(١٣) الدنيا تغيرت

توظف هذه المقولة للاعتراض على بعض المقررات الشرعية، بذريعة أن النصوص الشرعية ثابتة والواقع متغير، ولذا لا يمكن أن نجمد على الثابت، وقد يسعى بعضهم إلى مقاربةٍ تظهره بمظهر المعظم للشريعة فهو يتحدث عن حجم استجابة الشريعة لمتغيرات الواقع وتقلباته، فهي ليست مجرد نصوصٍ جامدةٍ صلبةٍ لا تقبل الزحزحة أو التطوير، بل هي تتطور مع تتطور الواقع للتفاعل معه، والذي يؤول في الحقيقة إلى جعل الواقع حكمًا على الوحي.

وهذه الإشكالية تتفاوت في حجم انحرافها ما بين:

  • صور مغالية تدعي قطيعةً زمانيةً ومكانيةً مع النص، بادعاء أن النص الديني إنما نزل في ظل أوضاع وظروف زمانية ومكانية محددة، فلا يصح عزله عن سياقه الزمني والمكاني واستجلابه للتطبيق في حياتنا اليوم، بل الواجب التفاعل مع هذا الواقع المستجد بعيداً عن ضغط النص.
  • وصورٍ أخف لا تظهر المصادمة لمبدأ تطبيق الشريعة في هذا الزمان، وإنما ترى صعوبة تطبيق بعض الأحكام الشرعية في هذا الزمان فتدعو لتجاوزها، وقد تتكئ على قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) لهدر مثل هذه الأحكام الشرعية.

فمن يوظف هذه المقولة: (الدنيا تغيرت) لرد حكم شرعي، قد يستبطن عدم مناسبة الشريعة كلها للتطبيق، وقد يكون مقصوده الاعتراض على مناسبة تطبيق هذا الحكم الشرعي المعين لا الاعتراض على مبدأ تطبيق الشريعة.

ونبدأ في مناقشة الصورة الأكثر مغالاة في الاعتراض، تحت دعاوى تاريخية النص:

وذلك بالتذكير والتأكيد بسمتين مهمتين من سمات الشريعة وهما: الثبوت، والشمول.

فمن محكمات الشريعة أنها حاكمة ومهيمنة على الواقع، وهذه الهيمنة تستغرق مجال الزمان والمكان، فهي الشريعة الخاتمة التي ختم الله بها الرسالات، وجعلها للناس هداية حتى قيام الساعة، وجعل فيها من التشريعات والأحكام ما يستغرق تفاصيل الحياة، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة لكل الناس، ومحققة لكل ما يحتاج إليه.

وأدنى قراءةٌ للوحي كفيلةٌ للكشف عن سعة الدلالات في تقرير هذه الحقيقة الشرعية البدهية الضرورية، حيث بيَّن الوحي:

  • انفراد الله تعالى بحق التشريع، وأن الحكم له سبحانه وحده، فادعاء عدم صلاحية زمانٍ أو مكانٍ لحكمه يفضي إلى منازعة الله في حكمه وإعطاء العبد حق التشريع: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ).
  • أنه لا حكم أحسن من حكم الشريعة، وأن الطامع في غيرها فهو طامعٌ في حكم الجاهلية، وهو ثناء مطلق على الشريعة مكانًا وزمانًا وذم لما سواه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
  • كمال أحكام الشريعة وتمام النعمة بها، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)، فمدعي انحصار التشريع بزمان أو مكان مخصوص يلزمه ادعاء احتياج الدين إلى التكميل والإضافة بحسب ملابسات الزمان والمكان.
  • ما تميزت به الشريعة من التفصيل والبيان الذي يحتاجه الخلق، فهي تشتمل على ما يحتاجه الإنسان، دون أن يكون منحصرًا في بيئة معينة أو زمان معين: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).
  • حفظ نصوص الشريعة، وأنه لا مبدل لها ولا معقب لأحكامها، ومن العبث أن تكون محفوظة دون لزوم الأخذ بها والعمل بمقتضاها، والله منزّه عن العبث: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
  • بشارة الله لخلقه بهيمنة أحكام الشريعة، وأنه كائنٌ ولا بد، وهو ما يلغي فكرة تاريخية التشريع من جذورها: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
  • أمر الله تعالى بالتحاكم إلى الشريعة ووجوب الحكم بها بين الناس، وأنه لا خيار للمؤمن في الخروج عنها: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً).

فهذه جميعًا دلائل صريحة تدل على وجوب تطبيق شريعة الله، وهو إيجاب غير مخصوص بزمانٍ أو مكانٍ، بل هو مستغرق لهما، ومدعي الخصوصية يلزمه القول بأن الله أوجب علينا ما لا يصح الأخذ به، بل الأخذ به مفسدة، بل قد لا يكون مقدورًا عليه أصلًا.

وإحصاء الدلالات القرآنية المتنوعة على هذا الأصل أكبر من أن يحتملها هذا المقام، وإنما المقصود بيان أن هذا المعنى من المعاني القطعية الظاهرة في الخطاب القرآني ومن سماته الإطلاق عن قيد الزمان والمكان، فالله هو الحكم سبحانه مطلقاً، ووجوب طاعته وحرمة الخروج عن أحكامه مطلقٌ والطاعة لا تتقيد بزمانٍ أو مكانٍ، بل هو مستغرق لتفاصيل الزمان والمكان والحياة.

فإن قيل: هذا التصوير لواقع حاكمية الشريعة يوقعنا في مشكلات متعددة عند إعماله على أرض الواقع، فالشريعة خاليةٌ من الشروحات التفصيلية المتعلقة بكثير من الجوانب الحياتية العمرانية، والإجراءات الإدارية والقضايا الإجرائية وغير ذلك مما يستدعي إعمالاً للذهن البشري عملياً لسد هذا النقص، ولذا قلنا: إم الدين متعلق بشأن الآخرة، أما الدنيا فإلى الناس وعقولهم.

والحق أن هذا التصوير لطبيعة التشريع الإسلامي ينم عن إشكالية عميقة في تصور معنى حاكمية الشريعة، وحصر حق الحكم في ذات الله تبارك وتعالى، وطبيعة التشريعات الإسلامية المتعلقة بدنيا الناس، فالذي ينبغي أن نؤسس عليه نظرتنا للشريعة الإيمان بشموليتها لجانبي الدنيا والآخرة، ومن تصفح نصوص الشريعة فسيجد مادة كبيرة من التشريعات الكلية والجزئية التي تتعلق بالشأن الدنيوي ككثيرٍ من مسائل المعاملات والأحكام المتعلقة بالحدود والجنايات وأبواب السياسة الشرعية وغير ذلك.

فالعمل بمثل هذه التشريعات الكلية والتفصيلية وإعمالها في واقع الحياة داخل في تقرير هيمنة الشريعة وحاكميتها، ثم هناك منطقة العفو والمباح والذي تمثل مساحة هائلة للعقل الإنساني في استحداث ما يحتاجه ويحقق المصلحة من التشريعات والتقنينات والإجراءات بشرط واحدٍ وهو عدم وجود المعارض الشرعي، وهذا الالتفات لوجود المعارض الشرعي يؤكد طابع الهيمنة للشريعة بمراعاتها في كافة أحوال النفس الإنسانية، وتَفَهُّم هذه المسألة يزيل الإشكال الوارد في الاعتراض السابق.

فالإسلام لم يأت ببيان ما يتعلق بالقضايا الإجرائية والإدارية، وذلك مقصود للشارع توسعة على الناس، فإن طابع هذه الأمور التطور والتغير بحسب احتياجات الواقع، فجعل الشارع للإنسان فسحة في تطويرها وتغييرها باشتراطٍ وحيدٍ وهو مراعاة كليات الشريعة وأحكامها التفصيلية لئلا يتجاوز هذا التطوير أو التغيير أحكام الشريعة، وبهذا ينزاح هذا الإشكال.

لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان:

بعد هذا البيان المتعلق بالمعارضة المغالية للشريعة بذريعة (تغير الزمان) عبر بوابة التاريخانية، ننتقل لمناقشة المعارضة الجزئية المخصوصة المتعلقة ببعض الأحكام الشرعية، والتي قد يبدي بعضهم معارضة لها لاعتبارات معينة يراها، وستكون معالجة هذه القضية عبر مناقشة قاعدة فقهية تجري على لسان العلماء، ويتداولونها في مصنفاتهم، وقد يُفعِّلونها في معالجة بعض الأحكام، وهي قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان).

فبعض الناس يتوهم من هذه القاعدة معنى مشكلًا، ويظن أنها تشكل غطاءً شرعيًا لتمرير معارضته لما يراه من أحكام الشريعة، والحق أن هذه واحدة من القواعد الفقهية التي ذكرها عدد كبير من أهل العلم، ومن أشهر من بحثها ووسَّع القول فيها الإمام ابن القيم رحمه الله وذلك في كتابه إعلام الموقعين، فإنه أطال النفس في شرحها، وبيان أدلتها، وأمثلتها، وما يتعلق بها من ضوابط وحدود.

وحتى تتضح معالم هذه القاعدة، والفوارق بين الإعمال الفقهي المنضبط لها وبين التسيب الذي يبديه عدد من المخالفين ينبغي ملاحظة ما يلي:

أولاً:

أن وصف أحكام الشريعة بالعموم والثبات والشمول هو أصل شرعي محكم يجب الانطلاق منه في بحث مسألة تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان، لا قلب المسألة أو بحثها معزولة عن هذا السياق، إذ عدم استصحاب معنى العموم والشمول سيحيل الشريعة إلى مادة سيّالة قابلة للصب في أي واقع من غير انضباط، ويمكن أن يستخرج منها الحكم ونقيضه على السواء.

ثانياً:

أن منطلق أهل العلم في تأصيل هذه القاعدة هو ملاحظة تصرف الشريعة ذاتها، فإن الشريعة راعت التغيرات الطارئة على الواقع الناشئة عن تغير الزمان والمكان والأعراف والعوائد، وبملاحظة تصرفات الشارع جاء هذا التأصيل والنظر الفقهي، فليس منشأ القاعدة عندهم هو النظر العقلي المجرد أو التعويل على فكرة التاريخية كما هو الشأن في الخطابات الحداثية المعاصرة، وإنما هو المتابعة لتصرفات الشريعة.

ثالثاً:

أن هناك قدراً من الإجمال في صياغة هذه القاعدة تسبب في حالة التوظيف السلبي لها، ولعل دوران القاعدة في النطاق الفقهي والتداول بين أهل العلم بما لديهم من انضباط معرفي وخلفيات فقهية مسبقة شكَّل ضمانة في الدائرة الفقهية من سوء التوظيف لهذه القاعدة، وهو ما قلَّل من الحاجة إلى التدقيق الشكلي لبعض المفاهيم المتصلة بها، فما كان يخطر ببال أحدٍ منهم أن مثل هذا الأصل سيستغل على هذا النحو ليلغى من خلاله هيمنة الشريعة على الواقع، أو يجعل حكم الواقع ناسخاً لأحكام الشريعة.

رابعاً:

منشأ الخطأ والإشكال في حالة التوظيف السلبي لهذه القاعدة يكمن في الخلل في تصور طبيعة الواقع الذي تغير لأجله الحكم أو الفتوى، وتفكيك طبيعة هذا الواقع سيحل قدراً كبيراً من شبهة التوظيف الخاطئ لهذا القاعدة، فبعض الناس يتوهم أن القاعدة تقوم على أساس أن ثم تغيراً يجري على الحكم الشرعي تبعاً لتغيرات تطرأ في طبيعة الزمان أو المكان، فيكون الحكم الشرعي في زمانٍ أو مكانٍ معين غير ما هو عليه في زمان أو مكان آخر.

والذي ينبغي ملاحظته وإدراكه هنا أن هذا التغير المدَّعى، هل هو أمر واقع على الحكم الشرعي نفسه، أم هو طارئ على الواقع، وحين تغير هذا الواقع استتبع الحكم الشرعي المناسب له؟

والجواب عن هذا السؤال هو ما يكشف عن حالة اللبس الاصطلاحي، والذي أحاط بهذه القضية، وتسبب في عدد من التوظيفات الخاطئة لهذه القاعدة.

فنقول: متى كان مناط الحكم واحداً مع تغير الأزمنة والأمكنة فالحكم الشرعي فيها واحد ولو تغير الزمان أو المكان، كأن يقدم رجلٌ مثلاً على قتل آخر متعمداً، فلو تُصوِّر أن ذات الملابسات وقعت في ذات الزمان في مكان آخر فالحكم سواء، وكذا لو وقعت في زمان آخر بذات الملابسات فالحكم سواء أيضاً، فليس في مجرد وقوع الحادثة في زمان آخر أو مكان آخر ما يستوجب تغير الحكم الشرعي، بل الأصل بقاء الحكم كما هو لتحقق مناطه في الواقع.

أما إن كان هناك تغير في طبيعة الواقعة التي اتصل بها الحكم، فهذه الفوارق قد تكون مؤثرة في إعطاء الواقعتين أحكاماً مختلفة وقد لا تكون، فإن كانت مؤثرة فهذا يعني أن مناط الحكم الشرعي في الواقع قد تغير، وبتغيره سيترتب على الواقع حكمه المناسب في نظر الشريعة، إذ مناط الحكم هنا ليس عين مناطه هناك، وهو ما يدلنا على أن الحكم في الحقيقة ليس واحداً، بل نحن أمام حكمين شرعيين يتنزل كلٌّ على مناطه المناسب بحسب وضع الشريعة.

كما لو أقدم رجل على قتل مسلمٍ متعمداً فحكمه القصاص، فلو كان القتل خطأً أو للولد فسيكون لهذه أحكامٌ تخالف الواقعة الأولى، مع التذكير بأن الفوارق بين طبيعة الوقائع لا يلزم بالضرورة أن تكون مؤثرة في الحكم كما لو قتل رجلٌ امرأةً مسلمةً أو امرأةٌ رجلاً فالحكم واحدٌ، فالحكم بتأثير الأوصاف من عدمها راجع إلى تقدير الشارع، فما اعتبره الشارع من الفروق فاعتباره متعين، وما لم يعتبره فليس معتبراً.

ولأهل العلم تفاصيل دقيقة في تنقيح مناط الأحكام الشرعية، ولهم مسالك منضبطة في استخراج عللها، ومعرفة مناطاتها، وليس الأمر متروكاً عندهم للنظر العقلي المجرد، أو التعويل على المصالح فقط، أو اعتبار مطلق التغير في الزمان والمكان.

ومن الأوصاف المؤثرة في معرفة الحكم الشرعي: العرف، حيث أن الشريعة جعلت للعرف أثرًا في ترتيب كثير من الأحكام الشرعية، وإذا دققت النظر في تأثير العرف في تنزيل الأحكام الشرعية وجدت أنه ليس مؤثرًا من حيث هو في الشريعة نفسها، وإنما أناطَ الشارع الحكم بالعرف في بعض الأحكام، فبقدر ما يحصل من تغيرٍ في العرف يؤثر هذا في الحكم.

فمثلاً رخصت الشريعة للمسافر بجملة من الرخص كقصر الصلاة والفطر في رمضان، والسفر على الراجح ليس له معنى ثابتٌ مستقرٌ ينضبط به كزمان أو مسافة، وإنما مرد تحديده إلى العرف، فما يكون سفراً في زمن قد لا يكون سفراً في زمن آخر لتغير الأعراف وتجدد الأحوال، فإذا تدبرت في هذا المثال وجدت الحكم الشرعي -وهو الترخيص للمسافر بالقصر والفطر- هو هو لم يتغير، فكل من كان متصفًا بوصف السفر جاز له الترخص بهذه الرخص، إذ الشارع علق الرخصة بهذا الوصف وهو السفر، فإذا تحقق وجوده عرفاً فمناط الحكم قائمٌ في الواقع فتتنزل الرخصة وإن لم يتحقق هذا الوصف العرفي تخلفت الرخصة تبعاً لعدم تحقق المناط، وهو كون المرء مسافرًا، ففرقٌ بين هذا التأصيل وبين من يرى أن المسافر لا يجوز له الترخص لأن الزمان تغير.

مثال آخر: نص الشارع على كفارة اليمين في قوله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فالإطعام والكسوة معانٍ يراعى فيها العرف في ضبطه وتحديد مقداره، وهو مما يقع فيه التفاوت للتفاوت الواقع في الأعراف زماناً ومكاناً، لكن الحكم الشرعي يتطلب مناطه في الواقع، فإذا تحقق الإطعام أو الكسوة العرفية في الواقع حصلت الكفارة المطلوبة شرعاً، وإن تخلفت لعدم دخولها تحت وصف الإطعام أو الكسوة عرفاً فالمناط الذي يتنزل عليه حكم الشريعة غير حاصل في الواقع فلا تصح أن تكون كفارة لليمين.

كما أن وصف الضرورة والحاجة تؤثر في المناطات التي تتعلق بها أحكام الشريعة، فمع كون الميتة والدم ولحم الخنزير محرمة شرعًا في حال السعة، لكنها مع الاضطرار تباح، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فحكم المضطر لهذه المطعومات هو الإباحة، فالتغير إنما وقع في طبيعة المناط الذي تعلق به الحكم، فلما كان المناط خاليًا من الضرورة تعلق به حكم التحريم، ولما تغير المناط وصار مشتملًا على الضرورة تعلق به حكم الإباحة.

وليس القصد هنا تفصيل الكلام في أحكام الضرورة والحاجة، وإنما القصد التأكيد على أن الشريعة هنا هي من أباحت الترخص في حال الضرورة والحاجة، فجعلت لكل مناط حكمه المناسب له، لا أن التغير في وضع الشريعة وقع بأمر مفارق لها.

ومتى ادعى أحد أن الحكم الشرعي يمكن أن يتغير مع عدم تغير طبيعة المناط الذي راعته الشريعة في حكمها فهو مدعٍ في الحقيقة نسخاً للحكم الشرعي، والنسخ ليس لأحد من البشر وإنما هو واقعٌ من الشريعة نفسها، فليس لأحد أبداً أن يدعيه بعد انقضاء الوحي، حتى نصَّ أهل العلم على أن الإجماع المجرد لا ينسخ النص، وإنما يكون كاشفاً عن النص الناسخ، فكيف يمكن أن يدعي النسخ بعد انقضاء زمانه فردٌ أو أفرادٌ.

والمقصود أن نظر الفقيه يراعي طبيعة المناطات التي راعتها الشريعة في أحكامها، وليس من العقل الافتيات على الشريعة بوضع مناطات أجنبية عنها، وادعاء أنها تؤثر في الأحكام وتغيرها، فهذا في الحقيقة من الكذب على الله، والتحريف لدينه وشرعه، اتباعًا لخطوات الشيطان، وقد نهانا الله عنه: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ).

وقد عبَّر بعضهم عن هذه القاعدة التي أساء فهمها كثير من الناس بألفاظ أكثر انضباطًا وأبعد عن اللبس والإيهام فقالوا: الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، فهذه الصياغة أسلم من التعبير بتغير الأحكام، إذ الفتوى نتاج اجتهاد المفتي في استنباط الحكم الشرعي من أدلة الشريعة، وتنزيل لذلك الحكم المستنبط على الواقع، ولا شك أن الفتوى يعرض لها من عوارض التغير ما يعرض، وتتأثر بمراعاة العرف أو تحقق وجود المناط أو موازنات المصالح والمفاسد، وهو مقصود من ذكر تغير الأحكام، فهو تجوز في التعبير، لإثبات مرونة الشريعة وصلاحيتها لجميع الأزمنة والأمكنة ومراعاتها للتغيرات الحاصلة في الواقع.

وبكل حالٍ فالذي ينبغي أن يكون واضحاً تماماً أن ما يدرجه أهل العلم من المعاني تحت قاعدة تغير (الأحكام لتغير الزمان والمكان) لا ينسجم إطلاقاً مع تلك التوظيفات المعاصرة المتجاوزة لثوابت الشريعة ومحال الإجماع، فإن هذه القاعدة لا تعني إطلاقاً أن ثمة تغيراً حقيقياً طارئاً على الأحكام الشرعية ذاتها، قُصارى ما يريدون الإلماح إليه أن من طبيعة الشريعة السعة والشمول في إعطائها للأحكام المناسبة لظروف الواقع، مع ثباتها ورسوخها، وأنها تراعي في أحكامها عدم التفريق بين المتماثلات أو الجمع بين المختلفات، وهذا من عظمة هذه الشريعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى