(٢) تقديم القرآن على السنة

هذه المقولة لا تنطلق بالضرورة من موقف سلبي مطلق من السنة، وإنما تضع اشتراطاتٍ معينة لقبولها، ومن بين تلك الاشتراطات ضرورة عرضها على القرآن، والتأكد من عدم مخالفتها له، فإن كانت السنة موافقة للقرآن قُبلت، وإن كانت مخالفة ردت.

وقد يستند بعض من يتبنى هذه النظرة على بعض الأحاديث، من جنس: (إن الحديث سيفشوا عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني) أو حديث: (إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه)، وقد يغالي بعضهم في نظرته هذه حتى تفضي به إلى رد السنة جميعًا، فيدعي أن الحجة في القرآن، فإذا وقعت السنة موافقة له فهو من قبيل تحصيل الحاصل وتأكيد ما ثبتت حجيته، وإن خالفت كانت مردودةً غير مقبولة، وهي رؤية لسنا بصدد معالجتها هنا، وسبق بيان الموقف منها في المقولة السابقة، وإنما نناقش هنا من يرد من السنة ما يراه مخالفًا للقرآن الكريم.

فأما ما يتعلق بالأحاديث المذكورة في هذا الشأن، فالأمر فيها كما قاله العلامة أحمد شاكر رحمه الله:

(هذا المعنى لم يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسن، بل وردت فيه ألفاظ كثيرة، كلها موضوع، أو بالغ الغاية في الضعف، حتى لا يصلح شيء منها للاحتجاج أو الاستشهاد)( ).

فليس في هذا الباب شيء يستند إليه في بناء هذه الشبهة، بل كل ما نُقِلَ لا يصح من جهة الإسناد.
ثم إن الأئمة لحظوا ما في متن هذه الأحاديث من إشكال، فقدموا نقداتهم المتنية له، فقد أورد الإمام ابن حزم رحمه الله أمارة لطيفة تدل على بطلان معنى هذه الأحاديث بعد أن فصَّل الكلام في بيان ضعفها وعدم صحة شيء منها، فقال رحمه الله: (أول ما نعرض على القرآن الحديثَ الذي ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال الله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)، وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما))( ).
فاستدل بإطلاق الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن دون ذكر هذا الاشتراط على فساده وبطلانه، وهو ما أوضحه وعلى نحو أخصر وأوضح الإمام البيهقي رحمه الله حيث قال: (والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن)( ). وهو أمر واضح تمامًا.

فلا يصح إذن وجود أي حديث في هذا المعنى، ودلالة القرآن تأتي على نقيض معناه، فهي تدل على لزوم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه مطلقًا، من دون ذكر لشرط كهذا الشرط.

وحين نفحص مقولة تقديم القرآن على السنة نجد أنها تحتمل أمرين:

الأمر الأول: رد الحديث لعدم مجيء حكمه أو معناه في القرآن الكريم، وهو تفسير لمعنى المخالفة عند بعضهم، وهو معنى مردود باطل ولا يقبل، إذ لازمه في الحقيقة ردٌ لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم اعتدادٍ بها، فما استقلت به السنة من الأحكام لا يكون مقبولًا لعدم مجيئها في القرآن، وما جاء في السنة من أحكام القرآن المنصوصة فقد تحقق التشريع بورودها في القرآن فلم يكن لذكرها في السنة من فائدة، وهو لازم دلت أدلة الوحي على فساده مفصلًا، وقد سبق استعراضها في المقولة السابقة.

الأمر الثاني: رد الحديث لمعارضته لما جاء في القرآن، فيقدم القرآن على السنة في حال وجود تعارض، فالمخالفة هو في تحقق وقوع المعارضة، لا مجرد سكوت القرآن عن الحكم.
فهذا التعارض إن تحقق فهو من الأمارات الدالة على عدم صحة الحديث كما نص عليه المحدثون، فمن أوجه نقد المتون عندهم وقوع مخالفة الحديث للقرآن الكريم أو الأحاديث الصحيحة أو العقل الصريح أو الواقع على وجهٍ لا يمكن فيها الجمع، أما إن أمكن الجمع فالواجب المصير إليه جمعًا بين الأدلة وإعمالًا لها، فإذا لم يمكن كان التقديم لأقوى الأدلة.
والأمر هنا كما ترى يعود إلى نوعٍ من الموازنة بين الأدلة طلبًا لأقواها، وهو مسلك علمي منضبط، فالعلماء لا يعمدون إلى الترجيح مباشرة، بل يسعون للجمع بين النصوص بأوجه مقبولة يتحقق بها إعمال كافة النصوص، فإذا لزم الترجيح تدرجوا في ذلك بحسب قوة النصوص وثبوتها، وبحسب معرفة المتقدم والمتأخر، فإذا كان الأمر متعلقًا بحكم شرعي وعلم المتقدم والمتأخر جعلوا المتقدم منسوخًا والمتأخر ناسخًا، وقد يقدمون هذا الوجه على الجمع إن دلت عليه القرائن، وهو عند التحقيق لون من الجمع يحفظ صحة المروي ويقدم الناسخ في العمل.
وإن كان النص صحيحًا والآخر ضعيفًا رجحوا الصحيح على الضعيف، وإن تفاوتا قوة قدموا الأقوى، فإن تساويا طُلِبت القرائن المرجحة لأحدهما على الآخر، فإن لم يتمكن العالم من الترجيح لعدمها عنده أو لاشتباه توقف.

والأمر بكل حال يخضع لمنهجية علمية دقيقة في هذا الباب فصَّلها أهل العلم في كتب الحديث والأصول، تضع يد الناظر على مسالك الجمع بين النصوص، والقواعد التي توجب ترجيح حديث على آخر من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة.

ومما يجب اعتقاده أن الحديث إن كان صحيحاً ثابتاً محكمًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيستحيل وقوع تعارض حقيقي بينه وبين القرآن، إذ الكل وحي من الله تعالى، وما كان وحيًا من عنده سبحانه فيستحيل أن يكون فيه اختلاف، وما يتوهم من تعارض فيدفع ببيان وجه الجمع بينهما، ولا يصح وجود مثالٍ يعارض فيه حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم دلالة محكمة في كتاب الله، ورحم الله ابن تيمية إذ يقول بعد جهد استقرائي مضنٍ في هذا الباب:

(فإني تدبرت عامة من ردًّ حديثًا صحيحًا بغير حديثٍ صحيحٍ يكون ناسخًا له برفع أو تفسيراً أو مبيناً غلط راويه، فلم أجد الغلط إلا من الراد وإن كان قد تأول لرده ظاهر القرآن، ويكون غلطه من أحد وجهين: إما لأنه اعتقد ظاهر الحديث ما ليس ظاهره ثم رده، ولا يكون ظاهر الحديث هو المعنى المردود، أو لأنَّ ظاهره الذي اعتقده الظاهرَ حقٌ، والدليل الذي يعارضه ليست معارضته له حقًا)( ).

وهذا المعنى السابق إن تدبرته وجدت الأمر غير مختص بالموقف من مخالفة السنة للقرآن، بل هو تحرير للموقف من تعارضات الأدلة عمومًا، فالأدلة الصحيحة يستحيل أن تكون متخالفة في الحقيقة والباطن، وإنما تقع المخالفة في وهم الناظر، والواجب عليه دفع هذا التعارض بالمنهجية الشرعية الصحيحة، والتي تراعي ثبوت الدليل، ودلالته، فلا تقيم معارضة بين ما هو معتبر من الأدلة وما ليس بمعتبر، ولا بين ما يثبت منها وما لا يثبت، كما لا تقيم معارضة مع إمكان الجمع بين الثابت من الأدلة، فإن لزم الترجيح فالأمر عائد إلى خلل في أحد الدليلين ولا بد.
فإن قيل: إن هذه الممارسة في رد الأحاديث لمخالفتها لظواهر القرآن قد وقعت من الصحابة، فمن ذلك:

– ما اشتهرت به أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الاستدراك على أحاديثِ غيرها من الصحابة، كما ردَّت حديث ابن عمر رضي الله عنه: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه)، فقالت: رحم الله أبا عبدالرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه، إنما مرَّت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازةُ يهودي وهم يبكون عليه، فقال: (أنتم تبكون وإنه ليعذب)( ). وفي رواية قالت: ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه)، وقالت: حسبكم القرآن: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)( ) .

– وكما جاء عن عمر رضي الله عنه في رد حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأةٍ لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)( ).

فالجواب يتجلى ببيان عدة أمور:

الأمر الأول: أن هذه الشواهد لا تناقض ما تقدم تقريره من لزوم جمع الأدلة والموازنة بها، وإعمالها جميعًا في حال الإمكان، أو الترجيح بينها في حال العجز وفق قواعده المعتبرة، فهذه الشواهد تدل على هذا الأصل، وأن للمجتهد مجالًا في النظر في الأدلة والموازنة بها وتقديم ما يراه أقوى، ولا يجوز أن تحمل مثل هذه النماذج الناظر فيها إلى استسهال رد الأحاديث، بل ينبغي أن يراعي أن ثم مآخذ علمية دقيقة أوجبت مثل هذا الاجتهاد ممن كان مؤهلًا له، وهو اجتهاد قد يكون صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا، والحَكَمُ فيه الأدلة والحجج والبراهين.

الأمر الثاني: أن الذي أوجب حالة الاستدراك هنا هو ترجيح روايةٍ في مقابل روايةٍ أخرى، فيرى المستدرك أنه ضبط لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، أو وقف من حاله على أمر يخالف ما نقل إليه، فيستمسك بما يعرفه هو، ويتطرق إليه الشك في خطأ الناقل، وهذا ظاهر من استدراك عائشة وعمر السابق، فليست هذه الشواهد متمحضة في مجرد توهم المعارضة بين الحديث والقرآن. وإنما ذُكر القرآن معضدًا لظن الصحابي خطأ غيره في ضبط الرواية مع ظنه أنه قد ضبطها، كاستدلال عائشة مع روايتها بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، واستدلال عمر بالآية: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة).
ومع ذلك، فلو كان الأمر مجرد توهم لخطأ الرواية في مقابل الآية لما أشكل في ضوء ما تقدم من أصول تضبط مسالك النظر في الأدلة ممن كان مؤهلًا للنظر، ولا شك أن عمر وعائشة رضي الله عنهما من سادات أهل العلم ممن يعتبر اجتهاده في هذا الباب، ودخوله فيه دخول العالم المؤهل، فلا يصح أن يقاس عليهما من لم يكن له من التأهيل العلمي ما كان لهما رضي الله عنهما.

الأمر الثالث: أن هذه شواهد استثنائية تؤكد الأصل، فلم يكن من منهج الصحابة رضي الله عنهم التوقف في قبول حديثٍ يصلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتأكدوا من عدم مخالفته، بل كان المنهج المطرد المتواتر عنهم عملهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومبادرتهم بالطاعة مباشرة، ووجود مثل هذه الآثار اليسيرة في التوقف في قبول بعض الأحاديث لتوهم مخالفتها لبعض الآيات يؤكد أن هذا استثناء لعارض.
وثم فرق ظاهر بين التوقف في بعض الأحاديث لعارض راجح في حالات معينة، وبين القول بوجوب عرض السنة على القرآن مطلقاً، ومن ثم التوقف في قبول السنة حتى يتوثق من عدم مخالفتها للقرآن، لأن حقيقة هذا الأمر إضعاف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وحطٌّ لها عن رتبتها اللائقة بها، وسيؤول إلى التهاون في رد الأحاديث بأدنى معارضة متوهمة، ولن يسلم من تبني أصول فكرية يبحث لها عن أي دلالة قرآنية حتى يرد بها أحاديث صحيحة.

فجماع الأمر أن المسألة من قبيل (نقد المتون) ومسالك (الجمع والترجيح) بين الأدلة، وله منهجيته العلمية المنضبطة، والتي كانت محل عناية من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمة، فلم يكونوا يردون الأحاديث والآثار بالتشهي أو لمحض الاشتباه، وإنما لاعتبارات علميةٍ دقيقةٍ قد يكونون مصيبين فيها وقد يكونون مخطئين. وهو ما حمل عددًا من أهل العلم على تخطئة هذه الاستدراكات، وعدم إقرارها مع جلالة قدر من قالها، وانضباطها منهجيًا، قال ابن تيمية رحمه الله:

(إذا تأمل العالم ما وقع من الصحابة والتابعين وجد الصواب والحقَّ كان في الخبر الصحيح، وأن الذي غلَّط راويه برأيه كان هو الغالط، وإن كان عظيم القدر مغفوراً غلطه مثاباً على اجتهاده، فإذا كان هذا حال أكابر الصحابة والتابعين فكيف بمن يردُّ الأخبار بالتكذيب والتحريف من المتأخرين، أحسن أحوال المؤمن العالم منهم أن يكون هو الغالط في تغليطه لما رواه الثقات الأثبات عن رب السماوات، ويكون هذا الغلط مغفوراً له لاجتهاده، ويكون مثاباً على ما فعله من حسن نيته وقصده وعلمه وسعيه، أما أن يُرجَّح رأيه وتأويله على مقتضى النصوص فهذا ظلمٌ محرمٌ، وفيه رد ما جاء به الرسول لأجل رأي غيره وتأويله)( ).

وقال في موضع آخر:

(ما علمنا أحداً من الصحابة والتابعين مع فضل عقلهم وعلمهم وإيمانهم ردُّوا حديثاً صحيحاً وتأولوه على خلاف مقتضاه، لمخالفة ظاهر القرآن في فهمهم أو لمخالفة المعقول أو القياس، إلا كان الصواب مع الحديث ومن اتبعه، فكيف بمن بعدهم؟! وهذا من معجزات الرسول وآيات حفظ دينه وشرعه وسننه)( ).

وخلاصة الأمر: أن ما وقع من اجتهاداتٍ من بعض الصحابة والتابعين ومجتهدي الأمة في رد بعض الأحاديث لمخالفتها ظواهر القرآن هي متعلقة بحدودٍ معينة، يتجلى فيها محل الإشكال الذي وقع فيه تقديم دلالة القرآن على بعض الأحاديث:
الأول: أنها كانت منطلقة من منهج شرعي في البحث عن دفع التعارض، والترجيح بين الأدلة.
الثاني: تأهل أصحابها وامتلاكهم لأدوات الاجتهاد والنظر الشرعي.
الثالث: أنها متعلقة بمواضع معينة محدودة، يمكن أن يقع فيها إشكال في ذهن المجتهد، وليست متعلقة بأصل كلي تُرد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يُهدر كثيرٌ منها، أو يضيق الاستدلال بها في أبواب أو مجالات معينة.
فليس هذا الباب إذن كلأ مباحًا يستطيع كل أحد تخوضه بلا قيود ولا ضوابط، فيردُّ ما شاء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم بدعوى وجود مثل هذا عند الصحابة أو أهل العلم، بل المتهاون في هذا الباب متخوض في أمر عظيم ومتقحم لباب خطير، فقد يقع له اعتراض على حديث ثابت صحيح على النبي صلى الله عليه وسلم بلا عذر، والنجاة من إثمه لا يحصل إلا باجتهاد شرعي مقبول، يكون فيه المرء صادقًا في تطلب الحق وبريئًا من الهوى، وهو ممتلك لآلة الاجتهاد التي تؤهله لهذا المقام، فمثل هذا إن أخطأ رُجي أن يغفر له، أما غيره فيلحقه الوعيد والحوب الكبير.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى