(١٠) التمسك بروح الشريعة


تمسَّكْ بروح الشريعة، وخذ بمقاصدها، وراع الكليات الكبرى فيها، وحافظ على الأصول، ونحو هذه العبارات التي تسعى لتقرير قضية واضحة ومباشرة وهي: أن الشريعة الإسلامية لها روحٌ مستلهمٌ من مقاصد وكليات كبرى، يجب الحرص عليها، والتمسك بها، وتفسير كل حكم جزئي تفصيلي في ضوئها، بل وتقييده أو رده وفقًا لذلك، إذ المقاصد تعبر عن هدف الشريعة، وغايتها، وما تسعى لتحقيقه من مصالح كبرى التي تقررها، فإن ترتب على أي حكم ما يخالف هذه المقاصد فلا يمكن أن يكون حكماً شرعياً صحيحاً.
وهنا نتساءل: من أين يأتي الإشكال في مثل هذا؟
يأتي الإشكال في طبيعة هذه المقاصد التي يُتحدث عنها، وفي كيفية التعرف عليها، فمقاصد الشريعة تُعرف من خلال تصريح الشارع، بأن تقرر الشريعة على أن هذا الأمر من مقاصدها، فمن مقاصد الشريعة تعبيد الخلق للخالق: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)، ومن مقاصدها حفظ الأنفس: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).
أو تعرف من خلال استقراء الفروع الشرعية المتنوعة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتي تمكننا من إدراك وجه الحكمة في تشريعها فتفضي بنا إلى إدراك مقاصد الشريعة وكلياتها الكبرى.
فالمقاصد لا تدرك معزولة عن الشريعة، وإنما تعرف من خلال نصوصها وفروعها، ومتى تتبعنا هذه النصوص وتلك الفروع أمكننا العلم بأن من مقاصد الشريعة: حفظ النفس مثلًا، وأن من مقاصدها أيضًا: التشديد في حقوق الناس، ومنع أي تعدٍ أو ضرر عليهم، وأن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة، وهكذا.
فهذه المقاصد هي في الحقيقة خلاصة نظرٍ في الأحكام الشرعية التفصيلية، فهي التي توصلك لإدراك القواعد الكلية التي تقوم عليها هذه الشريعة.
وبناءً على هذه المقدمة التي ينبغي أن تكون بدهية، فلا يصح أن يقال في مواجهة حكم شرعي تفصيلي: دعونا نتمسك بالمقاصد، لأن المقاصد إنما تعرف أصلا ًمن خلال تتبع لهذه الأحكام الشرعية التفصيلية، فإذا اتخذتَ من المقاصد ذريعةً لرد الجزئيات فأنت في الحقيقة تقع في مشكلة منهجية واضحة وهي: أنك عمدت إلى وضع مقاصد جديدة، ثم حاكمتَ إليها نصوص الشريعة، بل وأسبغت على مقاصدك هذه وصف الشرعية!
وهو مزلق خطر، إذ فيه تقصيد للشارع، وادعاء أن الله حين أنزل الشريعة أراد منها ما أردتَ، فإذا لم يكن الأمر كذلك وقعت في الكذب المركب على الله تعالى، فكذبت عليه حين ادعيت أن من مقاصده في إنزال الشريعة كذا وكذا، وكذبت عليه بعد ذلك بعدد ما سيتناسل من هذا المقصد المكذوب من فروع توهم نسبتها إلى الشريعة: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
وهذه الإشكالية تمثل ثغرةً منهجية هائلة نتجت عن الفقر الشديد في استقراء نصوص الشريعة، أو -وهو الأسوأ- توهم أنه لا داعي لهذا أصلًا.
فعلم مقاصد الشريعة علمٌ كاشف يكشف عن مقاصد الشريعة بالنظر إلى الشريعة ذاتها وما حددته من المقاصد نصاً، أو ما يمكن تحصيله منها عن طريق النظر والاستقراء لجزئياتها، وهو مقام علمي رفيع يجب أن يتحلى صاحبه بالعلم الوافر، والاستقراء التام، والورع الشديد خوفاً أن يقول العبد على الله وشريعته بلا علم.
وقد كان الشاطبي مدركاً لخطر هذا التوظيف المنحرف للمقاصد، فأكد على أهمية التحلي بهذه الخصائص والمؤهلات، فقال في مقدمة أشهر كتابٍ مؤلفٍ في شأن المقاصد وهو الموافقات: (ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظرَ مفيدٍ أو مستفيد؛ حتى يكون ريانَ من علم الشريعة، أصولها وفروعها، منقولها ومعقولها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب، فإنه إن كان هكذا؛ خيف عليه أن ينقلب عليه ما أودع فيه فتنة بالعرض، وإن كان حكمة بالذات)( ).
فحين يأتي أحدٌ فيرد حكماً شرعياً متعلقاً بالمرأة أو بالتعامل مع الكفار أو بالعقوبات بدعوى معارضتها لمقاصد الشرعية، فهو يرد الحكم لأنه خالف مقصدا ًوضعه هو، وليس لأنه خالف المقصد الشرعي فعلًا، لأن المقصد الشرعي إنما يعرف من خلال فروع الشريعة كما مرّ. وبه يتضح حجم الجناية حين يأتي أحدهم مثلاً إلى قسمة الميراث الذي قال الله فيه: (للذكر مثل حظ الأنثيين) ويقول: هذا مخالف لمقصد الشريعة في المساواة! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من البراءة من الكفار، والنهي عن توليهم فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة من الانفتاح على الآخر! أو يأتي إلى ما جاء في الشريعة من النهي عن الربا فيقول: هذا منافٍ لمقصد الشريعة في التيسير وتحريك الأموال! فيجهز على الفروع الفقهية بسيف المقاصد، وهي في الحقيقة ليست مقاصد للشريعة، بل مقاصد جديدة للأهواء والأذواق أصبحت حاكمة على الشريعة.

وحتى تتأكد من حجم عبثية كثير من الخطابات المتعلقة بذيول المقاصدية وما يسمونه روح الشريعة، فإن كثيرًا من المصطلحات التي يسوقونها في هذا الباب لم تحرر تحريرًا علميًا، بل هي مجرد مصطلحات عائمة وفضفاضة وغير واضحة، فإذا وجد أحدهم نصاً مشكلاً عليه في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقف في وجهه بأن هذا مخالف لروح الشريعة، ومصادم لمقاصد الإسلام، فإذا طلبت منه أن يشرح ما المقصد الشرعي هنا؟ وما روح الشريعة؟ جاء بكلام فضفاض عام، وهو ما يكشف عن كسل معرفي في تأدية الواجبات البحثية المتعلقة بالدعوى، فإن الدعاوى مجردة عن الأدلة والحجج والبراهين مجرد عبث علمي لا قيمة له.
والتعامل مع الأحكام الشرعية لا يكون بهذه الطريقة الفوضوية العبثية، بل يتطلب الأمر دقة علمية ومنهجاً بيناً ونظراً موضوعياً حتى يتمكن المسلم من إثبات أن هذا الحكم يخالف المقصد الفلاني، ولا يكون إلا ببيان أمور:
الأمر الأول: تحديد المقصد الشرعي بصورة واضحة بينة.
الأمر الثاني: بيان وجه المخالفة والتناقض بين الفرع الجزئي، والمقصد الكلي.
الأمر الثالث: بيان سبب ترجيح المقصد، وعلى ماذا استند.
الأمر الرابع: بيان كيفية التعامل مع الفرع.
وهذه الضوابط لا تكاد تجدها عند من يتحدث بأننا نريد التمسك بالمقاصد وبروح الشريعة، لأنها لا تنطلق من طريقة موضوعية، أو منهجية متماسكة، بل من رؤية تتعامل مع كثير من المقررات الفقهية باعتبارها عبئًا يحتاج إلى التخلص منه وتجاوزه.
إن وجود ما يظهر للناظر تعارضًا بين أدلة الأحكام الشرعية أمر واقع وسائغ، وهو ما ينكشف بمراجعة أبحاث الفقهاء، فكتب الفقهاء مليئة بالخلاف والجدال في أحكام ونصوص كثيرة، تتفاوت فيها أذهان الفقهاء في كيفية الترجيح، لكنها محكومة بمنهجية منضبطة ونظر دقيق، فيجتهدون وفق معايير موضوعية في تطلب الحق، وهم فيها بين الأجر والأجرين.
وهذه الحال العلمية الموضوعية كما ترى تختلف عن تلك العبثية التي تتساقط فيها كل الشروط الموضوعية ومناهج النظر والبحث، فيأتي أحدهم مثلًا إلى حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (من بدل دينه فاقتلوه)( ) مع أدلة أخرى تمنع من وجود حرية الردة عن الاسلام، فيردها بناءً على أن هذا يخالف مقصد الشريعة في الحرية.
فيضع أولاً مقصداً من عنده يفسره بناءً على رأيه الخاص ليرد به حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لا تجد هذا المقصد مفسراً بشكل واضح، فكل شخص يفسر الحرية وفق حدوده وضوابطه، ولا ينظر في وجه الجمع الذي يدفع التعارض، بأنه يمكن أن تجعل الحرية في الاسلام مقيدة بضوابط منها عدم الخروج عن الدين إلى غيره جهاراً، وإنما يبادر برد الحديث مباشرة، ثم لا يقدم أدلة صحيحة سالمة تثبت هذا المعنى الذي ذهب إليه، ولا يجيب عن الأدلة الأخرى التي تثبت أن الحرية التي يتحدثون عنها غير موجودة في الإسلام أصلًا.
فالخلل هنا إذن ليس في توهم وجود تعارض في عين الناظر بين بعض أحكام الشريعة، فيبدو له أن حكماً يعارض حكمًا آخر، أو أن حكماً يعارض قاعدة أقوى منه، فيجتهد في دفع ذلك وفق اجتهاد شرعي معتبر، وإنما حقيقة الأمر هدم لأحكام وفروع ونصوص من خلال ضربها بالمقاصد بلا منهج موضوعي.
ومما ينبغي التأكيد عليه أيضًا في هذا الشأن أن الفروع هي في الحقيقة مسرد شارح للتفاصيل الداخلية للمقاصد، إذ المقاصد قضايا كلية عامة، وكثيرًا ما يقع الاتفاق بين الناس على اعتبار عدد من الكليات، لكنهم مع اتفاقهم عليها يختلفون كثيرًا في سبل تحقيقها، وما يدخل فيها وما يخرج، فالناس مثلًا لا يتنازعون في حسن العدل، وهو كذلك في نظر الشريعة، لكن حالة التوافق على هذا الشأن الكلي لا يعني أن هناك توافقًا على مضامين العدل الداخلية، إذ لكل مجتمع وثقافة ومذهب فروعه التفصيلية التي يحدد من خلالها حقائق العدل التفصيلية وهذه التفصيلات هي ما يُشكِّل إطار العدل في الواقع ويحدد ملامحه وصورته، فالليبرالية مثلاً ترى أن العدل إنما يتحقق في فتح الحرية للناس جميعاً دون تدخلٍ للسلطات في منع أحد بسبب ضرر ديني، أما المسلم فالعدل عنده يكون في منع ما يلحق بالناس ضررًا بالدين، وهكذا ترى أن مقصد العدل يتأثر في تفاصيله بالمرجعية الحاكمة التي يعتمدها كل طرف، فإذا جاء أحد ورد حكماً شرعياً بدعوى أنه مخالف لمقصد العدل فهو في الحقيقة لا يعتمد العدل على وفق الشريعة، بل يأتي بالعدل متأثراً بثقافة أخرى ويريد محاكمة الشريعة إليها.
ومن الإشكاليات المولدة من تصور القطيعة بين الفروع والمقاصد: التعامل مع الفروع والتشريعات الجزئية باعتبارها مجرد وسائل لمقاصد يمكن استبدالها بغيرها من الوسائل متى ما حققت تلك الوسائل المستحدثة المقاصد المطلوبة، إذ المقصد هو الذي يجب الاستمساك به، أما الوسائل فلا يصح أن تكون مقصودة لذاتها فيُتشدد في التمسك بها، بل يُتمسك بها ما دامت محققة للمقاصد، فإذا كان هناك سبيل لتحقيق المقاصد هنا دونها، فليس من العقل التشدد في شأن الوسائل.

وهذه الإشكالية كما ترى هي فرع عن مشكلة منهج استخراج المقاصد الشرعية عند صاحب هذه المقولة وكيفية الاطلاع عليها ومعرفتها، فإذا ما انضاف إليها وهْم أن مقاصد الشريعة محصورة في تحقيق المصالح الدنيوية فقط تعاظمت المشكلة، وصار من الطبيعي أن تتراجع قيمة المأمورات الشرعية والمنهيات التفصيلية في حس هذا الواهم.
إن دعوى إمكانية استبدال أحكام الشريعة التفصيلية بأحكام أخر تحقق عين مقاصدها يتضمن جرعةً عاليةً من الغرور المعرفي بادعاء معرفة تفاصيل المقصد الشرعي لتلك الأحكام وحدودها، ثم ادعاء أن ثم وسائل أخر تحقق عين المقصد الذي قصدته الشريعة بتلك التشريعات، وأن هذه الوسائل يمكن الاستغناء بها عن الوسائل التي قررتها الشريعة.
وهب أننا تنزلنا وقلنا: هذه التشريعات التفصيلية في مختلف أبواب الشريعة مجرد وسائل لغايات، فإننا جازمون بأن هذه الوسائل المنصوص عليها محققة لغاياتها، لأن الشارع الذي وضعها أراد بها تحقيق تلك الغايات مع كمال علمه سبحانه وحكمته، وادعاء أنه بالإمكان إحداث وسائل أخرى تحقق عين تلك الغايات من غير زيادة أو نقص دعوى تحتاج إلى البرهنة والإثبات.
وإذا تأملت في ممارسات هؤلاء في استحداث الوسائل فستلحظ أن ما اقترحوه من الوسائل البديلة لا يسلم من الاعتراض والنقد، فحين يتحدث أحدهم مثلاً بأن قطع يد السارق شعيرة شرعت للردع عن السرقة فيمكن أن تستبدل بما يحقق الردع كالسجن، فهذا المثل لا يخلو من إخلال عظيم في معرفة تفاصيل ما يتعلق بمقصد (الردع) وحدوده، فليس المقصود هو تحقيق مطلق الردع بل تحقيقها بالقدر الذي يتحقق من خلال تشريع القطع من غير زيادة أو نقصان، فالقتل يحقق الردع أيضًا، فهل يسوغ أن تستبدل شريعة القطع به لمجرد اشتراكهما في مطلق الردع.
ومن جهة أخرى فثم ملابسات تتصل بالعقوبة الشرعية (القطع) والعقوبة البديلة المقترحة (السجن) يجزم الناظر فيها أن استعمال هاتين العقوبتين وإن تقاطعتا في شيء من النتائج فثم قدر من الافتراق يوجب القول بأن الوسيلة الثانية لا توصل لعين ما توصل إليه النتيجة الأولى.
فمجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع مثلاً يؤدي إلى الزجر عن السرقة بما لا يحققه الإعلان عن عقوبة السجن، كما أن في السجن قد يشكل محضناً لبث ثقافة الإجرام والفساد بين السجناء، ففيه من المفاسد ما ليس في عقوبة القطع، وغير ذلك من الفوارق الموضوعية بين ما يترتب على إقرار حد القطع وإقرار عقوبة السجن لمعالجة مشكلة السرقة.
ثم إن كان الكل يوصل إلى نتيجة واحدة حقيقة والغرض تحقيق تلك النتيجة المعبر عنها بالمقاصد فلم هذا الإصرار على تعطيل الوسيلة التي اعتبرها الشارع واستبدالها بوسيلة أخرى؟!
إن السبب في الحقيقة ينكشف بما سبق ذكره من استحضار بواعث هذا الخطاب في التعلق بنظرية المقاصد، فليس القصد هو الاستمساك الموضوعي بهذه النظرية وإنما الأخذ منها بالقدر الذي يحقق هدر ما أرادوا هدره من أحكام الشريعة، ولذا فمتى ما أفضى التمسك بهذه النظرية إلى ما يتوهمونه تشدداً فقهياً رأيت أولئك ينقلبون على هذه النظرية ويصبحون حرفيين ظاهريين جداً، وبه ينكشف حضور الهوى كموجه للشخص في خياراته الدينية، لا أن تكون الشريعة ذاتها هي الموجه.
إذن، نخلص مما سبق إلى أن التمسك بمقاصد الشريعة يقتضي في نفس الوقت التمسك بفروعها، وأن من يدعو إلى التمسك بمقاصدها لهدم بعض الفروع فهو لم يتمسك بالمقاصد من الأساس، فما يدعو إليه ليس روح الشريعة ولا مقاصدها ولا كلياتها، بل هو شيء أجنبي عنها يتخذه تكأةً لإسقاط بعض أحكام الشريعة بلا حق، وهو من جنس الهوى الذي يجب على المسلم الحذر منه عند التعامل مع الأحكام الشرعية لأنه يصد عن الحق، والله يقول: (ولا تتبع الهوى فيصدك عن سبيل الله).

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى