(١٦) لا كهنوت في الإسلام


تقوم هذه المقولة على تقرير أن فهم الدين ومعرفة أحكامه والحديث عنه ليس خاصاً بفئة معينة من الناس، فالدين ليس علمًا تخصصياً، ومن يتكلم في الدين لهم عقول ولنا عقول، وهم رجال ونحن رجال.
وقد يزيد الأمر تأكيدًا فيقول: ولأن الإسلام دينٌ للناس جميعاً، وكل مسلم مكلف بالالتزام بأحكامه، والتكليف يستلزم العلم، فلا وجود فيه لطبقة تحتكر حق الكلام فيه كما هو موجود في الكنيسة، (فلا كهنوت في الإسلام) يعني أن لكل مسلم الحق أن يتكلم في دينه، وأن يبدي رأيه في ذلك، بلا اشتراطات مسبقة، فالدين للكل، وللكل حق الكلام فيه.
ولو أن قائل هذه المقولة اقتصر على ادعاء أنه لا وجود لشريحة معينة من الناس تحتكر وحدها حق تعلم الشريعة ودراسة أحكامها أو الاطلاع على نصوصه المقدسة، لكان مصيبًا في ذلك، إذ لا اختصاص لأحدٍ من الناس بهذا، ولا اعتبار لنسبٍ أو لونٍ أو منصبٍ للحديث عن الإسلام، بل المجال مفتوح للجميع للكلام في الشريعة شريطة أن يبذل من يريد الكلام الجهد والوقت في التعلم والبحث والنظر حتى يصل إلى درجة الاجتهاد التي تخوله للحديث في الموضوع الذي يرغب في الحديث عنه، وهذه مسألة ينبغي أن تكون بدهية من جهة العقل، كما هي بدهية من جهة الشرع.
أما أن نوظف هذه المقولة لإلغاء أهمية العلم نفسه، لنجعل الاسلام كله كلأ مباحاً لكل متحدث بلا علم ولا امتلاك لأدوات الاجتهاد، فهذا عبث ينزه الشرع عنه، ويتنزه عنه ذوو العقول السليم، وليس في هذا حرمان للمسلم من حق الكلام في أي مسألة من مسائل الشريعة، إذ مسائلها على نوعين:
النوع الأول: أحكام ضرورية قطعية يعرفها عموم الناس كوجوب المباني الخمسة، ومعرفة المحرمات القطعية، ونحو ذلك، فهذه يعرفها كل مسلم، فيحق لكل مسلم أن يتكلم بما يعرفه فيها، فلو سأل كافرٌ مسلم عن دينه فكل مسلم عنده من المعرفة ما يؤهله للكلام في هذه الدائرة.
النوع الثاني: ما دون ذلك من الأحكام مما يتعلق بتفصيلات العبادات أو المعاملات أو غيرها، فهذه لا يصح أن يتكلم فيها إلا من امتلك المعرفة الشرعية التي تؤهله للكلام، ولا يجب على كل مسلم أن يعرف مثل هذه المسائل تفصيلًا ويدرس ما يتصل بها من خلافٍ ونحوه، وهذا من رحمة الشريعة وتوسعتها على الخلق.
ومتى احتاج المسلم إلى معرفة شيء منها، فعنده طريقة أبانها الله في كتابه لتحصيل العلم بها من غير حرج أو تثريب، وهي طريقةٌ نافعة لجمهور المسلمين لمعرفة ما يتعلق بتفاصيل دينهم، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، فليس مطلوبًا من كل مسلم البحث والتفتيش في أحكام الشريعة، وتملك أدوات الاجتهاد والنظر، وإنما يسعه سؤال أهل العلم فيما أشكل عليه، وتبرأ ذمته بذلك.
ولو أن الله كلَّف المسلمين جميعًا بواجب الاجتهاد الشرعي لتحقيق العلم في مسألة شرعية يحتاجونها لشق ذلك عليهم، ولعجز عنه أكثر الخلق، ولتعطلت معايشهم ومصالحهم.
والمقصود أن تلك الآية القرآنية تكشف لنا عن دائرتين من البشر، دائرة من يسأل وهم أكثر الناس، ودائرة المسؤول من أهل الذكر، وامتياز أهل الدائرة الثانية على الأولى هو فيما حققوه من العلم مما جعل لهم اختصاصًا أن يكونوا موضعًا للسؤال.
ولابن عباس رضي الله عنه عبارة نفيسة تكشف عن طبيعة الوحي، وعن طبيعة الأقسام الممكنة فيمن يقوم بتفسيره، حيث يقول رضي الله عنه: (التفسير على أَربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا اللَّهُ)( ).
والذي يهمنا هنا ما نبه إليه رضي الله عنه من أن هناك تفسيرًا يعلمه العلماء، وعليه فثمَّ مجال تفسيري يجب أن لا يتحدث فيه إلا ذوو الاختصاص من أهل العلم، وأن منازعتهم فيه ممن ليس مؤهلًا خطأ بيّن، لأنه يتحدث بلا علم منازعاً من امتلك جملة من المعارف والعلوم المؤهلة للنظر الشرعي في القرآن الكريم، وهذه بدهية عقلية وشرعية، بأن للمختص امتيازاً في مجاله العلمي عن غيره.
والحقيقة أن من يدعي في نفسه مسامتة العلماء دون تأدية فروض البحث والنظر الواجب، فإنه جاهل بقدره وبقدر من يريد مسامتتهم، فعبارة (هم رجال ونحن رجال) موغلة في الغرور والجهل متى ما صدرت ممن لم يحقق الشروط العلمية الموضوعية لتناول أحد الموضوعات الشرعية التي يريد أن يتكلم فيها، وهي لا تعدو أن تكون شبهة ومقولة يريد صاحبها فتح الباب لكل من هبَّ ودبَّ أن يتناول أحكام الشريعة كيفما يحلو له، وبما تسمح له أدواته العلمية الضعيفة.
وحتى تدرك حجم ما تتضمنه هذه المقولة من إشكالية حقيقية جرب تطبيقها في مجال الطب أو الهندسة أو الفلك فهل يقبل أحد أن يعترض على كلام مختص في أي مجال معرفي بمثل هذه العبارة؟!
فإن قيل: إن الإسلام ليس تخصصًا، فلا يصح أن يقاس على المعارف البشرية.

فيقال: هذا الجواب يكشف في الحقيقة عن قصور شديد في تصور طبيعة الشريعة وما فيها من تفاصيل كثيرة، وما يجب بذله من جهود علمية مضنية لتتبع تلك التفاصيل وإدراكها، بل وتحصيل ما يحتاجه من أدوات علمية تؤهله للنظر فيها أصلًا، كمعرفة علوم العربية وأصول الفقه وعلوم الاصطلاح وغيرها، ثم إذا حصلها احتاج إلى إحصاء الدلائل الشرعية في المسألة التي يبحثها، ومعرفة ما يثبت منها وما لا يثبت، وإدراك مراتب المقبول، ثم الإحاطة بمعانيها، ومحال الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، ومواضع الإجماع والخلاف، وغير ذلك.
فهل يليق بمن لا يحسن تلاوة القرآن على وجهه، أو يجهل غريب قصار المفصل، أو لا يميز بين العام والمطلق أن يتبجح بأنه وأهل العلم على درجة واحدة، وأن للكل حقًا في الكلام في العلم!
وحتى تدرك خطورة مثل هذا وما يحدثه من انحرافات في الواقع: لاحظ أن الخوارج إنما ضلّوا حين تسلطوا على القرآن زاعمين قدرتهم على فهمه دون رجوع لعلماء الصحابة، ثم جرهم هذا الغرور إلى تكفير خيار الأمة، مع أن عندهم من المعرفة بلسان العرب ما ليس عند كثيرٍ من أصحاب هذه المقولة، فإذا كانت القراءة منقوصة الأدوات يمكن أن تحدث مثل هذا الضلال، فكيف بمن لم يملك منها شيئاً يذكر.
والخلاصة: أن الواجب على من كان جاهلًا سؤال أهل العلم: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، أو أن يصبر على أداء فروض التعلم، ويجتهد في البحث حتى يكون عالماً، بدلاً من الوقوع في الجرأة على الله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).

مكانة فهم الصحابة:
وهنا سياقٌ آخر تأتي فيه هذه المقولة ، وهو في معرض نزع الامتياز عن فهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم للدين على فهم من بعدهم، فلا يرى أن ثمَّ ما يوجب التزام فهم الطبقة الأولى من هذه الأمة، فهم في النهاية رجال ونحن رجال، ولا كهنوت في الإسلام.
والحق أن هذه المقولة تتضمن مغالطةً حقيقية، وغفلةً عن إدراك طبيعة تلك الطبقة، وما تحقق لها من الامتيازات العلمية والإيمانية على سائر طبقات الأمة، بما جعل لها موقعًا من خارطة فهم الدين ليس لمن بعدهم، وهو أمر أقرته الشريعة نفسها.
ومن تدبر في أحوالهم علم أن هذا هو مقتضى العقل السليم، فلو قُدِّرَ أن الشريعة خلت من ذكر ما يدل على فضلهم ووجوب الالتزام بفهمهم رضي الله عنهم لكان مقتضى العقل الإذعان لهم ومعرفة قدرهم، وذلك لعدد من الأسباب الموضوعية، منها:
-ما حباهم الله تعالى من ملكات عقلية ونفسية وروحية، فلهم مقام من الاصطفاء ليس لمن بعدهم، فكما أن الله اصطفى نبيه صلى الله عليه وسلم من البشر، فقد اصطفى الله صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم.
-ما كان لديهم من الديانة الباعثة على تطلب الحق والتوفيق لإصابته، ومن تدبر أحوالهم في التعبد والتزهد وتعظيم الشريعة أدرك أنهم أولى بتمام الهداية للحق ممن بعدهم.
– ما كان عندهم من الإحاطة بعلوم العربية، بل هم معدنها وأصلها، فلغة العرب هي أُمَّ الأدوات الشرعية في فهم الشريعة، فكلما كان المرء ريانَ من أصولها وفروعها كان أقدر على فهم الوحي وإدراك مراميه، وما من شك أن للصحابة في هذا امتيازًا لا يشركهم فيه أحد.
-أنهم الجيل الذي شاهد التنزيل وعرف مناسبات القرآن وأسباب نزوله وتلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وهو ما يجعلهم أقدر على فهم سياقات النصوص وقرائن الأحوال وإدراك المناطات ممن بعدهم، ثم في تلقيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً ما صان وقتهم من تتبع صحة المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في الأسانيد وتتبعها، وهو ما يجعل همتهم مصروفة إلى فقه ما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً.
– أنهم اختصوا دون طبقات الأمة بالتربية النبوية المباشرة، فقد صُنعوا على عينه صلى الله عليه وسلم، وأدى فيهم صلى الله عليه وسلم واجب التعليم والتزكية، وما من شك أنه قد نجح صلى الله عليه وسلم في ذلك، وخرّج أفذاذًا، فما عندهم من العلم والفضل فإنما هو راجع لعلم معلمهم وفضله، وإذا أدركت رضى المعلم عنهم، وثنائه عليهم أدركت وجهًا آخر من أوجه التمييز لهم على غيرهم.
فهذه الأوجه وغيرها هو ما ابتعث ابن مسعود رضي الله عنه أن يرسل نصيحته للأمة قائلًا: (من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)( ). وصدق رضي الله عنه.

فإذا انضاف إلى ما سبق: دلائل الوحي في الثناء عليهم، وحكاية فضلهم، والأمر باتباعهم، انحسم الأمر، وصار الاستنان بسنتهم، والاهتداء بهديهم مجالًا للتعبد والديانة، ولسنا هنا بصدد تفصيل دلائل الشريعة قرآنًا وسنة على فضل الصحابة وهو كثير، وإنما نشير إلى بعض الأدلة في ضوء بعض المسارات والتي تؤكد أهمية الالتزام بفهم الصحابة، وتبين أن الملتزم بفهمهم موفق للصواب، فمن تلك المسارات:

المسار الأول: بيان فضلهم، وكمال هدايتهم، ورضى الله تعالى عنهم:
قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)( ).
ومن المتقرر عقلاً وديناً أن كمال الاهتداء ناشئٌ عن كمال المعرفة والعلم، ولا يتصور إطلاقاً أن يكون المرء على طريق سويةٍ وهدايةٍ تامةٍ ثم هو جاهل بمنبع هذه الهداية ومصدرها وهو الوحي، وإذا تقرر وثبت بالدلائل الشرعية المتكاثرة والسيرة التاريخية المتواترة أن الصحابة هم أكمل هذه الأمة اهتداءً، فما من شك أنهم رضي الله عنهم هم أكمل هذه الأمة علماً ودراية بالوحي، بل حقيقة الاهتداء هو في إصابة مراد الله ومراد نبيه صلى الله عليه وسلم من الوحي، وهو فرع العلم.

المسار الثاني: بيان صواب فهمهم، وأنهم هم الآخذون بحق بسنته صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملةً كلهم في النار إلا ملةً واحدةً). قالوا: ومن هي يا رسول الله . قال: (ما أنا عليه وأصحابي)( ).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ)( ).
فهذه النصوص تدل على أن موافقة الحق إنما تكون في تحقيق إيمانٍ كإيمان الصحابة، وأنه لا نجاة من الوقوع في شَرَك الفرق الهالكة إلا بمتابعتهم، إذ كانوا الموفقين للالتزام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والملتزم بهديه على سبيل نجاة، ولولا أن في الأخذ بهدي الصحابة قدرًا زائدًا في استبانة هدي النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكره صلى الله عليه وسلم، ولاكتفى بقوله هم من كان على مثل ما أنا عليه.

المسار الثالث: الأمر بمتابعتهم، وإيجاب الأخذ بسنتهم:
قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقال صلى الله عليه وسلم: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالةٌ، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ)( ).
فهذه نصوص صريحة توجب الأخذ بسنتهم، وتحذر من الخروج عنها، وأن الخارج عن أقوالهم بالكلية، واقع في الضلال، ومتوعد بالنار.

المسار الرابع: بيان بركة حياتهم، وأن وجودهم يمثل ضمانة دينية تحفظ للأمة دينها وعقيدتها:
فعن أبي موسى الأشعري قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: ما زلتم هاهنا. قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: أحسنتم أو أصبتم.

قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: (النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)( ).
ومن نظر في تفصيلات فقه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأقوالهم في العلم وجدها تكشف عن الحقائق الماضية، وتفسر ذلك النهم الشديد الذي أبداه التابعون حيال فقه الصحابة، فأقبلوا عليهم، يستعرضون كتاب الله مرارًا، يستوقفونهم عند كل آية ويطلبون ما فيها من الفقه والتفسير، بالإضافة على إقبالهم عليهم في شأن الرواية والحديث، يستكشفون من خلالهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من الفقه.
وحتى تطمئن إلى عبقرية الصحابة على مستوى التفصيلات، ولئلا يُظن أن ما ذكرناه كلام إنشائي تعوزه الأمثلة نسوق مثالًا واحدًا فقط يدل على ما كان لهم رضي الله عنهم من دقيق النظر، وحسن التأمل ما جعلهم يفوزون بمقامات علمية رفيعة يصعب نيلها، ويحظوا لأجل ذلك بشهادات غالية من النبي صلى الله عليه وسلم تدل على تميزهم العلمي:
فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر»( ).
فتأمل هذا الفهم العظيم الذي مكّن أبي بن كعب لإدراك الجواب، وليضع يده على الآية المقصودة، فلو لم يَرِد مثل هذا الحديث هل كان سيسهل علينا إدراك الجواب، أم أنه لتمام فقهه رضي الله عنه أدرك أن معيار المفاضلة سيكون لما اشتمل من عظيم المعاني المتعلقة بالله، لا لاعتبارات بلاغية، أو كمالات تشريعية أو غير ذلك، فضيق دائرة النصوص لما فيه ثناء معظم على الله، ثم نظر فيها فوصل لهذه النتيجة (آية الكرسي).
وأنت ترى أنه أجاب النبي صلى الله عليه وسلم على البديهة ووفق للصواب، وهو ما يضيف إلى العبقرية عبقرية، فاستحق تلك الضربة الغالية من النبي صلى الله عليه وسلم في صدره فرح الأستاذ بالتلميذ وابتهاجه بنبوغه، وليزينه بتلك الشهادة العظيمة (ليهنك العلم أبا المنذر).
والمقصود أنه: (من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتابَ والسنةَ وما اتفق عليه أهلُ السنةِ والجماعةِ من جميعِ الطوائف أنّ خيرَ قرونِ هذه الأمة في الأعمالِ والأقوالِ والاعتقادِ وغيرها من كل فضيلةٍ أنّ خيرها القرنُ الأولُ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثَبَتَ ذلكَ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غيرِ وجهٍ، وأنهم أفضلُ من الخَلَفِ في كل فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ، وأنهم أولى بالبيانِ لكل مُشْكلٍ، هذا لا يدفعُه إلاّ من كابرَ المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على علم … وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته: هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا)( ).
ويكفي في هذا استحضار اللوازم المترتبة على رد فقه الصحابة والدعوة إلى منابذته، ومن أبشعها: الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يوفق الصحابة لإدراك الدين كما يجب، فمقتضاه فشل النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمهم وتزكيتهم، وهو الدور الذي ابتعثه الله لأجله، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من الفشل.
خصوصًا أن لازم هذا الفشل تسلسله لمن بعد الصحابة، إذ فقه التابعين فرعٌ عن فقه الصحابة، والطعن فيه طعن في فقهم، وهكذا فيمن بعده، وعجيب هذا الكبر الذي يحمل هذا المنابذ لفقه الصحابة ليدعي أنه وبعد مرور هذه القرون المتطاولة فاز بوجه الصواب في فقه الدين دون بقية الأمة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحتى وقته، إن في تصور هذا ما يكفي في رد هذه الدعوى الباطلة.
وحين نقرر لزوم الأخذ بهدي الصحابة فالمقصود هو: الالتزام بإجماعهم وعدم الخروج عنه، وعدم الخروج عن أقوالهم في حال خلافهم بإحداث قول لم يقولوه، والالتزام بمسالكهم في النظر والاستدلال، فكل مبدأ كلي في فهم الإسلام، أو فهم جزئي خاص لآحاد مسائله، يتناقض مع طريقة الصحابة وما تواطؤوا عليه، فهو يمثل انتهاكًا صريحًا لمبدأ قرآني عظيم ينظم أسلوب تعاملنا مع سؤال فهم الإسلام وتفسيره.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى