(١٩) الإسلام يدعو إلى الحرية


الحرية قيمة نبيلة، ومقصد راق، وعطية إلهية، تعطي للإنسان قيمةً واعتبارًا، فإذا سُلخ الإنسان من حريته بالكلية فقد سُلخ من إنسانيته، وعاش حياة ذلةٍ وهوان، ولكن هذه الحرية ليست أمرًا متمددًا في الفضاء لا يحده حد أو يضبطه إطار، بل هي محاطةٌ بلون عبودية وخضوع، فإن كانت هذه العبودية مصروفة لله، تحرر بعبوديته هذه من عبودية كل ما دونه من قيم الأرض والتراب، وإلا صار أسير الذل وسجين العبودية لغير مستحق: (فيا لها من عبودية أوجبت حرية، وحرية كملت عبودية)( ).
وحقيقة هذه الحرية أن تكون ملتزمة بأحكام الإسلام طاعةً لله تعالى، فإن كانت كذلك فقصدها وطلبها والدعوة إليها مشروع مطلوب، وادعاء أن الإسلام قد جاء بها ودعا إليها دعوى صادقة مقبولة.
فأين الإشكال إذن؟!
الإشكال يأتي هنا حين تقدم هذه الحرية بما يخرجها عن حدود الشريعة، وهو للأسف ما وقع فيه بعض دعاة الحرية من المسلمين بغير وعي في الغالب، بسبب رضوخ كثيرٍ من أبناء المسلمين لضغط الثقافة الغربية، حتى صاروا لا يقرؤون الإسلام إلا من خلال عدستها، ولا ينظرون في أحكامه وتشريعاته إلا في ضوء منطقها، فباتوا وهم يُنَظِّرُون للحرية الليبرالية، متوهمين أنها لا تفارق صورة الحرية في الإسلام، وهو ما أفرز إشكالية عميقة في التعاطي مع ملف الحريات.
فلم يقتصر الأمر على انحرافٍ في مفهوم الحرية بإسباغ ثوب الشرعية على حريةٍ تنزع أثر الدين من التأثير على خيارات الناس، فلا إلزام ولا تجريم بناءً على أحكام دينية، وإنما يختار الإنسان ما يراه لنفسه بملء إرادته دون أدنى إلزام خارجي، بل تطور الأمر إلى جعل نصوص الوحي جسرًا لتمرير هذا المفهوم الأجنبي عنها، وهذا ما يضاعف خطورة الأمر، إذ تحول إلى انحرافٍ منهجي، تجاوز حالة التأثر العفوي بمفهوم وافد يسهل إزالته ببيان رؤية الشريعة فيه.
وقد استند أولئك لتسويغ هذا النمط المنحرف من أنماط الحرية الليبرالية إلى عدة أصول شرعية، وسنعرض هنا لأبرز ثلاث أصول يتم الاستناد إليها في هذا الباب، وهي:
(1) الاستدلال بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين).
قد يستدل بعضهم بتقرير مفهوم الحرية المنحرفة بمثل قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) ليقول: إن الشريعة تمنع من أي إكراه فيما يتعلق بالدين، فلا يسوغ أن تمنع أحداً من التعبير عن رأيه مهما كان رأيه منحرفًا أو تمنعه من فعل ٍمعين يختاره بذريعة دينية لأن هذا كله من الإكراه في الدين.
وهذا استدلال لا يخلو من إشكال وخلل، ووجه الخلل فيه ناشئ عن توهم عموم المنع من الإكراه هنا، بمعنى أنه لا وجود لأي إكراه بأي صورة من الصور في دين الإسلام، وهو معنى باطل بداهة، فالإسلام نظام شامل يحكم حياة الناس، ولذا فهو يشتمل ضرورةً على تشريعات ملزمة، ففي الشريعة واجبات ومحرمات، وفيها حدود وعقوبات، وفيها كفارات وديات، وفيها عقود والتزامات، وفي كل واحدة منها إلزام وفرض ومنع، فمن يتصور أنه لا وجود لأي إكراه فيلزمه أن ينفي هذا كله.
ولهذا لا يصح لأحد أن يفهم من الآية أنها تعم جميع صور الإكراه الممكنة إلا إذا التزم بالمنهج العلماني كاملاً، فقال: إن الدين الإسلامي هو مجرد علاقة روحية بين العبد وربه، وليس له علاقة بالنظام ولا بالقوانين التي تحكم الناس، إنما الدين مختصٌ بجانب العبادات الشخصية، يصلي الشخص ويصوم ويتقرب إلى الله، ويمكن أن يمتنع عما لا يريده من شرب الخمر وفعل الفواحش ونحو ذلك، لكن من دون أن يفرض رأيه على الآخرين.
هذا التصور العلماني للدين هو الذي يمكن أن يكون متوافقاً مع فهم التعميم في الآية، أما من يرفض العلمانية ويعاديها، فإن من التناقض الصارخ أن يستدل بدليل يؤيد الفكرة العلمانية التي يحاربها.
إذن، ما معنى (لا إكراه في الدين)؟
للعلماء أقوال عدة في تفسير الآية، لكنها جميعاً ترجع إلى أن الكافر لا يُكره على الدخول في الإسلام، بل له حرية البقاء على دينه، ولم يقل أحد من العلماء إن معنى الآية يشمل معنى إقامة أحكام الإسلام والإلزام بحدوده على الناس بسبب أنه إكراه في الدين، فإقامة الحدود ومنع الحرام هو من إقامة الدين وتحكيم الشريعة وليس هذا من الإكراه المنهي عنه في شيء، بل هو من الواجبات الشرعية.
وحتى يتضح وجه الإشكال في ذلك الفهم المنحرف لدلالة الآية، دعنا نلتزم بفهم الآية وفق ما توهمه بعض المعاصرين منها، فنقول: لا إكراه في الدين، فمن حق كل أحد أن يجاهر برفض دين الإسلام ويرتد عن الشعائر، ويمارس ما شاء من المحرمات علانية، ولا يحق لأحد أن يمنعه من ذلك، لأن هذا حق من حقوقه، وقد جاءت الشريعة بالنهي عن أي ممارسة تضيق عليه حريته.

إن هذا التصوير لمفهوم عدم الإكراه عند هؤلاء يكشف بداهة حجم مخالفته لمحكمات الشريعة التي ألزمت بواجبات ومنعت كثيرًا من المحرمات، ورتبت عقوبات على الإخلال بالتزام الواجب، أو ترك المحرم، وكيف يمكن أن نفهم إيجاب إقامة الحدود مثلًا على من أتى بما يوجبها، كالزنا وشرب الخمر والسرقة وغيرها، مع هذا التصور لدلالة الآية، وهل سعي الدولة لمنع الزنا ومعاقبة من يمارس هذه الكبيرة بالحد الشرعي مخالف للشريعة أم موافق لها؟!

(2) الاستدلال بالآيات المكية:
وبعضهم يسترسل في هذا النفس الاستدلالي لمفهوم الحرية المنحرف: فيظن أن رؤيته تتعضد بمثل قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، أو قوله: (لست عليهم بمصيطر)، أو قوله: (إن عليك إلا البلاغ) إلى آيات كثيرة أوصلها بعضهم إلى مائة آية! فهل مثل هذه الأنماط الاستدلالية صحيحة؟!
إن مثل هذا الفهم الذي يراد أن يرتب على تلك النصوص هو فهم لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام بتاتاً، وليس منقولًا عن أحد من عصر الصحابة رضي الله عنهم وحتى عصرنا الحاضر، بل هم متفقون جميعًا اتفاقاً قطعياً على أنه لا وجود لهذه الحرية في الإسلام، وأنها مناقضة له مناقضةً قطعية، ويمكن لمن يشكك في هذا الكلام أن يذكر لنا مثالاً واحداً لعالمٍ في أي عصر أو مصر أو مذهب قرر مثل هذا قبل عصرنا الحاضر.
وهذا يؤكد أن مثل هذا الفهم المزعوم لهذه الآيات فهم باطل، ليس له علاقة بالنظر في الآية، وإنما هو تفسير للآية بعد الرضوخ لسطوة القيم الليبرالية، والتي تعطي الإنسان حرية التدين شريطة أن لا يتجاوز هذا التدين شخصه، وليس من قبيل الصدفة أن يُستحدث هذا الفهم الغريب للحرية في الإسلام بالتزامن مع هيمنة النموذج الثقافي الغربي، المترع بقيم الحداثة واللبرلة.
وحتى تدرك حجم الإشكال الواقع بالدعوة إلى هذا اللون من الحرية الدينية، فإننا حين نتحدث عن (حرية الردة) فنحن نتحدث عن حرية الإنسان في أن يمارس ردته، لا أننا نتحدث عن حكم (قتل المرتد) والذي لا يروق بطبيعة الحال لكثير من المتأثرين بالقيم الليبرالية، إذ حكم قتل المرتد يتعلق بعقوبة معينة للمرتد، وعدم إقامة هذه العقوبة لا يعني أن له حرية الردة، فالخلاف هنا يتجاوز حدود التشكيك في حد الردة المتعلق بالقتل إلى أمر أخطر بكثير وهو تقرير مشروعية الردة، وأن الشريعة جاءت بكفالتها، وحفظ حق صاحبها فيها، وهذا كذب صريح على الشرع، وخروج عن إجماع الأمة بيقين.
إذن ما المراد بمعنى هذه الآيات؟
هذه الآيات نزلت في مكة، ولم تكن أكثر شرائع الإسلام قد شرعت، ولم يكن للمسلمين وقتها نظام أو إلزام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إقامة للحدود، وكانت في سياقٍ لا علاقة بمنع وجود أي إلزام أو منع أو عقوبة شرعية:
فقوله تعالى: (فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر) هو في سياق تهديد للكفار، ولذا جاء بعدها (إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها)، فليس في الآية أي معنى يشير إلى أن حرية ممارسة الأحكام بلا حد ولا منع من الشرع.
وقوله تعالى: (لست عليهم بمصيطر) وقوله: (إن عليك إلا البلاغ) هو معنى محكم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس عليه إلا الهداية والقيام بما يجب عليه، وليس عليه هدايتهم، ولا دخولهم في الإسلام، وليس في هذا المعنى أي علاقة بتقرير الحريات بلا حد شرعي، أو نفي أي قيام بما يجب شرعاً من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولأنه لا وجود في هذه الآيات لأي احتمالٍ لتقرير الحرية الليبرالية التي فهمها بعض المعاصرين لم تجد أحداً فهم منها ذلك، ولا استدل بها على ذلك خلال التاريخ الإسلامي كله.

(3)حرية المنافقين:
من الاستدلالات العصرية الشائعة: ذكر ما جرى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من مقولات للمنافقين، وتوظيف ذلك لإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقرًّا لها، سامحًا بها، بل وحاميًا حق أصحابها في ممارستها، وبناءً عليه فحدود الحرية في ظل النظام السياسي الإسلامي يجب أن يتسع باتساع تلك الحريات المُقّرَّة، ويستوعب تلك الممارسات.
وهذا في الحقيقة من أقبح أنماط الاستدلال الممكنة في هذه المسألة، إذ مضمونها أن الشريعة يجب أن تحمي حرية الإنسان في أن:
– يهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم وينتقص من مقامه، ويطعن فيه.
– ويسخر من الصحابة، ويلمزهم، ويطعن فيهم.
– ويظهر بغضه للمؤمنين، ويعلن الاستهزاء بهم.
– ويصد عن الدين، ويثير الشبهات حوله.
– ويخذل المجتمع عن فعل الخير، وعن الالتزام بالشريعة.
– ويؤلب على المؤمنين، ويحرض ضدهم.
في قائمة تطول من قبائح المنافقين، والتي تجد شواهدها حاضرة وموثقةً في القرآن الكريم، تكشف عن لؤم المنافقين وخستهم، وشدة خطرهم على المؤمنين.

فهل يتصور عاقلٌ حقًّا أن الشريعة الإسلامية جاءت بالمحافظة على مثل هذه الانتهاكات الصارخة بصيانة حق أصحابها في فعلها؟! وهل يظن أن المجتمع الإسلامي يمكن أن يتحمل مثل هذه الممارسات فعلًا، ويحمي أصحابها؟! بل هل يتصور أن يتمكن مجتمع ما، مهما كانت مرجعيته أن يتحمل بعض هذه الممارسات ويصون حق أصحابها في الإقدام عليها؟! وهل التحريض والتأليب يمكن أن يكون متقبلًا، بل ومحميًّا في أي تجمع بشري؟!
مثل هذا اللازم كافٍ في الكشف عن عمق الغلط في هذا الاستدلال، ثم نزيد البيان توضيحاً فنقول:
أصل المشكلة التي وقع فيها صاحب الشبهة هنا عدم تفريقه بين حالين من أحوال المنافقين: (حالهم في مجتمعهم الخاص المغلق، وحالهم في المجتمع العام المفتوح)، فللمنافقين حالٌ في السر تخالف حالهم في العلن، وإنما نشأت المشكلة حين خلط صاحبنا بين الحالين وصيرهم حالةً واحدة.
فالمنافقون أقدموا على عامة هذه الاعتداءات في السر دون العلن، وهذا هو الظن بهم إذ كانوا منافقين، إذ النفاق إظهار الإسلام مع استبطان الكفر، وإنما علمنا باعتداءاتهم المخفية هذه بإخبار الله تعالى الذي يعلم الغيب وما تحفي الصدور، ولو كان في مقدور المنافقين أن يعلنوا موقفهم صراحةً لما كان لهم مبرر في أن يكونوا منافقين، وإنما اضطروا إلى ممارسة هذا الدور السيء في الخفاء لأنه يُعَدُّ من الممنوعات المحظورة في العلن، وهي محل محاسبة.
وحتى تدرك مساحة الحريّة المتاحة للمنافقين حقّا في زمن النبوة، استحضر هذه اللقطة من لقطات النفاق في زمن النبوة:
عن زيد بن أرقم، قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي، يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: (إذا جاءك المنافقون). فبعث إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد»( ).
فتأمل كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم مختلف الأطراف المتعلقة بالواقعة، وحقق معها، فاضطر هذا المنافق أن يحلف بأغلظ الأيمان أنّه لم يسبق له أن قال هذه الكلمة، وهي كلمة قالها في مجلس مختصر يضمّ أقاربه وأصفياءه ولم يشهد عليه بها إلا صحابي واحد لم يتجاوز سنّ البلوغ بعد!
فإن قيل: فلماذا لم يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الجرائم، ما دام صلى الله عليه وسلم عالمًا بها بإخبار الله تعالى له؟
فيقال: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخذ الناس إلا بمقتضى ظواهرهم، أما البواطن وما يدور في الخفاء فأمره إلى الله تعالى، وهذه الصنائع الواقعة في السر، وإن كانت مُجرَّمَةً لكنها لا تكون بمجرد ذلك مستوجبةً للعقوبة بحسب ما تقتضيه الشريعة ما لم تقم البينة الشرعية الموجبة للمعاقبة.
ولذا حين اعترض رجلٌ على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المال، وقال له: يا رسول الله اتق الله! وقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ قال: «لا، لعله أن يكون يصلي» فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم»( ).
فلم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم تحسس بواطن النفوس، أو التجسس على بواطن البيوت، وهو معنى ظاهر عند أهل العلم، قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم: (قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر)( ).
فالمنافقون وإن علمت خفاياهم بالوحي، وظهرت أمارات نفاقهم، لكنهم لمّا كانوا مظهرين للإسلام، ولم تثبت صنائعهم السيئة بالبينات الشرعية، لم يحاسبهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها، بل عاملهم بحسب الظاهر، وأوكل سرائرهم إلى الله تعالى.
وقد يقول قائل: ولكن يعكر صفو هذا ما رُصدت للمنافقين من مواقف علنية تتضمن بعض المطاعن والقبائح، فلماذا لم يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى ما أظهروه؟
فيقال: صدور ما يوجب المؤاخذة الدينية من المنافقين كان على عدة صور، هي:
-مخالفات وقعت في السر، وهذا هو الغالب.
-مخالفات وصل خبرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه المخالفات إما:
-أنهم أنكروها فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظاهر وتركهم.
-وإما أنهم أقروا بها وأعلنوا توبتهم منها فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
-أو ثبتت عنده بوسائل الإثبات الشرعية التي لا ينفع معها الإنكار، أو التوبة، بل تستوجب العقاب، فأقام عليهم صلى الله عليه وسلم الحدّ كما أمر الله.
– أو ترك الأمر لمعارضٍ راجحٍ.

فموضع الشبهة هنا هو في هذا القسم الأخير فقط، وهي الجناية الواقعة من أهل النفاق والتي ثبتت بالبينات فترك النبي صلى الله عليه وسلم معاقبة أهلها، والذي يرفع الإشكال كلمة (لمعارض راجح).
إذ حقيقة الشبهة تعلق بمجرد الترك النبوي لجعل المخالفة محلَّ إقرار، وشتان بين أن يكون الترك خروجًا عن الأصل الشرعي لمعارض راجح، وأن يكون الترك بقاءً على أصل المشروعية والإباحة.
فترك النبي صلى الله عليه وسلم لمعاقبة المنافقين في هذه الصورة لوجود مصلحة راجحة، أو دفعًا لمفسدة غالبة، لا يحيل الأمر ليكون أمرًا طبيعيًا ومقبولًا، بل ومحميًا بقوة الشرع، بل هي عند التأمل تدل على العكس، إذ تركه للمعاقبة لمثل هذه الاعتبارات يكشف أنها محلٌّ للمؤاخذة من جهة الأصل، وإنما انتقل عن الأصل استثناءًا لعلة، فمن الخطأ البين جعل الاستثناء أصلًا، والأصل استثناءًا، فغاية ما في الأمر إسقاط العقوبة عنهم، وإسقاط العقوبة عن واقعة معينة لا يعني أن الفعل قد أصبح مباحاً، ولا تجريم فيه.
قال ابن تيمية رحمه الله موضحًا هذا المعنى ومنبهًا إلى الاعتبارات التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا فقال: (فحاصله أن الحد لم يقم على واحد بعينه، لعدم ظهوره بالحجة الشرعية التي يعلمه بها الخاص والعام، أو لعدم إمكان إقامته إلا مع تنفير أقوام عن الدخول في الإسلام وارتداد آخرين عنه، وإظهار قوم من الحرب والفتنة ما يربى فساده على فساد ترك قتل منافق، وهذان المعنيان حكمهما باق إلى يومنا هذا إلا في شيء واحد وهو أنه صلى الله عليه وسلم ربما خاف أن يظن الظان أنه يقتل أصحابه لغرض آخر مثل أغراض الملوك فهذا منتف اليوم)( ) .
والحقيقة أن هذا الاستدلال الفاسد إنما وقع بسبب القراءة التبعيضية للوحي، حيث قام المستدل باستعمال بعض النصوص لغرضه، معرضًا عن دلالتها الحقة، ومعرضًا عن دلالة غيرها من النصوص.
ولذا، فمن استوعب النظر في نصوص الوحي في هذه المسألة الخطيرة وجدها على طرف الضد من هذا التصوير لحال المنافقين في مجتمع المدينة، فلو كان المنافقون يعيشون هذا الفضاء الواسع من الحريات، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف بسبب ما كان يظهره من تغزّل بنساء النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أريق دم ابن أبي الحقيق، أفيراق دم الكافر البعيد لأجل شتمه للرسول عليه الصلاة ويترك المنافق الذي يتقلّب بين ظهراني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يمس بشيء؟! أوَتحسب أن الصحابة يتخطّفون قادة الكفر المتحصّنين خارج أسوار المدينة لشتمهم الرسول صلى الله عليه وسلم ويتركون المنافقين في المدينة يسخرون ويمرحون!!
ولهذا فعامة من يستدل بحرية المنافقين لا يتنبه إلى ما يترتب عليه من اللوازم الشنيعة، والتي يقف على رأسها كفالة النظام حق من يطعن في النبي صلى الله عليه وسلم جهاراً نهاراً بين المسلمين، ووجوب أن يحفظ المسلمون هذا الحق في الطعن في نبيهم، فإذا تجاوزت السلطة وأرادت معاقبته وجبت نصرته ورفع الظلم عنه، فهذا قول لا نعرف أحداً ذا عقل يصرح بمثله، مع أن هذا هو معنى استدلال المقام هنا.
وإدراك هذا في الحقيقة كافٍ لاكتشاف خطأ هذه العملية الاستدلالية لتقرير مبدأ الحرية، وحجم الورطة بتبنيها، إذ هي تؤول إلى لوازم قبيحة، وإلى إلغاء عشرات النصوص المحكمة.

خلاصة الأمر: أنه لا إشكال في الدعوة إلى الحرية، ولا في نسبة هذه الدعوة للإسلام متى استبان المقصود بالحرية، وأنها لا تمثل خروجًا عن أحكامه وحدوده، بل هي في هذه الحال دعوةٌ مشروعةٌ مطلوبة. وإنما المشكلة هي في توظيف مرجعية أجنبية لرسم حدوده وإدراك مضامينه ثم الاحتكام إلى مرجعية الإسلام لاستخراج حججه ودلائله، والخلط بين مرجعيتين متباينتين وتحميل أحدهما مسؤولية بناء التصور والأخرى بناء الدليل، هو تخبط منهجي ظاهر، حيث تبنى المنحرفون تصور الحرية الليبرالية تحت ضغط هيمنة نموذجها الثقافي، ثم سعوا لقسر الأدلة الشرعية لإنتاجه، فوقعوا في ألوان من التحريف المعاصر للوحي، والواجب السعي لفهم الشريعة بأدلتها كما هي بعيدًا عن ضغط أي ثقافة أجنبية عنها.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى