(١٨) الحرية مقدمة على تطبيق الشريعة


تمثل الحرية حاجةً إنسانيةً ضرورية، وهي تستتبع ترك الناس وخياراتهم، وعدم فرض أمر عليهم، أو إلزامهم بما لا يريدون، فإذا كانوا مؤمنين بوجوب تطبيق الشريعة فسيكون ذلك خيارهم، وسيطبقونه فعليًا، وإن لم يؤمنوا به فلا سبيل لتطبيق الشريعة إلا عبر إرادتهم، ولذا فالواجب تحقيق الحرية أولًا، ثم يأتي تطبيق الشريعة لاحقًا.
هذه المقولة لا يظهر منها للوهلة الأولى استهانة بمبدأ تطبيق الشريعة، ولا دعوة إلى إلغائه، بل ظاهرها أنها تطلب ذلك وتدعو إليه، لكنها تجعل الأمر متراخيًا زمانيًا بعد أن تتحقق حريات الناس، بذريعة عدم إمكانية تطبيق الشريعة كما أمر الله إلا بتحقيق هذه الحرية، إذ التكليف الشرعي تابع للإرادة، وهي مما لا يمكن أن يكون إلا بالحرية.
وهنا نسأل: هل الحرية التي تقدم هنا على تحكيم الشريعة هي حرية شرعية جاء بها الإسلام وأقرها الوحي، أم هي حرية خارجة عن قيم الشريعة ومخالفة للإسلام؟
فإذا كان الجواب: بل هي جزء من الإسلام، والشريعة قد جاءت بها، فلا معنى إذن لأن يقال: هي قبل تحكيم الشريعة، لأنها حينئذٍ من الشريعة نفسها، فكيف يقال هي قبل تحكيم الشريعة وهي جزء من تحكيم الشريعة؟!
إن الأمر شبيه بقول أحدهم: جباية الزكاة وتوزيعها على الفقراء قبل تحكيم الشريعة، أو منع السرقة والاعتداء على الأعراض قبل تحكيم الشريعة، أو إقامة العدل بين الناس ومنع التظالم بينهم قبل تحكيم الشريعة، فهذه عبارات خاطئة تحتوي على تناقض داخلي، لأن هذه الأمور هي من الشريعة نفسها، فكيف يمكن أن تطبق قبلها؟!
أما إن كان الجواب أن هذه الحرية حرية مخالفة للإسلام ومنافية للشرع، فهنا نتعجب: كيف يقوى قلب المؤمن المسلِّم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يجعل شيئاً مناقضاً للشرع مقدماً على تحكيمها، وهو يعلم أنه مخالف للشرع؟! ومن الذي أعطى الشرعية لهذا الأصل المناقض للإسلام ليكون مقدماً على تحكيم شريعة الله؟! وكيف يمكن أن يكون مدخل الطاعة الدعوة إلى ممارسة المعصية؟!
هذه مقدمة مهمة جدًا لفهم حقيقة الخلل الساري في مثل هذه المقولة، فهي مقولة مضللة تتلقفها الألسن، ولا تتفطن لما فيها من إشكال، وما تؤول إليه من لوازم فاسدة.
فإذا دخلنا بعد هذه المقدمة لنحلل هذه المقولة، ونتعمق في مقاصد أصحابها، فسنجد أنهم يقررون أن الحرية مقصد شرعي من أهم مقاصد الإسلام، ويسوقون في إثبات ذلك آيات وأحاديث كثيرة، وهذا يُظهر أن الحرية هنا هي جزء من الشريعة، وبناءً عليه فهذه المقولة خاطئة من الأساس ولا ينبغي أن تتردد على ألسنتهم، لأن الحرية عندهم جزء من الشريعة فلا معنى لأن تقدم عليها كما تقدم.
لكن يبقى البحث في مسألة مهمة هنا، وهي فحص طبيعة هذه الحرية التي ينادون بها، وهل تمثل حقاً جزءًا من الشريعة؟
الحرية قيمة تتعلق بقدرة الإنسان على الاختيار بمحض مشيئته دون أن يمنعه من اختياره هذا مانع إلا ما كان واقعًا بسلطة القانون، والقانون الحاكم قد يكون قانونًا طبيعيًا ماديًا أو قوانين الحكم والسياسية، فأما القانون الطبيعي فهو سنن الله تعالى في هذا الكون، فالإنسان ليس حرًّا في اختراق عامة تلك السنن أو تجاوزها، بل هو محكوم بإطارها، وليس حرًّا في ممارسة ما يناقضها.
وأما قوانين النظام السياسي الحاكم، فهو المجال الذي يتعلق به مثل هذا البحث أصالةً، وهو ما نسعى إلى فك الاشتباه بينه وبين فضاءات الحرية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأحكام الدين وتشريعاته، والتي تمثل النظام العام الذي يحكم الناس.
فالإنسان -في الجملة- حرٌّ في ممارسة ما شاء من أفعال وتصرفات في ضوء هذه الحدود، وهو ما يكشف عن خرافة الحرية المطلقة، وأنه لا وجود لها، بل لا وجود لحرية إلا وهي مستندة إلى حدود وضوابط، وهنا يقع التباين الكبير بين الناس في تحديد هذه الحدود والضوابط وذلك بحسب المرجعيات الحاكمة، فالمرجعية الليبرالية تضع حدودا ًمعينة للحرية تمنع من وقوع الضرر أو المساس بالأصول الليبرالية المركزية، وكذا المرجعية الاشتراكية تضع حدودها، والإسلام كذلك.
وبناءً عليه: فالحرية التي هي جزء من الشريعة هي في الحقيقة حرية مقيدة بالشرع، فهي تمنح الإنسان ما أباحه الله له، وتمنع وقوع الظلم عليه، وتلزم بحفظ حقه، كما تمنعه من الوقوع فيما حرمه الله عليه، سواءً كان في هذا اعتداءً على الآخرين أم لم يكن فيه اعتداء.
فإن كان الشخص سيُقدم الحرية وفق ميزان الشرع فقد أحسن وأجاد وحفظ دين الناس ودنياهم، ولكن باستحضار أن هذه الحرية هي جزء من تحكيم الشريعة، وليست شيئًا مباينًا له، فهي غير قابلة بطبيعتها أن تكون متقدمةً زمنيًا على تطبيق الشريعة، بل الدعوة إليها في حقيقته دعوة إلى تطبيق بعض الشريعة.

أما إن لم تكن الحرية المنادى بها مضبوطةً بهذا الضابط فهو ما يكشف عن إشكال هذه الحرية والتي يزعم أصحابها أنها من الإسلام، لكنها في الحقيقة ليست منه إذ لم تلتزم بقيود الإسلام، وإنما جاءت مثقلةً بقيود الليبرالية، فهي حرية ليبرالية تتدثر بدعاوى الشريعة، ويزعم أصحابها أنها تمثل الحرية الشرعية، والتي تعد من مقاصد الشريعة.
وتصور هذا الأمر هو ما يكشف عن أساس النزاع مع كثير من دعاة الحرية، فالنزاع ليس في الحرية من حيث هي، وإنما النزاع في المرجعية التي تحكمها، وفي الحدود المقيدة لها.
فالحرية عند كثير من الناس بحكم غلبة المزاج الليبرالي المعاصر أضحت خاضعة لقيم هذه المزاج، وقد يمارس بعض الناس – بحسن نية أو سوئها – برهنة وتدليلًا على هذا النمط من الحرية بأدوات شرعية إسلامية، توهم الناظر والمتلقي أن الحرية المحتفى بها قيمة إسلامية، ولكنك إذا دققت النظر فيها، وحاكمتها إلى مجموع الأدلة الشرعية، وقواعد الدين وجدتها أجنبية في كثير من تفاصيلها عنها.
فالحرية الليبرالية تقوم على ركيزتين أساسيتين: الحرية والفردانية، أو إن شئت اختصرتها في: الحرية الفردية، فالإنسان كفرد حر في ممارسة كل ما يريد ما لم يضر، فما دام سالمًا من الإضرار بغيره فلا ضير عليه أن يمارس ما شاء، فالحرية في هذا التصور هو التحرك في جميع المسارات التي يطمع فيها الإنسان، بشرط ألا يقع منه اعتداء على غيره بقتل، أو سرقة مال، أو غش في بيع، أو نحو ذلك، وما عدا ذلك فهي حرية شخصية لا يحق للنظام المنع منها، ولو كان في ذلك مخالفة لقطعيات الشريعة، ومحكمات الدين.
فالحرية الجنسية مثلاً هي خيار شخصي ما دام قائمًا على التراضي بين الطرفين، ولا يشتمل على أي اعتداء على أحد، وبناءً عليه فلا يحق منع أحدٍ منه.
وفي الحقيقة، فالليبرالية حين تركز على الفردانية وتعلي من شأنها فإنها تفضي إلى التهوين من شأن القيم العامة، لتجعلها متروكةً إلى رغبات الناس وأهوائهم، فمن شاء أن يتحرك في نصرتها فله ذلك، ومن شاء أن يترك الأمر وينصرف إلى همومه الفردية الخاصة فله ذلك أيضًا، فليس في أجندتها السعي في إشاعة الفضيلة والخير بين الناس، بل لا ترى مشروعية الإلزام بشيء من هذا أصلاً.
وهذه الحرية مخالفة لمنهج الإسلام قطعاً، فشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنافي هذا الأمر منافاة تامة، فهي تقوم على إشاعة الخير والفضيلة والإلزام بجملة من الأحكام العامة.
كما أن دائرة المنع في الإسلام لا تقتصر على ما فيه اعتداء على الغير، بل تتسع لمنهيات الشريعة كلها، فدائرة المنع في نظر الشريعة غير محصورٍ في الضرر الواقع على الغير، بل يشمل كل ما يمكن أن يلحق ضررًا بالغير أو بالذات، كما أن الإضرار الممنوع ليس مقصورًا على الضرر الدنيوي فقط، بل يشمل ما يضر بدين الناس ونجاتهم في الآخرة.
فشرب الخمر محرم وممنوع، ولو ادعى أحد عدم الضرر فيها، فدعواه منتقضة بتحريم الشريعة لها، فهي مضرة بلا شك، لكن الإشكال هو في هذا التقصير الفاحش في قياس معامل الضرر وحصره في صورة وحيدة وهي الاعتداء على الغير، ونظرة الشارع أوسع كما مر.
فمفهوم الاعتداء والضرر في النظر الليبرالي يقتصر على ما فيه تعدٍ مادي على جسد أو مال، بينما تسمي الشريعة مخالفة أوامر الله ونواهيه تعدياً واعتداء، كما قال تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا في السبت) فسماهم الله معتدين بسبب مخالفتهم لنهي الله عن الصيد يوم السبت، وقال سبحانه في قتل المحرم للصيد: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) ويسمي الله في القران مخالفة الأوامر والنواهي بأنه تعدٍ على حدود الله فيقول سبحانه: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون).
فالتعدي في الشريعة يشمل تجاوز أوامر الله ونواهيه، وليس خاصاً بما فيه تعدٍ جسدي أو مالي مباشر على الشخص، ولذا عُدَّ من الظلم المحرم ظلم العبد لنفسه، وظلمه لغيره من المخلوقين، وظلمه لربه تعالى.
سيقال أخيراً: لكن تطبيق الشريعة يعسر في هذا الزمان، ويعجز كثير من المسلمين عن تطبيق بعض أحكامه لأسباب كثيرة، وليست المجتمعات سواءً في ذلك، فنريد أولاً حرية تضمن حرية الدعوة ثم بعد ذلك يتحقق تحكيم الشريعة.
وهنا تحركت المقولة من جانب إلى جانب آخر، وهو جانب مراعاة واقع معين، فهو لا يقصد أن الحرية بذاتها تقدم على الشريعة، ولا يقدم مفهوماً ليبرالياً للحريات يسقطه على الشريعة، إنما يقول: أنا أقر بأن الحرية الليبرالية تخالف الشريعة، وأن حرية الردة لا تقرها الشريعة في الأصل، وأن الأدلة التي تذكر هنا من التحريف والعبث، وإنما أتحدث عن واقعٍ معينٍ لا يمكن تطبيق الشريعة فيه لأسباب عدة.
فالجواب أن البحث هنا يختلف جذريًا عما سبق، فإذا كان الأمر متعلقاً بالقدرة على تطبيق الشريعة، فالقدرة والاستطاعة شرط تكليف بكل الواجبات قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، وقال سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوط بالاستطاعة، وأن لا يترتب عليه منكر أعظم، فمثل هذا التنظير مقبول في الجملة، ويبقى النظر بعد ذلك في تفصيلات الموضوع، وطبيعة الواقع، وما يتصل به من أحكام، وهو بحث خارج عن المقولات المؤسسة.
فالخلاصة: أن مقولة الحرية قبل تطبيق الشريعة، مبنية على عبارة مغلوطة، فهي تجعل الحرية قبل الشريعة مع كونها تقرر أن الحرية من الشريعة، فكيف تكون خارجة عن الشريعة! ثم إذا دققنا النظر في طبيعة هذه الحرية، وهل هي جزء من الشريعة فعلًا وجدناها حرية لا تلتزم بضوابط الشريعة بل تتفق كثيرًا مع الحرية الليبرالية، فهي حرية مخالفة للشريعة في حقيقة الأمر، فكيف يستبيح مسلم أن يدعو إلى معارضة الشريعة، بل ويجعل هذه المعارضة شرطًا لتطبيق الشريعة؟!
اللهم إلا أن يكون المقصود متعلقاً بواقع معين يعجز فيه المسلمون عن تطبيق بعض الشريعة، فيكون تقديمها من باب فقدان شروط القدرة على تطبيقها، وهو بحث أجنبي عما نحن فيه.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى