مقدِّمة الكتاب

الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، أما بعد:
لم يعد المجال الفكري شأنًا خاصًا بنخبةٍ هامشيةٍ تجتمعُ في مراكز بحثية أو صوالين أدبيةٍ أو مؤتمراتٍ سنويةٍ أو جلسات مغمورةٍ هنا أو هناك، ولم تعد المفاهيم الفكرية تصب في قوالب فنية اصطلاحية غير مفهومة لعموم الناس، بل أصبحت اللغة الفكرية اليوم تجسد لغة التواصل الاجتماعي التي تتصارع مختلف القوى لضخ تصوراتها ومفاهيمها من خلالها لتقدم تلك التصورات والمفاهيم للمستهلك النهائي.

ولا يرتاب المتابع أن ثورة المفاهيم الفكرية المعاصرة ارتبطت مركزياً بثورة نظم الاتصال المعاصرة، فأصبح رموز التأثير الاجتماعي في الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي والصحافة يتنافسون في صياغة التصورات العقدية والفقهية والمنهجية من خلال أدوات وأساليب المعالجة الفكرية، وهو ما أثمر حالة من الانهماك في السجالات الفكرية حتى باتت تلتهم جزءًا كبيرًا من أوقات الشباب ومجالسهم، وأخذت الأفكار الفلسفيّة والحداثيّة بكافة تفاصيلها ومذاهبها، والمشاريع النقديّة بروادها ومؤلفيها، والمباحث الحقوقية والسياسية وغيرها تتسرب لدائرة اهتمام الشباب، وتحتل مركزاً متقدماً في سلم الأولويات لجيل اليوم.

ومع توسع دائرة الجدل الفكري وتمدد مساحاته فلن تخطئ عينك عددًا كبيرًا من المقولات التي باتت تتكرر مع تكرر هذه السجالات، وصارت بذاتها -بوعي أو بغير وعي- أداة للبرهنة والاحتجاج في سياقات الجدل والنقاش، وقد تتنوع صورها وصياغاتها لكنها عند التأمل ترجع إلى حُزمٍ معينة تسعى للتعبير عن أفكار مركزية مؤثرة، يتم صكها في جملة مركزة مختصرة، تُسهِّل عملية تناقلها على الألسن وتسللها إلى الأذهان نظراً لوضوح صياغتها، ومباشرة فكرتها، وتضمنها لحجة ميسرة تخلق نوعًا من الاطمئنان حيالها، وتتشربها النفوس بسهولة ويسر، وتظهر المشكلة حين تتضمن مثل هذه المقولات معانٍ باطلة أو ملبسة تسهم في تمرير عدد من الانحرافات الفكرية المنوعة بتنوع هذه المقولات.

وهذه المقولات هي ما اقترحنا تسميته هنا: بالمقولات المؤسسة للانحراف الفكري المعاصر.

وهي مقولات تتميز بعدد من الخصائص، من أهمها:

  1. الشيوع والانتشار: فهي مقولات تحظى بمستويات عالية جدًا من الانتشار، فلا يقتصر تداولها أو تأثيرها على نخبٍ معينةٍ من الناس، وإنما تتردد أصداؤها بين طبقات مختلفة من الناس على تفاوت ما بينهم في العلم والفكر والنظر والاطلاع.
  2. الوجازة: فهي عبارات مختصرة مركزة، تضُخُّ عدداً من المفاهيم على نحو مكثف، في كلماتٍ معدودة، وهو ما يسهل حفظها، وتداولها، ويسهم في ذيوعها وانتشارها.
  3. التأثير القوي: فهذه المقولات تأتي غالباً في مقام الاستدلال للأفكار، والبرهنة على الأقوال، والاستمساك بالمواقف، فهي تخلق وهمًا عند أصحابها بأنها تمثل حجةً حاسمةً في النقاش، فلا يدقق كثيراً في مضمونها أو يفتش عن براهينها، بل يظن أنها تكتسب طاقتها التأثيرية من ذاتها.
  4. الوضوح: فهي تعبر عن معانٍ واضحة مباشرة، لا تعقيد فيها، وهو ما يفسر شدة تأثيرها وسعة انتشارها، وهو ما يسهل توظيفها في مختلف السجالات الفكرية، واستدعائها عند الحاجة للمحاجة والجدل.
  5. الإجمال والالتباس: فهذه المقولات لا تقدم باطلاً محضاً يتفق الجميع على رفضه، وإنما يمرر الباطل من خلالها بطريقة هادئة غير مصادمة، تحت قشرة من الحق المقبول، وهو ما يفسر عدم تفطن كثير من الناس لأوجه الإشكال فيها.

والخلاصة أن الخيط الناظم الذي ينتظم هذه المقولات جميعًا مع تفاوت ما بينها قربًا وبعدًا من الحق: عموم تأثيرها، مع سهولة عبارتها، وامتلاكها لحجةٍ واضحة، في قالبٍ ملبس مختصر، وهو ما ينتج في كثير من الأحيان آثاراً فكرية تصادم بعض قطعيات الشريعة.

والملاحظ في هذه المقولات أنها تتمدد في مجالات مختلفة، ويتنوع تأثيرها السلبي ليشمل:

  1. العبث بمصادر التلقي ومناهج الاستدلال.
  2. رفض أو إنكار بعض الأصول والأحكام الشرعية المحكمة.
  3. قبول مفاهيم معاصرة مصادمة لقطعيات الشريعة، وقد تبحث لها عن مستندات شرعية مناسبة.
  4. التهوين من الالتزام بأحكام الشريعة، وهز الثقة بكمالها، أو إضعاف اليقين بها.

والمشكلة الكبرى التي يخلفها التأثير في هذه المجالات، بالإضافة إلى ما تحدثه من انحراف مفاهيمي، أنها توقع المسلم في حبائل التفريط في جنب الله، وتنزع عنه الشعور بخطأ ما وقع فيه، بل وتعطيه شعورًا زائفًا بأنه على الحق، وهو شعور قد يكون أشد خطرًا على النفس من المعصية نفسها، فوقوع المسلم في الذنب أمر طبيعي، فـ: (كل ابن آدم خطاء) لكن شعور الخطأ هو ما يحمل المسلم على التوبة، (وخير الخطائين التوابون).

فالمصيبة حين تتعطل بوصلة المسلم الإيمانية ويفتقد الشعور بأنه واقع في دوائر الهوى، وتعظم المصيبة حين تراه يسعى لترتيب إحداثيات المشهد ليوهم نفسه بأنه لا يزال في دائرة الحق، وهو ما يعرقل مسيرته في التصحيح والمعالجة والتوبة، وهذا ما يكشف عن وجه من أوجه خطورة هذه المقولات، وأن جنس الشبهة أضر على النفس من الشهوة، فالشهوة يُتاب منها، أما صاحب الشبهة فتوبته أصعب، ويزيد الأمر صعوبة حين تتمازج الشبهة والشهوة، فتُغلَّف بعض شهوات النفوس وأهوائها بشبهات، وهو ما يستدعي لونًا من الصدمة الإيمانية لتعيد للنفس توازنها، ويدرك المرء الفرق بين ميوله الشخصية وإملاءات الوحي، وحتى يثمر النقاش العلمي في إزالة داء الشبهة، وبغير هذه المكاشفة الإيمانية يكون النقاش العلمي ضربًا من العبث وامتهانًا للعلم، ولن يفضي غالبًا إلى إحداث الأثر المرجو.

فالحجاج العلمي ليس نافعاً في كل حال، وهو ما رصده القرآن في مواقف الناظرين فيه، فقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}، بل قد يكون بوابةً لمزيد من الانحدار، فلا تزيده حجج الحق وبراهينه إلا ضلالاً، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}، وقال: {وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}، وذلك بسبب أهواء هذه النفوس التي تمنعها من الانتفاع بالحق، بل قد تتحول علوم القرآن وهداياته عندهم إلى سلم دنيء لحظوظ النفس الصغيرة بدل أن تكون سلاحًا لإظهار الحق والدعوة إليه.

وإدراك هذا يفسر سببًا من أسباب انحصار خلاف أئمة السلف في فروع الشريعة التفصيلية دون أن تمتد إلى أصول الإسلام، فصفاء النفوس ويقظة الإيمان وحسن الإقبال على الوحي حققت ضمانات دينية من الانزلاق لوهدة الانحراف في الأصول، ولذا ترى أن الاختلاف في الفروع التفصيلية منشؤه غالبًا اجتهاد مأجور، أما حين ترى دوائره تحوم على أصول الإسلام وقطعياته فاعلم أن أهواء النفوس تتدسس من تحت أوهام الفكر، وهو ما أعلنه الوحي على نحو حاسم: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ}.

ولأن هذه المقولات تعتمد بدرجة كبيرة على نمطٍ من الحجة الميسرة المباشرة، فإن لها تأثيراً كبيراً جدًا في شرائح مجتمعية متنوعة، إذ الجميع بمقدوره إدراك أصل الحجة ولو تفاوتوا في إدراك تفصيلاتها، وهذا النوع من الحجج عميق الأثر، غير أن اعتماده على السهولة والمباشرة ومباعدته للتفصيل والتركيب والتعقيد قد يوقع في أغلاط كثيرة، فيؤثر في المتلقي لسهولته ولا يتفطن لمثل هذه الأغلاط، وهذا ما اتسمت به عامة هذه المقولات التي نبحثها، فهي تستند إلى حجج ميسرة وواضحة ومباشرة، فتنجح في التأثير على قطاعات واسعة من الناس، لكنها تتهاون في ضبط الحجة والتأكد من سلامتها، ويغري تأثيرها الملموس في إذاعاتها وعدم مراعاة الانضباط الاستدلالي المطلوب.

وعملية الكشف عن أوجه المغالطة الموجودة في ضمن عدد من المقولات الفاسدة ليس بالأمر الصعب، لكنه يستدعي قدرًا من دقة النظر، وترك العجلة، وتملك بعض الأدوات النقدية التي تمكن صاحبها من وضع اليد على مواضع الخلل منها، فمن تلك الأدوات مثلا:

  1. فك إجمال المقولة: فقد تتسم بقدر من الإجمال، فتدخل في طياتها قدرًا من الحق وقدرًا من الباطل، فإطلاق القول بقبولها خطأ، كما أن ردها خطأ أيضًا، بل الموقف السليم هنا في الاستفصال الذي يؤدي بصاحبه إلى إدراك مواضع الحق والباطل من المقولة، ويحسن فرزها، ويتخذ موقفًا أكثر رشدًا منها، وهو موقف أحظى أن يكون فيه الصواب.
  2. كسر سطوة الشهرة والانتشار: فبعض المقولات تكتسب قوة زائفة بسبب شهرتها وسعة انتشارها، وقبول كثير من الناس لها، وهو ما يضعف الملكة النقدية عند بعض الناس فيرضخ لضغط هذه المقولات، ويتوهم أن في تمددها مكانًا وزمانًا ما يستدعي أن تكون حقًا، والعاقل يدرك أن مجرد الانتشار والشهرة ليست معايير للحق والباطل، بل معيار الحق والباطل في الأقوال والمعتقدات ما تقوم عليه من الأدلة والحجج.
  3. إزالة البهرجة اللفظية: فبعض المقولات تتسم بقدر من الحلاوة اللفظية، سجعة لطيفة، أو صياغة طريفة، تحمل بعض النفوس على أن يهوى صحتها، وإن من البيان لسحرًا، فإذا أزيل مكياج البهرجة اللفظية عن المقولة، وعوملت بصرامة كأفكار مجردة، انكشف في كثير من الأحيان وجه الخلل فيها بمجرد ذلك.
  4. الوعي بالمقدمات الفاسدة: فقد تتكئ العبارات على مقدمات غير صحيحة، وفي زحمة مناقشة المقولة نفسها يغفل بعض الناس عن تلك المقدمات الفاسدة، فيناقش المقولة مسلماً بمقدماتها، وهو ما يُعقِّد التفطن لوجه الإشكال الحقيقي في المقولة، أو تحمله على ردها بباطل، أو الالتزام بشيء منه لتسليمه بصحة تلك المقدمات، وتمام الدقة في محاكمة المقولات يستدعي النظر في المقدمات التي انبنت عليها المقولة، وإلى ألفاظ المقولة ذاتها وما تحتويه من معانٍ، وما تفضي إليه من نتائج وآثار.
  5. التحرر من سجن المقولة: فصياغة المقولة قد تستدعي من صاحبها موقفًا إما بالموافقة عليها أو رفضها، وهو موقف قد يكون صحيحاً مع جملة من المقولات، لكنه يشكل فخًّا عند التعامل مع مقولات أخر، فليس بلازم أن ينحصر الموقف الصحيح في هذا الطرف أو ذاك، بل قد يكون الموقف الحق في موقف ثالث أوهمتك المقولة أنه غير موجود، وهذه مشكلة كبيرة لا يدركها الناس أمام كثير من الثنائيات أو الثلاثيات أو الرباعيات التي تفرضها بعض المقولات، فلا يلزم أن يكون الصواب موجودًا في قائمة المقترحات الموجودة، وهو ما يستدعي من الشخص تحررًا من أسر هذه المغالطة.
  6. ملاحظة السياق الذي توضع فيه: فكثير من العبارات والمقولات قد تكون حقًا من حيث هي، لكن يرد الإشكال عليها في طبيعة السياق الذي توظف فيه، فإذا وضعت كلمة حق في سياق باطل، أوهمت معنى باطلًا، لا من جهة صياغتها ومعناها، وإنما للهيئة المركبة التي حظيت عليها بحكم السياق، ورحم الله عليًا رضي الله عنه إذ تفطن لوجه الإشكال في قول الخوارج: لا حكم إلا لله، فقال كلمته التي سارت مسار المثل: كلمة حق، أريد بها باطل.
  7. إدراك اللوازم والمآلات: فكثير من المقولات لا تتضح مشكلاتها إلا بملاحظة ما يترتب عليها من لوازم، وما يمكن أن تفضي إليه من مآلات، فبعض المقولات تُدخل صاحبها في لون من المتوالية الفكرية، فيرى أن مقتضى تسليمه بها أن يُسلِّم بلازمها، وهي تفضي به إلى لازم آخر، وهكذا، حتى يبتعد كثيرًا عن الحق وقيمه، ويقع في انتهاك ثوابت الشريعة، الأمر الذي لم يكن مقصودًا له ابتداءً، فمن أدوات كشف هشاشة كثير من المقولات الفاسدة ملاحظة ما يمكن أن تجر إليه متى ما اطردت، وأُخذت إلى نهاياتها المنطقية.
  8. استحضار طبيعة المرجعية الحاكمة: فبعض المقولات هي عبارة عن قوالب كلية قابلة للتعبئة بمضامين متباينة، والقالب قد لا يكون خاضعًا لنقد شرعي، وإنما يظهر وجه النقد بطبيعة المضامين التي يراد أن تصب فيه، إن الأمر شبيه بإناء قابل لأن يحوي لبنًا أو خمرًا، فالإشكال ليس مع الإناء، وإنما مع طبيعة ما يحويه، وتعبئة تلك المقولات بمضامين تفصيلية يكون محكومًا بمرجعية معينة تحدد ما يصح إدخاله أو إخراجه منها، فقد يأتي بعض الناس بعبارة صحيحة، لكنه يجرها لمنطقة الانحراف بسبب المرجعية التي يريد محاكمة العبارة إليها، فالتنبه لطبيعة المرجعية الحاكمة لكثير من المقولات يكشف عن وجه الفساد المتضمن فيها.
  9. العناية بالأصول المركزية للأفكار: فالمقولات المنحرفة كثيرًا ما تُغيِّر صياغتها وتُنوع عباراتها، لكنها منطلقة من فكرة مركزية معينة، فإدراك الأصل الفكري يُمكِّن من معرفتها وإدراكها، وإن بدلت جلدها، وتمظهرت في قوالب مختلفة.
  10. تفكيك الفكرة وردها إلى أصولها الأولى: فبعض المقولات الفاسدة لا يظهر وجه فسادها إلا بتفكيكها إلى وحدات، ورد تلك الوحدات إلى أصولها، فحينها يظهر وجه الفساد فيها بملاحظة فساد تلك الأصول.
  11. كشف المضمرات الفاسدة: ففي داخل هذه المقولات أمور مضمرة، قد لا تكون واضحة في بادئ الرأي، إنما تستدعي مزيد نظر وتدقيق، فالكشف عنها يجلي أوجه الخلل والإشكال فيها، كما أن بعض المضمرات قد يكون خفياً في نفس قائلها، وهو ما يستدعي ضرورة التنبه إلى أن ما يحمل الناس على تبني المقولات وردها لا يلزم أن يكون عائدًا إلى المعطى المعرفي المتعلق بها، بل قد تكون هناك مضمرات خارجة عنها تؤثر كثيرًا في الإقبال أو الإحجام عن بعض المقولات، كالكبر والحسد والعصبية وحب المال أو الجاه أو غير ذلك، وهو كله داخل في جنس الهوى.

وسيرد في ثنايا الكتاب تطبيقات عملية لأثر مثل هذه الأدوات في الكشف عن فساد كثير من تلك المقولات الفاسدة.

وليس القصد مما سبق التهوين من أهمية الحجج الميسرة المباشرة، فقوة الحجة وسلامتها لا يستلزم أن تكون معقدة وصعبة يشق على كثير من الناس فهمها، بل عامة الحجاج القرآني هو من هذا النمط، فحججه قوية محكمة، وفي نفس الوقت هي حجج ميسرة يفهمها عموم الخلق، وقد يتفاوت انتفاع الناس بهذه الحجج بتفاوت ما عندهم من العلم والإيمان، وإنما المقصود التنبيه إلى خطورة الحجج الباطلة، والتي يمكن أن يتسبب يسرها وسهولة إدراكها في وضع غشاوة تمنع من رؤية ما تتضمنه من أخطاء وأغلاط، وما يمكن أن تجر إليه من انحرافات.

من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب، والذي يسعى لجمع عددٍ من هذه المقولات المؤسسة للباطل، ومعالجتها بنفس منطقها الواضح المباشر الميسر، بهدف كشف ما فيها من مشكلات، وفحص كل مقولة على حدة، وتحليل مضامينها الداخلية، وفرز ما فيها من حق وباطل، لتقر المعاني الصحيحة المعتبرة، وينبه إلى مواطن الإشكال والالتباس والفساد.

وسنقتصر في مناقشة هذه المقولات على تقديم إجابة منهجية تكشف عن حقيقة المقولة، ووجه فسادها، مع الاستدلال لذلك، وبيان اللوازم الفاسدة.

وقد اجتهدنا في تتبع هذه المقولات، وحصرها، ودمج بعضها في بعض، والاستغناء ببعضها عن بعض، والأمر قابل بطبيعة الحال لمزيد اجتهاد وتعديل، وهو ما ننتظره من قرائنا الأعزاء.

وستلحظ أن هذه المقولات كلها تسير في اتجاه الانحراف الفكري المتهاون، المتساهل في أحكام الشريعة، ولم ندرج شيئاً من المقولات المتضمنة للانحراف الفكري المقابل الذي يدفع نحو الغلو في الدين، نظراً لاختلاف نوعية الشريحة المخاطبة، وما يتطلبه مثل هذا من اختلاف في طريقة المعالجة، فرأينا أنه لا يستقيم إدراج الكل في معالجة واحدة، ولا يناسبها طريقة واحدة، ولعله يتيسر مستقبلًا بعون الله طرق المقولات المؤسسة لإشكالات الغلو المعاصر.

نسأل الله العون والتمام والتسديد، ونرحب كثيرًا بآراء قرائنا الأعزاء واقتراحاتهم وتصويباتهم، والتي ستكون محل عناية وتقدير شديد، كما نشكر الأخوة الأفاضل من الأصدقاء الأعزاء الذي اطلعوا على مسودة هذا الكتاب، وأمدونا بملحوظاتهم ومقترحاتهم القيمة، شكر الله لهم صنيعهم، ولا حرمهم الأجر والذخر.

والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى