(٣٠) التدين الطبيعي


من المقولات المتداولة على الألسنة وصف التدين بالطبيعي أو الفطري أو العادي، فكثيراً ما يأتي في بيان تصحيح فعلٍ ما، أو التأكيد على صوابه، أو ذم سلوك معين وبيان فساده، قول: هذا تدين طبيعي، وذاك منافٍ للتدين الفطري، وهذا مقتضى التدين العادي، ونريد أن نصبح متدينين طبيعيين.
دعونا نفحص هذه المقولة، وندير النظر في مفهوم هذا التدين الطبيعي والفطري.
ما المقصود بهذه الأنماط من التدين؟
مع كثرة تردد هذه الكلمة على الألسن فإنك لا تكاد تجد أحداً يشرح لك المقصود منها، فبناءً على أي شيء يُوصف أمرٌ ما بأنه تدين فطري؟ أو أنه يخالف التدين الطبيعي؟
خصوصاً أنها أصبحت قاعدة يحكم من خلالها على القضايا، فهي ليست مجرد تعبير أو اصطلاح، بل هي معيار حاكم عند كثير من الناس، فيرد ويقبل ويفضل ويسوغ بناءً على وصف الطبيعية والفطرية والعادية، فالواجب قبل أن يجعلها دليلاً يستند إليه أن يفكر فيها قليلاً: على ماذا يُعتمد في الحكم على الشيء بأنه فطري أو طبيعي أو عادي؟
الحق أن هذا السؤال غائب عند من يكرر هذه الكلمة، فهو يأتي بها ليسوغ موقفاً أو سلوكاً أو يرد أمراً معينًا، وهذا خلل كبير في تلقي المقولات المعاصرة، فبدل أن يفحص الشخص مثل هذه المقولات ويحللها ويحاكمها إلى الأصول والقواعد الشرعية تتحول إلى قاعدة وأصل تتحاكم الأصول والقواعد إليها!
دعونا نتعمق أكثر في المفهوم ونُظهر ما فيه من صواب وخطأ.
عندما يقال عن تدينٍ ما بأنه فطري أو عادي فقد يقصد به: التدين المعتدل الذي لا يتضمن غلواً ولا زيادة عن حكم الشرع، فهو طبيعي وعادي وفطري بمعنى أنه على وفق الأصل الذي جاء في الشرع، لم يتأثر بعوامل جديدة تنحرف به عن مساره، فيكون مقصود القائل هو التمييز بين التدين الذي تأثر بعوامل معينة، والتدين الشرعي الحقيقي المبرأ من هذا التأثر، وحينئذٍ فهو يطالب بالعودة إلى التدين الشرعي.
ووفق هذا المعنى فالتدين الطبيعي أو العادي هو في الحقيقة التدين الشرعي الذي لا يتضمن مخالفة شرعية.
فإن كان هذا المقصود فهو معنى جميل جداً، وتأكيد على أصل شرعي مهم، وهو الرجوع إلى الأصل في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
يبقى الإشكال هنا في تسمية مثل هذا التدين بالطبيعي أو العادي أو الفطري، ففي هذا المصطلح من الغموض والضبابية والإيهام ما يحملنا على التحفظ عليه واستشكاله، لكنه يبقى إشكالاً أهون مقارنة بالإشكالات المتعلقة بالمضامين. والذي يهمنا هنا التأكيد على واجب من يتبنى مثل هذا المصطلح أن يكون نقده للسلوكيات والأفكار والمواقف مبنيًا على كونها مخالفة للشرع، وعلى رغبة صادقة في إرجاع تدين الناس إلى الشرع.
وحتى يضمن المسلم أنه على الجادة المستقيمة في فهم التدين الطبيعي فيجب أن يكون واعياً بأمرين:
الأمر الأول: أن يضمن أن ما يدعو إليه هو مما قد جاءت به الشريعة حقًّا، لا أن يكون واقعًا تحت وهم أن ما يدعو إليه هو من الشريعة وليس منها، فيُدخل بعض الأعراف والعادات الاجتماعية مثلًا في الدين متوهمًا أنها منه وليست كذلك، وليس القصد أن تكون مثل هذه الأعراف مطرحة بالضرورة، ولكن لا يصح أن يرفعها الشخص لمستوى الأحكام الشرعية، ويدعو إليها باعتبارها كذلك.
الأمر الثاني: أن لا يدعو إلى ما يخالف الشريعة بدعوى التدين الطبيعي، فإذا كان ما يدعو إليه مخالفاً للشرع، أو ما ينكره موافقاً للشرع، فلا يصح أن يقال بعده إنه يقصد التدين الشرعي، لأنه هنا يدعو إلى ما يخالف الشريعة، فلا يصح أن يزهد في الحجاب الشرعي أو المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد أو المحافظة على السنن بذريعة مخالفة هذه الأمور للتدين الطبيعي، فهو هنا قد جعل التدين الطبيعي مخالفاً للشرع.
فالوعي بهذين الأمرين يكشف لك عن الخلل المضمر في مثل هذه المقولة، والتي قد يتأثر بها كثير من الناس من حيث لا يشعرون، وهو أن التدين الطبيعي هذا أصبح مؤسساً على غير التدين الشرعي الذي يقوم على دلائل الكتاب والسنة، ومعرفة الحكم الشرعي بدليله، فهو قد يحكم على التمسك بالواجبات أو ترك المحرمات بأنه مخالف للتدين الطبيعي، بل قد يعتقد بأن الالتزام بكثير من الواجبات أو الانتهاء عن كثير من المحظورات يعد لونًا من ألوان التشدد والغلو، وقد ينكر على من يحذره من منكر وقع فيه: لا تكن حساسًا، وتعامل مع الموضوع بشكل طبيعي!
وهذا الخلل في التصور إنما نشأ بسبب أن التدين الطبيعي أو الفطري أصبح عنده متعلقاً بما اعتاد هو عليه، وما شاع في مجتمعه الخاص أو العام، فإذا تعود مثلاً على التعامل بالربا، أو التهاون في ستر العورة، أو التسامح في غض البصر، أو التساهل في علاقته مع الجنس الآخر، أو سماع المعازف، أو غير ذلك أصبح التدين الطبيعي هو الذي لا يرى غضاضة في هذه الأمور.
وحيئنذٍ، يكون لكل شخص وطائفة مفهومها الخاص للتدين الطبيعي، فكل من نشأ على خلاف حكمٍ شرعي فالتدين الطبيعي عنده في مخالفة هذا الحكم، فلا يكون التدين في الحقيقة تابعاً لمراد الشريعة بل للأعراف الفاسدة.

كما أن التدين الطبيعي قد يكون عند آخرين متأثرًا في الحقيقة بسطوة الثقافة الغربية وغلبة مزاجها في عصرنا، فقد فرضت قيمها وعاداتها على كثير من المجتمعات، فتأثر بها كثير من المسلمين، وصاروا يعيدون ترتيب المنظومات الشرعية للتوافق مع معطيات تلك الثقافة الغالبة، لينتجوا تدينًا على وفق المعيار الغربي، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعبر عن التدين الطبيعي لأنه مخالف لنمط الحياة الغربية، وصارت كثير من المقررات الشرعية المتعلقة بالمرأة، أو العلاقة مع الكافر، أو الولاء والبراء، أو موقف الإسلام من بعض الفنون تمثل صورًا من التدين البالي المتخلف، المخالف لما ينبغي أن يكون عليه التدين الحق، فالحكم على الشيء بأنه طبيعي أو عادي هو في الحقيقة تعبير عن حجم انسجامه مع هذه الثقافة المهيمنة، وليس بحسب الميزان الشرعي، فكثير من السلوكيات الشائعة في عصرنا أصبحت معتادة ومألوفة للناس نظراً لأنهم نشأوا عليها، فإذا جاء ما يخالفها جعلوه مخالفاً للتدين الطبيعي، فهم يعبرون بالتدين الطبيعي عندهم عما اعتادوه، وكثير مما اعتادوه متأثر بضغط الثقافة الغربية.
فالتدين الطبيعي في الاستعمال الشائع لا يخضع في الحقيقة لمفهوم التدين الشرعي المعتبر، وإنما يتأثر بالعادات والمألوفات والثقافات الوافدة، ومثل هذا لا يجوز أن يكون أصلاً نرد له الاختلاف، فالاختلاف إنما يرد إلى الشرع، وليس إلى ما تعود الناس عليه.
مشكلة هذه الطريقة في نسبة ما يخالف الشريعة إلى التدين الطبيعي أنه لا يكتفي بمجرد ترك الأمر أو فعل المحرم، كما يفعل العصاة، إذ وقوع الذنب والمعصية أمر طبيعي، وهو جزء من طبيعة تكوين الإنسان بما فيه من ضعف وتقصير، ولكن شعور الإنسان بأن ما يمارسه ذنب ومعصية يفتح له باب التوبة منها واستشعار الخوف من الله لأنه مدرك لخطئه، ويؤمل أن يهديه الله ويقلع مما ابتلي به، المشكلة حين تتحول هذه المظاهر المنحرفة من مجرد خطأ في السلوك إلى انحرافٍ في التصور، ويتوهم الإنسان أن ما يمارسه أمر طبيعي، وهو ما يحول المعصية مع الزمن إلى سلوك مشروع له أصوله الفكرية، فتكون من جنس البدع التي جاءت الشريعة بالتحذير منها، وأمرت المسلمين بالرد إلى الأمر الأول، وذلك أن البدع تبقى وتتعمق ويصعب اقتلاعها.
وقد يقول بعضهم: نريد التدين الذي لا غلو فيه ولا جفاء، التدين المستقيم، الذي لا يجنح بأهله منحرفين ذات اليمين أو ذات الشمال، بل يسير على الصراط المستقيم.
والجواب: أن سبيل التعرف على هذا التدين إنما يكون بالرد إلى الكتاب والسنة، فليس كل قولٍ يتضمن تحريماً، أو منعاً من أمر شائع، أو أمراً بأمرٍ مهجور يكون مرفوضاً لأنه مخالف للتدين الطبيعي، ولا أن تعد مثل هذه الأمور غلوًا وزيادة على الشرع لمجرد أن النفوس لم تألفها أو تتعود عليها، وإنما تكون كذلك حين تكون مخالفةً لميزان الشريعة وقواعدها.
إن الوعي بهذا السياق في التعامل مع هذا المفهوم يكشف للمسلم خطورة التهاون مع مثل هذه المقولات، وأنها قد تتضمن تمريراً لمحرمات أو تهويناً لواجبات بدعوى مخالفتها للتدين الطبيعي، وأصبحت مثل هذه المقولة ذريعة لمن يريد أن يهون من أي أمر شرعي أو يرخص في أي محرم فيكتفي بجعل ذلك معارضاً للتدين الطبيعي، فيكون الإشكال في نظره ليس ضد الشريعة بل ضد تدينٍ معين منه.
فليس عندنا إذن تدين طبيعي ولا فطري ولا عادي، بل هو التدين الشرعي الذي يحاكم فيه كل سلوك أو موقف إلى أحكام الشريعة وقواعدها وأصولها، ويعرف من خلالها حكم كل واقعة، وما يسمى بالتدين الطبيعي ما هو في الحقيقة عند غالب الناس إلا ما اعتادوه وألفوه، وقد يكون تديناً حقيقياً، وقد يكون من الأعراف الفاسدة التي ألفوها.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى