(٢٠) الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق


من المقولات التي يتبناها كثير من المتأثرين بمفهوم الحرية الليبرالية، ويستخدمونها أداة إلزامية لمن يرى مصادمة هذا المفهوم للإسلام، استدعاء فكرة أن الإلزام يولد النفاق، وقد يستعملون في التعبير عن هذه الفكرة تعبيرات متنوعة كقولهم: الإكراه على أحكام الشريعة سيورث النفاق، أو لا فائدة من تدين واقع تحت سلطة الإلزام والفرض، أو لا بد من تخلية الساحة من الإلزام الديني ليظهر الصادق من المنافق، وغيرها من التعبيرات التي تستبطن أن كل إلزام مستندٍ إلى مسوغ ديني سيفرز تمددًا واسعًا للنفاق المجتمعي، إذ الالتزام بما فُرض من أحكام الشريعة لا يكون عن قناعة ذاتية بل لمجرد حماية النفس من النظام، وهو أمر لا فائدة من مثله، ولا يمثل حكمة الشرع في التكليف، فالالتزام الديني مبني على إيمان القلب وقناعة النفس، وهو أمر غير قابل للإكراه. ومن ثم فالمطلوب هو الاقتصار على غرس القيم الإيمانية وتعزيز انتماء الناس لدينهم وهويتهم، والاجتهاد في نصحهم ووعظهم حتى يقوموا بالدين من ذات أنفسهم دون فرض أو إلزام.
هذه المقولة الشائعة مبنية على ثلاثة أركان أساسية:

الركن الأولى: أن الدين في لبه وحقيقته مجرد إيمان القلب، وهو أمر لا يتعلق به إكراه كما هو واضح، فالإكراه إنما يتعلق بظاهر الإنسان، أما باطنه فليس هناك من سبيل إلى الإكراه فيه، ولذا اتفق العلماء على أن الإكراه على الكفر عذر مانع من إيقاع حكم التكفير على صاحبه، لكنهم مع ذلك مجمعون على أنه إن أظهر الكفر تحت وطأة الإكراه، فلا يسوغ له بحال أن يكفر في باطنه.
وهذا التصور لحقيقة التدين والإيمان يمكن تصوره وِفق المفهوم العلماني الذي يختزل الدين في العلاقة الروحية بين العبد وربه، لكن هل يمكن أن يقال الأمر نفسه في طبيعة الدين في التصور الإسلامي؟ فالإيمان المعتبر في الشريعة أولًا ليس أمرًا محصورًا في الإيمان القلبي، بل الإيمان على الصحيح قول وعمل، فالإلزام الخارجي وإن لم يكن متعلقًا بالضرورة بالإيمان القلبي، لكن يمكن تصور وقوعه على ظاهر الإنسان وهو ما يصدر منه من أقوال وأفعال.
ولا يعكر صفو هذا التصور حقيقة أن التدين القلبي لا إكراه فيه، وأنه ليس مطلوب منَّا شرعًا أن نشق عن قلوب الناس لاستكشاف ما فيها، فضلًا عن كونه غير مقدور، فإن الإكراه في المنع من حرية الردة هو ليس إكراهاً لإحداث الإيمان في قلب المرتد، وإن كنا نسعى في ذلك باستتابته ثلاثاً ومحاورته لإقناعه، لكن هذا الإكراه والمنع من الردة هو إلزام بأحكام الإسلام الظاهرة أن لا يتجاوزها، ومنها أن لا يجهر برفض الإسلام علناً.

الركن الثاني: أنه لا أثر للإلزام في إحداث القناعات، فهو يقول إذا فرضتَ الشيء وألزمتَ به فسيلتزم به الناس نفاقاً ولن يصل لعمق قلوبهم، ولن تتشكل في نفوسهم قناعة بما فرض عليهم، فهو يتصور أن القناعات لا تتأثر بالإلزام أو المنع.
وهذا الكلام ينم عن سذاجة كبيرة في فهم الواقع وفقه طبائع الناس، فالإلزام والمنع له أثر كبير في التأثير على قناعات الناس وسلوكهم، فإذا سمح أي نظام ببيع الخمور في البلد فإن هذا مؤثر في انتشار شرب الخمور بين الناس، ومحبة الكثير لها، وقناعتهم بها، وحين تمنع الخمور فإن أثر المنع سيكون قوياً أيضاً في الحد من هذه الظاهرة، ومحاصرة القناعات السلبية بها، وهذا شيء بدهي.
ولهذا لا تجد من يورد مثل هذا الاعتراض إذا كان الأمر متعلقًا بمظاهر الإلزام في القوانين المعاصرة المنظمة لكافة مناحي الحياة، لن تجد عاقلاً يقول: إن الإلزام بأنظمة المرور لا ثمرة له لأنه يحول الناس إلى مجموعة منافقين، يلتزمون بالنظام دون قناعة به!
بل الجميع يدرك أهمية الإلزام بمثل هذه التشريعات وما تحققه من مصالح ومكتسبات، وأنها في الواقع توسع دائرة القناعة بها، وقل الأمر نفسه فيما يعود بالضرر على أبدان الناس وأرواحهم، هل يصح أن يعترض شخص على منع بيع المخدرات والسموم الضارة بذريعة أنها ستحول المجتمع إلى منافقين يمتنعون منها خوفًا من النظام، أم أن الواقع يشهد بأهمية الالتزام والإلزام بمثل هذه التشريعات، وأن في المنع منها تضييقًا كبيرًا جداً لهذه الممنوعات، ودفعًا لمفاسد عظيمة عن المجتمع.
وقل مثل ذلك في بقية الأحكام، فمنع الفواحش والخمور يضيقها، ويحمي المجتمع من ضررها، فلا فرق بين هذه الأحكام وبين بقية الأمور التي يتقبلها الناس.
فالإشكال في حقيقة الأمر ليس عائدًا إلى مبدأ الإلزام، وإنما في المرجعية التي يتكئ عليها الإلزام، فإذا كانت المرجعية دينية وقعت الشبهة عند بعضهم بأن هذا سيورث نفاقًا، فإذا ما تجرد الإلزام عن مرجعية الدين، وكان الإلزام واقعًا بالنظام والقانون لم يخطر هذا الإشكال على البال.

الركن الثالث: أن فرض الأحكام يورث النفاق بأن يفعلها الناس سراً، وهذا تقرير من لم يفهم حقيقة النفاق، أو قل انحصر تصوره لمفهوم النفاق في إطار مصطلح شعبي أجنبي عن النفاق في لسان الشريعة، فالنفاق في التصور الشرعي هو إظهار للإيمان وإخفاء للكفر، ولا علاقة لهذا بالإلزام بأحكام الإسلام، لأن من يلتزم بحكم الإسلام ظاهراً لا يقال عنه إنه منافق، ومن يترك الجرائم خوفاً من العقاب لا يقال عنه منافق، ومن يفعل المعاصي سراً لا يقال عنه منافق، فالاعتراض مبني على فهم خاطئ لحقيقة النفاق شرعاً.
بل يمكننا القول: أن منع حرية الردة هي التي تمنع تمدد النفاق في المجتمع وانتشاره، وأن السماح للحرية هنا هو الذي يغذي نزعة النفاق، لأن نشر الشبهات الكفرية، وتحريض الناس على مخالفة الأصول والقطعيات، وإشاعة ما يشكك في ثوابت الدين، هو الذي يغذي نزعات النفاق، فمن يريد محاربة النفاق حقاً فليحارب أهم أسبابه وهو نشر ما يشكك في الدين ويطعن في أصوله، فهذه هي التي تتسبب في إنبات النفاق في قلوب المسلمين الذين كانوا في عافية منه، وأما منع هذه الحرية فهو يحفظ الإيمان في الناس.
ولذا، فإن مشهد إقامة الشعائر، والواجبات، ومنع المحرمات، هو مشهد يغذي في قلوب المسلمين حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويزيدهم إيماناً، ويقوي قلوبهم على الطاعة ويساعدهم على الخير، وهذا كله يحاصر النفاق في المجتمع، بينما يقوى النفاق في النفوس حين تضعف مثل هذه الشعائر وتنتشر الطعون والتشكيك ويضعف دين الناس فيسهل حينها غرس منابت النفاق.
ومن الطبيعي أن تظل للنفاق جيوبه في المجتمع مع إظهار الشرائع وإقامة الحدود ومنع الردة، وهو لا يضر، إذا جيوب النفاق لا تظهر أساساً إلا في حال قوة الإسلام، فالنفاق لم يكن موجوداً في مكة لما كان المسلمون مستضعفين، وإنما وجد في المدينة بعد غزوة بدر، فظهر النفاق لحاجتهم إلى مداهنة المسلمين الأقوياء، فالذي لم يتفطن له صاحب هذه المقولة أن النفاق يظهر في حال قوة المسلمين، بمعنى أن وجود النفاق سيأتي في حال القوة والعزة والتمكين، فلن ينقطع النفاق ما دام في المسلمين قوة وعزة وتمكين، وإنما ينقطع في حال ذهاب روحهم وولايتهم، فالتفكير الصحيح أن تعزز قوة المسلمين وتقوي تطبيق أحكام دينهم ولو ترتب على ذلك وجود منافقين لأن هذه نتيجة لقوة الإسلام، لا أن تضعف من أحكام المسلمين وتوهن من اعتزازهم بدينهم حتى يزول النفاق لزوال سببه وهو قوة المسلمين!

والمقصود: أن مقولة الإلزام يولد النفاق، مقولةٌ غير واقعية ولا سديدة، فإن مبدأ الإلزام مبدأ معمول به في كل المجتمعات، ولا يخطر على البال لحظة إعماله مثل هذه الإشكالية، إنما تطرأ الإشكالية فقط متى كان الإلزام لاعتبار ديني، وهو ما يكشف أن المشكلة ليست في قضية الإلزام من حيث هو وإنما في السبب الموجب له، فإن كان السبب شأنًا دينيًا كان مذمومًا ومولدًا للنفاق، أما إن كان لاعتبارات أخرى فهو مشروع مطلوب، وتترتب عليه مصالح لا يمكن التنازل عنها.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى