(١٤) أكثر الناس يفعلونه


من المقولات التي تعبر عن سطوة الضغط المجتمعي على بعض الناس، والتي تحملهم على التنازل عن حق، أو الالتزام بباطل: التحجج بأن أكثر الناس يفعلون هذا الفعل، فيستبطن هذا المعيار بشعور أو بغير شعور، ويكون مسكونًا برأي الأكثرية كموجه لبوصلته الفكرية.
والذي يجب أن يكون بيّنًا واضحًا من البداية أنه لا ملازمة بالضرورة بين الكثرة والحق، فالكثرة قد تكون مع الحق أو مع الباطل، وهي قضية أكد عليها الوحي في عدد كبير من الآيات، وبيّن أن الأكثرية قد يقعون في خيارات باطلة، وأن الحق قد يكون خارجًا عنهم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) وقال سبحانه: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) وقال عز ورجل: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) وقال سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)، وقال عز وجل: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين). ولذا حذر الله تعالى من اتباع أكثر الناس، قال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وغيرها من الآيات الكثيرة.
فالكثرة لا يصح أن تجعل ميزانًا يوزن به الحق والباطل، بل ميزان الحق الحجج والأدلة والبراهين، ومن هنا يمكن تفهم بواعث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين قال: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)( ) ، قال نعيم بن حماد موضحًا غور هذه الكلمة المنهجية المهمة: (يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسُدوا وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ)( ).
وإذا تأملت في كثير من أنماط احتجاج أهل الباطل على باطلهم وجدته يعود إلى اعتبار معيار الأكثرية في معرفة الحق، ففي عصبية الكفار للآباء والأجداد مثلًا، ما يتضمن نوع احتجاج بالكثرة، والعادة، والعرف الاجتماعي الضاغط، وهي جميعًا تشكل قوى شديدة الوطأة على النفس، يصعب على كثير من الناس التخلص من سطوتها، فيرضخون لها، ويتخذون منها ذريعة ومبررًا لخياراتهم الدينية والعقدية والفكرية، يقول الله تعالى مبينًا أثر العصبية في رد الحق، وتمدد هذه الإشكالية بين الأمم والشعوب: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فتأمل كيف يتكرر ذات الاحتجاج من مختلف الأمم مع مختلف الأنبياء بما يؤكد عمق تأثير العصبية للآباء والأسلاف في استبقاء التصورات المنحرفة، وكيف يُعارض الحق بأدلة زائفة لا تهدي إلى الحق بل تصد عنه.
وحتى تستيقن من عمق تأثير هذا العامل في رد الحق تأمل في حال أبي طالب وإصراره على الكفر حتى لحظة الموت مع معرفته بحال النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وصدق دعوته، فعن سعيد بن المسيب عن أبيه: أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالبٍ: (يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله) فقال أبو جهلٍ وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالبٍ، أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالبٍ آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله تعالى فيه: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم)( ).
وبطبيعة الحال فالعصبية لا تختص بالآباء والأجداد، بل تتمدد ظاهرة التعصب لتشمل العصبية للرئيس والمعلم والشيخ والحزب والجماعة والتيار وهكذا، وقد حكى الله تعالى شهادة الأتباع في أثر السادة والكبراء: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً).

وفي مشهد المحاورة بين الأتباع والكبراء عبرة وعظة: (وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فالواجب على المسلم أن يسعى في حمل النفس على متابعة الشرع، فإن الحق ملازم له، وأن يتجرد ما استطاع من تأثيرات الهوى، وما نحن فيه إنما هو أحد تجليات متابعة الهوى شعر صاحبه بذلك أم لم يشعر، فإن في مقاومة التيار السائد والعرف الدارج ورأي الأكثرية ما يستدعي قوة عزيمة من صاحبه، وتخلصًا من هوى الموافقة للمألوف.
والهوى يشكل في الحقيقة غطاءً يشتمل على عامة بواعث الانحراف عن الحق، فكل ذريعةٍ تصد صاحبها عن الاستجابة للحق فإنما هو لغلبة الهوى على النفس، وقد كشف القرآن صراحةً عن ثنائية الاستجابة للحق أو الاستجابة للهوى، فقال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فليس ثمَّ إلا طريقان: الاستجابة للوحي، أو الوقوع في أفخاخ الهوى، وهو معنى تؤكده دلالات أخر، قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فإما الحكم بالحق، وإما حكم الهوى. وقال سبحانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) وقوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه).
والمقصود أن المرء بحاجة للتخلص من أهوائه ليتمكن من الإقبال بصدق على الحق، وأن من أكثر المؤثرات في تشكيل أهواء النفوس طبيعة التكوين الاجتماعي والرأي السائد وخيارات الأكثرية فهي توجد ألفة مع هذه الخيارات، ويجد المرء في موافقتها سهولة ويسرًا لا يجده إن اضطر إلى المصادمة والخروج عن تلك الخيارات طلبًا للحق ونصرة له.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى