(١٢) الانشغال عما هو أهم


من المقولات الدارجة التي توجه لمن يأمر ببعض الأحكام الشرعية أو ينهى عنها أن ما تفعله هو انشغالٌ عما هو أهم، وهو إغراق في الجزئيات على حساب الكليات، ودوران في الهوامش على حساب المركز، ونحو ذلك.
هذه المقولة تنكر العناية أو الاهتمام بموضوعات معينة كالأمر بالحجاب، والنهي عن الاختلاط المحرم، والحث على الصلوات في المساجد، والمحافظة على السنن، والإنكار على بعض المحرمات بأن هذا كله انشغال بالجزئيات، مع ضرورة العناية بالكليات والأصول الكبرى.
ونحن هنا يجب أن نميز بين موقفين:
الموقف الأول: أن يكون الإنكار متعلقاً بذات الأحكام، بمعنى أنها أحكام غير صحيحة، فقائل هذه المقولة لا يعترف أصلاً بأنها أحكام شرعية، وبناءً عليه فالواجب على مثله أن لا يحول النقاش إلى الجزئي والكلي، والهامشي والأصلي، بل أن يصمد إلى الموضوع ويبين وجه كون تلك الأحكام غير معتبرة ولا يعتد بها، حتى يكون محل البحث في موضعه فيكون التباحث في اعتبارها أو عدمه، وصواب رأيه من خطئه.
الموقف الثاني: أن لا يتجه بالإنكار إلى هذه الأحكام، وإنما يتحدث عن أوزانها النسبية، فينكر الحرص على بعض الجزئيات والتفصيلات والهوامش، ويؤكد على ضرورة التركيز على الأصول والكليات.
والموقف الثاني هو المعبر الأظهر عند أصحاب هذه المقولة، وفرق كبير بين من يطلق هذه المقولة غير معتدٍّ بهذه الأحكام من الأساس ولا يرى لها أي اعتبار، وبين من يعتدُّ بها ويعتقد أنها أحكام شرعية لكنه يطالب بعدم الإغراق فيها، إذ هي من الجزئيات في مقابل وجوب العناية والتركيز أكثر على الأصول والكليات.
وقد يكون بعضهم في الحقيقة غافلاً عن تحديد موقف واضح من تلك الأحكام، وإنما يعبر عن رفضه للعناية بالجزئيات عبر هذه المقولة.
وعند التدقيق في هذه المقولة (الانشغال عما هو أهم) نجد أنها تؤثر سلباً في التزهيد في أي حكم شرعي غير مرغوب فيه عند قائلها، لأن أي عنايةٍ به أو دعوة إليه أو إنكار بسببه سيكون محل تذمر ورفض من هذا القائل بسبب أنه هامشي، ويجر إلى التفريط في العناية بالأصول، وهذه المقولة في الحقيقة تتضمن مغالطات كبيرة، سيتجلى أمرها عند إدراك الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى:
أن تقسيم الأحكام هنا إلى جزئيات وكليات، وهوامش وأصول، لا يستند إلى سبب موضوعي، ولم يرجع فيه إلى اعتبارات شرعية، فهذا التقسيم لا ينطلق من الشريعة نفسها ليعرف أصول الشريعة من فروعها، وكلياتها من جزئياتها، وإنما هي تقسيمات ذوقية مزاجية، فالدعوة إلى التوحيد مثلاً هي عند بعض الناس دعوة لجزئيات وهوامش، مع أنه في الميزان الشرعي يمثل أصل الأصول، والعناية بالعبادات وأعمال القلوب وما ينجي الإنسان في آخرته هي أمور مهمشة في نظرهم، بينما تبقى الأصول والكليات في جزءٍ من المصالح المهمة وهي الجانب المادي الدنيوي الذي يمس مصالحهم الدنيوية المباشرة.
فالتقسيم في الأصل مبني على غير أساس، ويزيده سوءاً واضطراباً حين يسمي بعض أحكام الشريعة المعتبرة بالهوامش، فهو لم يكتف باضطراب التسمية بين الجزئيات والكليات، بل تجاوزه إلى الإساءة والتنقص من بعض الأحكام والتقليل من قدرها بلا سبب.
الحقيقة الثانية:
أن الانشغال بالجزئيات لا يضر في العناية بالكليات، فمن ينشغل بتفصيلات الأحكام الشرعية لا يعني أنه مفرط بكلياتها، بل إن من يفرط في الجزئيات هو الذي سيضيع الكليات وليس العكس، فمن يحرص على نوافل العبادات، ويتورع عن المحرمات، ويحرص على تتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهو الحقيقة محافظ على الكليات الشرعية ومقوٍ لها، وليس بمنشغل عنها.
الحقيقة الثالثة:
أن التفريط في الأصول والكليات ليس له علاقة بالانشغال بجزئيات معينة على النحو الذي يصوره صاحب هذه المقولة، فإذا كان صاحبها يرى في الناس تقصيراً في جانب مهم كالإصلاح الإداري أو المالي، أو منع الظلم، أو محاربة الفساد والرشوة، وحل مشكلة الفقر والبطالة، أو تعزيز الأخلاق الفاضلة، ونحو ذلك، فإن الحل هو في ابتعاث الهمم للاهتمام في هذه القضايا المهمة، وليس في التزهيد في قضايا أخرى، فمن يرى عليك منكراً فينصحك بسببه ليس منشغلاً بسبب ذلك عن مشكلة الفقر، ومن السذاجة أن تتصور أن دعوته للتوقف عن الإنكار سيساهم في دفعه لحل مشكلة الفقر!
ومن الظريف هنا أن دعاوى الانشغال بالجزئيات إنما ترمى في وجه كل ناصح يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر فيُذكَّرُ حينها بالأصول والكليات وبكافة المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بهدف صرفه عن ما يقوم به، ولو أنه التزم الصمت فلم يأمر بمعروفٍ ولم ينهَ عن منكرٍ لما قال له أحدٌ من هؤلاء الناس شيئاً!
فهي للأسف أصبحت ملفاتٍ توظف للتزهيد ببعض الأحكام الشرعية، وليست دعوةً جادةً حقيقيةً للإصلاح في ملفات كبرى مهمة، فمن يريد الإصلاح فليس طريقه أن يزهد في مثل هذه الموضوعات.

ولهذا فالتفكير الموضوعي المستقيم لمن يرغب في تعزيز الاهتمام بموضوع يراه من المهمات والأصول الكبرى أن يحث الناس على العناية به، وينشر الأفكار المعينة لذلك، ويفتح المشاريع المعززة، فليس ضعف العناية بموضوعٍ ما ناشئًا بالضرورة من انشغال الناس بموضوعات أخرى، فالإنسان حارث همّام لا يتوقف عن العمل والنظر، فهو يقوم بأعمال كثيرة، ويهتم بقضايا متفرقة، ولا يتوقف تفكيره عن هذه الأصول بسبب أنه يفكر في أمور أخرى، يزيد هذا الأمر بياناً:
الحقيقة الرابعة:
أن الناس في الحقيقة ينشغلون باهتمامات كثيرة هي دون هذه القضايا بكثير، فهم ينشغلون بالمباحات، ويقضون أوقاتاً كثيرة في السفر والترفيه والنزهة والرياضة واللقاءات الطويلة، كما يقضي كثير من الناس أوقاتاً طويلة في متابعة التلفاز ومشاهدة الأفلام وملاحقة تفصيلات الأخبار الاجتماعية في شبكات التواصل وغيرها، ولا تجد أحداً يذكر لهم مقولة (الانشغال عما هو أهم).
وهذا شيء لافت عجيب، فهذه المقولة التي تنفجر في وجه كلِّ من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو ينصح بخير، لا تكاد أن تجد لها ذكراً متى نظر صاحبنا في انشغالات الناس التفصيلية المستهلكة للوقت والجهد، لكنه إن صادف داعية أو ناصحًا أو محتسبًا تحركت توربيناته النقدية النفاثة، وهجم بالتبكيت والتقريع والتهكم مذكرًا بضرورة الاشتغال بالكليات والأصول، ومحذرًا من مغبة التفريط فيها!
وربما تجد هذا الناقد غارقاً حتى أذنيه فيما غرق فيه غيره من هذه المباحات والمفضولات، بل والمحرمات، ثم لا تجده يرمي بهذه النفثة الغاضبة إلا في وجه من ينصحه ببعض الأحكام الشرعية!
وهذا يؤكد لك أن هذه المقولة ليست علمية موضوعية صحيحة، وأن الموضوع ليس له علاقة بأي انشغال حقيقي، ولا بجزئيات وكليات، وإنما هو توظيف لقيمة الأصول الكبرى ومكانتها للتزهيد في بعض الأحكام والحط من قدرها.
الحقيقة الخامسة:
أن من ينتقد الانشغال بالجزئيات عما هو أهم تجده ينشغل بنفس الجزئيات لكن في الجهة المقابلة لها، فحين يجد من يتحدث عن حكم شرعي تفصيلي معين كحرمة المعازف مثلاً تجده يقول: هذا انشغال بجزئيات، وتضييع للأعمار، وانصراف بالوقت عن الأصول الكبرى، ولو أن القول في المعازف كان هو الإباحة لفرح به ونصره، وبيَّن أهمية انتشار هذا الرأي ومسيس الحاجة إلى مثل هذا الاجتهاد.
فالجزئيات المهمشة في الحقيقة لم تعد هي المسألة ذاتها، وإنما الحكم غير المرغوب، فلا إشكال في العناية بهذه الجزئيات، وإنما المرفوض هو قول معين فيها.
إذا استحضرت هذه الحقائق أدركت أن مقولة (الانشغال عما هو أهم) هي حالة توظيف في خصومة فكرية، تستغل مكانة ملفات وقضايا معينة لأجل التزهيد في بعض الاحكام غير المرغوب فيها، وأنها لا تقوم على حجة صحيحة.
فالموضوع محل الخلاف هنا ليس له علاقة بالتأثير على العناية بأصول كبرى، فتقديم الأصول الكبرى على ما هو دونها، والعناية بالكليات أكثر من الجزئيات هي مقدمة صحيحة لا غبار عليها، فلا شك أن الضروري أهم من الحاجي، وأن المصلحة العامة أولى من المصلحة الخاصة، وأن ما يمس عموم الناس أهم مما يمس بعضهم، وأن القطعيات أولى من الخلافيات، لكن هذه المقدمات كلها لا علاقة لها بالسياق الذي تأتي فيه هذه المقولة، فهي تسعى لتوظيف هذه المعاني، وليس توظيف الطاقات لتحقيق هذه المعاني، وهو أمر ينكشف كثيرًا بملاحظة أثر السياق الذي تأتي فيه هذه المقولة.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى