(١) في القرآن كفاية

تأتي هذه الشبهة في مقولة تُظهر صاحبها في صورة المكتفي بالقرآن مصدرًا للحجة والاستدلال، فإذا استدللتَ لحكم شرعي بدليل من السنة النبوية قذف بهذه المقولة في وجهك، مدعيًا كفاية القرآن في إقامة الدين دون الحاجة لمصدر آخر، وقد يُعضِّد صاحب هذه المقولة مقولته ببعض الأدلة القرآنية كمثل قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، أو قوله سبحانه: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).

وإذا دققتَ النظر يسيرًا في طبيعة هذه المقولة بل وفي ألفاظها، وجدتها مقولة جاء ذكرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في صورة نبوءة تكشف عن انحراف قائلها، فقد صح من حديث أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفينَّ أحدكم مُتكئًا على أريكته، يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه). وهي مقالة لئيمة تُظهر تعظيم القرآن، وباطنها الإزراء بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ما تحدثه هذه المقولة من ألمٍ في نفس المسلم، إلا أنها تزيد من إيمانه بصدق نبيه صلى الله عليه وسلم إذ تنبأ بوقوع هذا الانحراف.

ومما يرفع إشكال هذه الشبهة إدراك ثلاث حقائق شرعية:  

 

  • الحقيقة الأولى: 

أن القرآن الكريم حجة، والسنة النبوية حجة أيضاً، إذ كلاهما وحي، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في روايةٍ أخرى للحديث السابق، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ألا هل عسى رجلٌ يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله).

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مأخذ كون ما حرمه كما حرم الله، فقال في رواية: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانَ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرموه).

فما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كالمحرم بالقرآن، ومبعث هذا أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم كالقرآن كلاهما وحيٌ منزل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي القرآن وأوتي السنة أيضًا.

ومن دلائل هذا في القرآن قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىْ). فهذه دلالة ظاهرة أن كل ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو وحي، وهذا يعني حجيته ولزومه على الناس.

ومن غريب الاعتراضات قول بعضهم: إن المقصود ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن لا ما ينطق به هو، فالسنة لا يشملها الخطاب.

فيقال: هذا الحمل من قائله ممتنع، إذ مقتضاه أن ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم عُرضةٌ للهوى، وهو طعن ظاهر في مقام نبوته صلى الله عليه وسلم وعصمته.

فإن قيل: فهو قول بعض المفسرين في تفسير الآية، فيلزمهم هنا ما يلزمنا.

فالجواب: كلا، بل هو لازم لكم دونهم، لفرقين مهمين:

  • الفرق الأول في الباعث: فباعثكم على هذه الدعوى مخاصمة السنة، وأما هم فمتفقون على وجوب الالتزام بالسنة وأنها وحي، وهو ما يظهر في تفسيرهم لحجج وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فاللازم لاحق بكم إذ هو حقيقة قولكم دونهم.
  • الفرق الثاني في طبيعة التفسير: إذ عامة من ذكر القرآن في مقام التفسير هنا ذكره للتنبيه على بعض ما تشتمل عليه الآية، لا أنه قصد انحصار الدلالة فيه، فالخلاف هنا ليس خلاف تضاد بل خلاف تنوع، كاختلاف الأئمة في تفسير الصراط من سورة الفاتحة. وما يحتمل أن يكون من رأي مفسر ترجيحًا فإنما هو ترجيح مبني على قرائن وبواعث مخالفة لبواعثكم، فمع مرجوحية هذا التخصيص، ومخالفته لقول كثير من المفسرين، فهو غير نافعٍ في سلب السنة حجيتها، إذ جميع علماء الأمة من زمن النبوة وحتى اليوم متفقون قطعًا على أن السنة وحي، وأنها حجة في تقرير الأحكام الشرعية، وهو ما سيظهر قطعيًا فيما يلي.
  • الحقيقة الثانية: 

أن الله تعالى أكد في القرآن أن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليس القرآن وحده، بل أنزل معه شيئًا آخر جاءت تسميته فيه بالحكمة، قال تعالى: (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

وقال سبحانه: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، وقال تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) فالمنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والحكمة، ودوره صلى الله عليه وسلم هو تعليم الناس الكتاب والحكمة، والذي أُمر بذكره ما يتلى من الآيات والحكمة، وهذه الحكمة ليست هي عين القرآن، إذ هي معطوفة عليه فاقتضى أن تغايره، وهي ليست إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ما بلَّغه النبي صلى الله عليه وسلم للناس لا يخلو أن يكون من كلام الله تعالى (الكتاب) أو شيئًا من كلامه (الحكمة = السنة).

  • الحقيقة الثالثة:

ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بلزوم سنته صلى الله عليه وسلم، وشواهده في كتاب الله كثيرة جدًا، وهي تكشف عن دلالة قطعية مؤكدة على حجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن نجمل هذه الدلائل باختصار شديد فيما يلي:

  1. الأمر الصريح بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
    قال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، وقال الله تبارك وتعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال الله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)، وقال الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
  2. بيان أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم من طاعة الله تعالى:
    قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً).
  3. بيان ما في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأجر والثواب في الآخرة:
    قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقال عز وجل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، وقال سبحانه: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
  4. بيان الوعيد على من خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم:
    قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)، وقال عز وجل: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)، وقال سبحانه: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ).
  5. نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).
  6.  بيان أن المعرض عن سنته واقعٌ في النفاق:
    قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً).
  7. حرمة التقديم بين يدي سنته ﷺ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
  8.  الأمر بالرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع:
    قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ).
  9.  الأمر بالتأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم:
    قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)، وقال سبحانه: (فَآمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

فهذه حقائق قرآنية قطعية في وجوب الأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم، فمن يؤمن بالقرآن حقاً ليس له مناص من اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ تواتر فيه الأمر بوجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أنها من طاعته سبحانه.

فإن قيل: إنما المقصود طاعته بالأخذ بما جاء في القرآن، فإذا أمر بما فيه فتجب طاعته.

فيقال: إذا كانت طاعته محصورة في المنصوص في القرآن، فلماذا يأمرنا الله بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأساس! إذ لا فرق بين الرسول وغيره في هذا، فكل من أمر بشيء أوجبه القرآن وجبت طاعته، فما معنى تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة هنا؟ ويقال في الائتساء والاقتداء به ما قيل في الطاعة.

الدلالة العقلية: 

لدينا هنا ثلاثة مسارات عقلية تدل بالضرورة على كون السنة وحي محتج به، وأنه لا يصح الاستغناء عنها بذريعة كفاية القرآن وحده:

  • المسار الأول

عدم إمكانية إقامة الدين قطعًا دون اعتبار سنة النبي صلى الله عليه وسلم:

ويمثل هذا الاحتجاج العقلي أحد الاحتجاجات العلمية المبكرة المستعملة في دفع شبهة مدعي الاكتفاء بالنص القرآني، حيث جاء عن عمران بن حصين رضي الله عنه في مخاطبة رجلٍ وقع في ذات هذا الإشكال، فقال له: (إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله تعالى الظهرَ أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدّد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسراً؟ إن كتاب الله أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك).

وهو احتجاج بيّن ظاهر، يوضح أن من ينكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم سيكون عاجزاً عن إثبات الدليل على مسردٍ طويل جدًا من الأحكام الشرعية القطعية، والتي لا يختلف عليها مسلم، غير أن بيانها قد جاء في السنة.

وربما يقول قائل هنا: إن هذه الأمور من قبيل المتواتر العملي عند الأمة فيجب الأخذ بها.

فالجواب: أن هذا الاعتراض في الحقيقة نقضٌ لكلام مدعيه، لأنه نسي أن دعواه هنا تقوم على حصر الحجية في القرآن وحده، فإذا احتج بالمتواتر العملي فقد تجاوز الاحتجاج بالقرآن، وإذا خرج عنه فقد أقر على نفسه بأن دعواه باطلة.

ثم يقال له بعد ذلك: هذا المتواتر العملي على ماذا اتكأ في بنائه؟ ولن يجد هذا المدعي إلا أن يقول: هو شيء تُلقِّي من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ الدين لا يتلقى من غير سبيله، فيقال: فالمتلقى عنه صلى الله عليه وسلم إما أن يكون شيءٌ من كلام الله وهو ما نقله للأمة من القرآن، أو من كلامه وهو من سنته، وما دامت هذه الأحكام العملية المتواترة للأمة غير موجودة في القرآن فيلزم أن تكون من السنة، فحصل المطلوب.

  • المسار الثاني:

أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي خير معين على فهم كتاب الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعلم البشر بكلام الله تعالى، ومن أدواره صلى الله عليه وسلم بيان معاني القرآن، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، قال الإمام أحمد رحمه الله في أصول السنة: (والسنة عندنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسنة تفسر القرآن). وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: (الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب، وقال: الحديث تفسير القرآن).

ومن جميل الآثار المنقولة المؤكدة لهذا المعنى ما جاء عن أيوب السختياني أن رجلاً قال لمطرف بن الشخير –وهو من كبار التابعين – لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: (والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منَّا).

فالمتبع للسنة الآخذ بها أولى أن يكون مصيبًا لمراد الله تعالى من كتابه، إذ قد جاء الأمر من بابه، وطلبه من أعلم الناس به.

  • المسار الثالث:

أن إنكار السنة النبوية يلزم منه لزوماً قطعياً الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، بل والطعن في القرآن، وذلك من ثلاث أوجه:

  • الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم تناول بالذكر أموراً ليست في القرآن، فقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه تحدث عن مغيبات ماضية ومستقبلية وآنيّة، كما سنَّ الكثير من التشريعات والأحكام، ويلزم من قال بكفاية القرآن وحده أن يطعن في النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم قد تحدث فيها بكلام كثير جدًا وليس له مستند في القرآن، فعلى أي شيء يحمل كلامه عليه الصلاة والسلام في هذه الأمور ما دام أن قوله فيها ليس بحجة؟
    وتأكيدً لهذه المسألة، نستعرض مثلًا واحدًا فقط مما هو داخل في هذا الشأن مما جاءت الإشارة إليه في القرآن لئلا ينازعنا الخصم في وقوعه قطعًا، وهو ما تواتر من شأن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس في صلواتهم في أول الأمر حتى أمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة، فقال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه لبيت المقدس بأي شيء كان، وليس في القرآن أمرٌ باستقبال قبلةٍ سابقة على الكعبة لتجيء هذه الآيات القرآنية ناسخة له؟
    وهذا يدل على نحو صريح بأن ما جاء في سنته صلى الله عليه وسلم من تشريعات يجب الأخذ بها كالقرآن لأنها من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أطاعه فقد أطاع الله.
  • الوجه الثاني: لو كانت السنة غير واجبة الاتباع، بل وضال من يتبعها، لوجب أن نجد في القران ما يوضح هذا الأمر المهم حتى يعرف الناس دينهم، لكننا لم نجد شيئاً من ذلك في القرآن، بل وجدنا فيه ما يخالف ذلك من الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان فضل ذلك وبركته، وما يترتب عليه من الخير في الدنيا والآخرة، وما يلحق التارك له من الوعيد الشديد، وعلى هذا سار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين نقلوا لنا هذا الدين فاعتمدوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التشريع، واتفق عليه المسلمون من بعدهم، فالقول بأن السنة ليست بحجة يعني أن الشريعة كانت ملبسة على الناس ولم تبين لهم الحق، بل وضللتهم عنه.
  • الوجه الثالث: من اللوازم الخطرة التي تكشف بشاعة هذه المقولة وشناعتها، أنها في الحقيقة لا تخرج إخراج النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من دائرة المخاطب بها، بمعنى أن صاحبها لو كان في زمن النبوة وكافحه النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر مما ليس في القرآن نصًا، للزم صاحبها أن يقول: يا رسول الله، حسبنا كتاب الله! وكفى بهذا المشهد قبحًا وضلالًا. إذ هو مع ما يتضمنه من سوء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومبادرته إلى العصيان، يتضمن تناقضًا كبيرًا، إذ كيف يصح أن يردّ أمرَ من يعترف له بالرسالة، وقد سبق بيان أن لازم رد أمره هو طعن في رسالته ونبوته، فاعتراف هذا المدعي برسالة النبي صلى الله عليه وسلم دعوى تكذبها هذه الممارسة.

وهذه اللوازم الشنيعة لا يمكن أن ينفك عنها من ينكر حجية سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا تجد أن إنكار السنة يكون مدخلًا لكثير منهم إلى إنكار بعض أحكام القرآن أو ترك الإسلام بالكلية، لأن هذا القول في حقيقته منافٍ للقرآن، ويلزم منه الطعن في شريعة الإسلام ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهو ما يغذي النفاق والتمرد على الدين بالكلية.

بقي الكلام على إشكال الاستدلال بقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، وقوله سبحانه:(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، على أنها تحصر الحجية في القرآن وحده دون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يمكنالاكتفاء به عن السنة، لأنه جاء تبيانًا لكل شيء.

والجواب: أن ما سبق ذكره من دلائل لزوم الاحتجاج بالسنة النبوية معانٍ محكمة، وهو ما يوجب السعي في جمع دلائل الشريعة بعضها إلى بعض، لا أن يُضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، ولذا فالمتعين هنا فهم مراد الله تعالى من كون القرآن تبيانًا لكل شيء، وبإدراكه ينحل إشكال هذا الوهم الفاسد، فالآية الكريمة إنما جاءت بعموم أريد به الخصوص، فهي تقصد أن القرآن جاء تبيانًا للأمور التي يحتاجها المسلم في دينه، وهذا بدهي لأي ناظر في القرآن وفي طبيعة القضايا التي جاء بها، ولا يمكن أن يفهم من الآية أن في القرآن ذكراً لكل شيء مما يتعلق بعلوم الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء مثلًا، فهذا فهم باطل بداهة، فهذا مراد الله من كون القرآن تبيانًا لكل شيء أو تبيانًا لما يحتاجه المسلم من شأن دينه.

ثم إن بيان القرآن للأمور الدينية أوسع دائرة مما يتوهمه من يريد حصر الحجية فيه دون غيره، فالقرآن قد يدل على الأحكام الشرعية إما بالنص المباشر عليها، أو بالدلالة عليها من خلال ما أقامه من دلائل معتبرة كالسنة، فاتباع السنة في الحقيقة هو اتباع للقرآن كما سبق، وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله، فهذه من طرائق تبيان القرآن للأحكام، بالإشارة إلى ما يبينها من الأدلة المعتبرة، ومنها سنته صلى الله عليه وسلم.

أما قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) فيمكن استبانة معناها من خلال ملاحظة سياقها، حيث جاءت في سياق قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) فالسياق يكشف أن الكتاب هنا ليس القرآن، وإنما هو اللوح المحفوظ كما نص عليه عدد كبير من أهل التفسير. وبتقدير أن يكون المقصود به القرآن كما قاله بعض أهل التفسير، فيؤول معناها إلى المعنى المذكور للآية السابقة، بأن في القرآن بياناً لكل شيء من أمور الدين، ولم يترك شيئاً لم يفصله بدلالة ظاهرة أو بمجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم.

والخلاصة التي لا ينبغي لمسلم أن يتنازع فيها، أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي وحي مُنَزَّل، ولأجل ذلك كانت حجة شرعية معتبرة، وقد انعقد إجماع أهل الإسلام كافةً على هذا، فمن خالف في هذا ورده فهو المتوعد بمثل قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى