٌ عندَ هؤلاءِ العلماءِ، إذ يرونَ أنَّ الكونَ الذي “يديره” إلٰهٌ هو قائمٌ فقط على المعجزاتِ، ولهذا طلبَ لورنس كراوس اصطفافَ النُّجومِ بهيئةِ: “أنا هنا”، وغيرُه اشترطَ صاعقةً في دقيقةٍ وثانيةٍ معيَّنةٍ، وهناك مَنْ طلبَ سيفًا من نارٍ يقطعُ رقبَتَه، وهي حقًّا طلباتٌ عجيبةٌ وتعسُّفٌ غيرُ منطقيٍّ، ولكنَّنا نعلمُ أنَّ اللهَ سبحانَه يضعُ سُننًا وقوانينَ تساعدُنا على فهمِ الكون، ومِنْ ثمَّ يفتحُ لنا بابَ البحثِ أكثرَ، دونَ اعتمادٍ على معجزاتٍ في كلِّ حينٍ..

 

فهؤلاء عندَهم سوءُ تصوُّرٍ لفعلِ الخالقِ في الكونِ؛ فإنَّ انتظامَ القوانينِ يدلُّ على ضبطٍ دقيقٍ، وصنعٍ بديعٍ، ولو كان الكونُ يسيرُ بلا سننٍ لما كانتْ هناك علومٌ، ولمَا كانتْ هناك أسبابٌ يَأخذُ بها الإنسانُ ويتميَّزُ بها المجتهدُ مِنَ المتكاسلِ.

 

وفي الاعتقادِ الإسلاميِّ أنَّ اللهَ تعالى يسيّرُ الكونَ بأسبابٍ تُظهرُ تناغمَ مفرداتِ الحياة، والآياتُ في هذا الأمرِ نجدُها في مواضعَ متفرِّقةٍ مِنَ القرآنِ الكريم، ومِنْ ذلك قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: ٤٣].

ولذلكَ تجدُ الآياتِ تحثُّ على التَّفكُّرِ في خلقِ اللهِ تعالى، قالَ سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: ٥٣].

 

بل نجدُ آياتٍ بيِّناتٍ في سورةِ الشُّعراءِ تُظهرُ أنَّ في الخلقِ دلالةً تغني عن معجزاتٍ لو شاءَ اللهُ لأنزلَها وأخضَعَ لها خلْقَه، ولكنَّه سبحانَه أرادَ أن يتفكَّرَ النَّاسُ في خلْقِه سبحانَه، قالَ تعالى: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}[سورة الشعراء]

 

  • خامسًا: هلِ العلماءُ ملحدونَ حقًّا؟

سبقَ ذكْرُ عدمِ حجيَّةِ أقوالِ وآراءِ العلماء، وليسَ منَ الجيِّدِ الانجرافُ لفكرةِ الاحتجاجِ بالعلماءِ أنفسِهم لا على أدلَّتهم، ولكنْ نعطي قبسًا يبيِّنُ عدمَ التَّلازمِ بينَ الإلحادِ والعلمِ، ممَّا يُظهرُ للمتسائلِ الخللَ في أصلِ معلوماتِه.

 

لعلَّ بعضَ النَّاسِ لا يعلمون أنَّ العلماءَ الَّذين أتَوا بمكتشَفاتٍ أو أفكارٍ حاربَتْها  الكنيسةُ لم يكونوا مؤمنينَ بالخالقِ، ولكنْ معَ مراجعةِ التَّاريخِ يَظهرُ أنَّ الأمرَ ليسَ كذلك، بل حاولَ بعضُهم التَّوفيقَ بينَ مكتشفاتِه وبينَ الكتابِ المقدَّس.

 

وممَّنِ استندَ الملحدون لقوانينِه مدَّعينَ استغناءَ الكونِ بالقوانينِ عنِ الخالقِ؛ هو العالِمُ الشَّهيرُ: إسحاق نيوتن، ومعلومٌ أنَّ نيوتن لم يكنْ ملحدًا أبدًا، وقد قالَ في كتابِه [الأصولُ الرِّياضيَّة]: “إنَّ اللهَ الأعلى هو الأوَّلُ والآخرُ، قادرٌ عليمٌ، لأنَّ بقاءَه يمتدُّ مِنَ الأبدِ إلى الأبدِ، ووجودُه من اللَّانهايةِ إلى الأزلِ، وهو الحاكمُ على كلِّ شيء، والعليمُ بكلِّ شيٍء، كانَ وسيكونُ، نعرفُه فقط عن طريقِ حكمتِه المطلَقَةِ، وإبداعِه الشَّاملِ للأشياءِ والأسبابِ النِّهائيَّةِ، كما نُجلُّهُ لكمالِه، ونوقِّرُه ونعبدُهُ لسلطانِه وقدرتِه”.

 

ومِنْ أبرزِ بلْ أشهرِ علماءِ القرنِ العشرينَ هو: ألبرت أينشتاين الذي قال: “أكثرُ البشرِ ذكاءً يقفُ أمامَ الكونِ كطفلٍ في مكتبةٍ مليئةٍ بالكتبِ متعدِّدةِ اللُّغاتِ، هو يعرفُ جيِّدًا أنَّ أحدًا ما قامَ بوضعِ هذه الكتبِ، ويَشتبهُ في وجودِ ترتيبٍ معيَّنٍ لها لكنَّه ما يزالُ عاجزًا عن إيجادِ هذا التَّرتيبِ، ولا يمكنُه قراءتُها بعد”.

 

وقد نستطردُ في الحديثِ، ونأتي بعلماءَ كثرٍ، وبعضُهم حاصلٌ على نوبل، ويقرُّون بوجودِ اللهِ تعالى، ولكنَّ هذا ليسَ الغرضَ من موضوعِنا، وهناك علماءُ هندوسٌ ومسلمون ويهودُ ونصارى، وثمَّةَ إحصاءاتٌ تظهرُ أنَّ الملحدينَ أقليَّةٌ بينَ العلماءِ الذين حصلوا على نوبل من ١٩٠١ حتَّى ٢٠٠٠، ولكنْ يبقى البرهانُ هو دليلَ المؤمنِ دونَ التفاتٍ إلى كثرةٍ أو قلَّةٍ، وقد كان موطِنُ العلمِ من قبلُ هو العالَمَ الإسلاميَّ ، فهل كانَ الإسلامُ هو الحقَّ ثمَّ صارَ الحقُّ في غيرِه؟.

 

إنَّما العبرةُ بالبرهانِ، وليسَ بالرِّجالِ، وقد كانتْ حضاراتٌ في قديمِ الزَّمانِ لا يزالُ النَّاسُ ينبهرونَ بها وبآثارِها ولم يكتشفوا جميعَ ألغازِها، وكانت حضاراتٌ تنتشرُ فيها الوثنيَّةُ التي يرفضُها الملحد، ولمْ تكنِ الحضاراتُ يومًا دليلًا على صحَّةِ معتقدِ أهلِها، ولنبحرْ معًا إلى القرآنِ الكريمِ، ونستقرَّ عندَ سورةِ غافرٍ التي فيها ذِكْرُ فرعونِ مصرَ، ولا يخفى على أحدٍ حضارةُ الفراعنةِ، وقد قالَ ربُّنا: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)} [سورة غافر].

 

فهؤلاءِ فرحوا بما عندَهم مِنَ العلمِ، وسبحانَ الذي قالَ في أوَّلِ سورةٍ نزلتْ منَ القرآن: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (7)} [سورة العلق].

 

فنعوذُ باللهِ ربِّ العالمينَ مِنْ ظنِّ الاستغناءِ بالعلمِ، ومِنْ أن نكونَ ممَّنْ قالَ فيهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: ٧]، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

الكاتب: علي جلال

القراءة الصوتية: ماهر القيسي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى