(١١) التعلق بالقشور


من الأمور الشائعة عند كثير من الناس تقسيم مسائل الدين إلى: لبٍّ وقشور، ثم تراه يبدي حفاوته بما يراه لبًا مع حطه على ما يظنه هامشيًا وثانويًا من أمر الدين ويصفها بالقشور تزهيدًا فيها، وهذه الأمور قد تضيق وتتسع بحسب حال الناقد، وبحسب مقدار تعظيمه للشريعة. فيصل الحال ببعض الناس إلى جعل الأحكام التشريعية التفصيلية قشورًا في مقابل تعظيم شأن مقاصد الشريعة، وبعضهم قد يطلقها بحسن نيّة قاصدًا التأكيد على الاعتناء بما هو أهم في نظر الشريعة مما هو دونها في الرتبة.
وهذه المقولة تتضمن إشكاليتين مركزيتين: إشكالية في اللفظ المستعمل، وإشكالية في المعنى.
فأما مشكلتها اللفظية: فهي في استعمال مفردة القشور في وصف بعض أحكام الشريعة، وهي لفظة تعطي إيحاءًا سلبيًا حيال تلك الأحكام الموصوفة بها، بأنها أمرٌ يمكن تركه، بل والتخلص منه، إذ هذا إجراء طبيعي حيال القشور.
وما من شك أن أمر الدين بتفاصيل أحكامه أعز وأشرف من أن يوصف شيء منها بمثل هذا الوصف، فإن أحكامه وإن تفاوتت رتبه، فجميعها موضع تعظيم وتقدير، فالمسلم مأمور أن يأخذ بالإسلام كاملًا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}. وقال صلى الله عليه وسلم: (فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)( ) .
واللافت أن هذه التسمية التبخيسية للشريعة أو بعض أحكامها ليست حديثة، فلقد كان بعض المتصوفة في القديم يسمي علم الشريعة قشرًا في مقابل علم الحقيقة، وقد تصدى أهل العلم لهذا الإطلاق، مظهرين تحفظهم على استعمال هذه اللفظة في توصيف الأحكام الشرعية، فحين سئل العز بن عبد السلام : )هل يجوز أن يقول المكلف: إن الشرع قِشرٌ ظاهر، علم الحقيقة لُبُّه، أم لا يجوز؟…)
أجاب رحمه الله تعالى: (لا يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشرًا؟! وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء ومن أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطْلِق مثلَ هذه الألقاب إلا ْغَبيٌّ شَقيٌّ قليلُ الأدب! ولو قيل لأحدهم: إن كلام شيخك قشور، لأنكر ذلك غاية الإنكار، وَيُطْلِقُ لفظَ القشور على الشريعة؟! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فَيُعَزَّرُ هذا الجاهل تعزيرًا يليق بمثل هذا الذنب) ( ).
وكذا جاء عن تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى إنكار هذا الاستعمال في ضمن جواب له في مسألة السماع فقال: (وقولهم: من أهل القشور، إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام فليس من القشور بل من اللُّبِّ، ومن قال عليه: إنه من القشور، استحقَّ الأدب، والشريعة كلُّها لُباب)( ).
فهذا تحفظ على استعمال اللفظ، فمع الإقرار بتفاوت رتب مسائل الشريعة، وأن بعضها يحفظ ما فوقها كحفظ القشر للب، فإنه لا يجوز إطلاق هذه اللفظة لما توهمه من معنى فاسد، خصوصًا وأن كثيرًا ممن يطلقها قد يطلقها على ما يمثل أمرًا واجبًا، أو ركائز شرعية كبرى.
وأما مشكلتها المعنوية، فهو في قصد التزهيد ببعض شعائر الدين، فمن كان ملتزمًا بأي أمر من أمر الدين فلا يصح أن يزهد فيه بتسميته قشرًا، والتعامل معه بهذا الاعتبار، وهو أمر يفتح باب الانتقاص من شأن الدين، قال صلى الله عليه وسلم: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإسلام عُرْوَةً عُرْوَةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها: فأولهن نقضًا الحُكْمُ، وآخِرُهُنَّ الصلاة)( ) .
وقد يقول بعضهم: إن اللب هو واجبات الشريعة وفرائضها، وأما القشور فهي ما كان من قبيل المستحبات والمندوبات.
والجواب أن يقال: لا شك أن المندوبات دون الواجبات في الرتبة، ولكن ذلك لا يعني أن توصف بأنها قشور أو أن تكون موضع إهمال، فإنها من أعظم أبواب التقرب إلى الله، ونيل محبته ورضاه، فعن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليِّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)( ) .

وهي أيضًا تعد سياجًا لحماية الواجبات، فإن من انتقص منها أوشك أن يتسرب الانتقاص إلى الواجبات، فالتزامها يعد صيانة للواجبات، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرامَ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعِرْضِه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتعَ فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حِمى، ألا وإن حمى الله محارمُه، ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صَلُحت صلَح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب)( ).
وهي أيضًا مكملة لما يقع في تلك الواجبات من نقص وتقصير، قال صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك)( ).
بل الالتزام بمثل هذه المندوبات يدل على ظهور أمر الدين، وعلو شأنه، وهو أمر إيجابي مطلوب بلا شك، وشيء تتشوف إليه الشريعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عَجَّل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون)( ) .
وقد تحتمل الحمية بعضهم أحيانًا إلى إطلاق هذه اللفظة نصيحة لمن وقع منه تفريط في بعض الواجبات، مع التزامه بشيء أقل منها في الرتبة، كمن حرص على قيام الليل حتى فَوَّت صلاة الفجر، فيقول له لا تتمسك بالقشور وتترك اللب.
فيقال لمثل هذا: إن علاج هذه الحالة إنما يكون في التحفيز للالتزام بالواجب، لا بإهدار المستحب بإطلاق، ولا بأس بأن يتوجه الإنكار ببيان رتبة ما فرط فيه في مقابل ما التزم به، دون استعمال لفظة تنزل برتبة المستحب عن الرتبة التي وضعها الشارع الحكيم.
فنحن نقر جميعاً بأن مسائل الدين ليست كلها في رتبة واحدة، بل بينها تفاوت كبير، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في شعب الإيمان: (الإيمان بضع وسبعون -أو بضع وستون- شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)( ) . لكن لا يعني ذلك أن إماطة الأذى عن الطريق شأن تافه، بل ما دام شعبة من الإيمان فشأنه عظيم، لكنه لا يبلغ في عظمته رتبة ما فوقه من شعب الإيمان.
وليس من المنهج الشرعي والموضوعي أن يزهد في بعض شعب الإيمان لصالح بعض، مع لزوم معرفة رتب المسائل الشرعية، والتعامل مع كل رتبة بالقدر اللائق بها، فلا تُعامل الصغائر معاملة الكبائر، ولكن لا يقلل من شأن الحرص على تجنب الصغائر.
وتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم، لتدرك خطورة تحقير شأن بعض الذنوب والمعاصي: (إن الشيطان قد أيس أن يُعْبَدَ بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون)( ) ، وعن أنس رضي الله عنه قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات) قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات( ).

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى