(٣١) الدين متعايش


الدين متعايش، ومتصالح، ومتقبل للآخر، ومنفتح عليه .. وأوصاف كثيرة على غرارها، تُساق في مقام الثناء على الدين، وهي تعبر عن مزيج من المشاعر الإيجابية تجاه الدين، فهو محل للطمأنينة والثقة، ولا يحمل أي موقف سلبي تجاه الواقع أو الآخرين، بل هو متسامح معه ومع أهله، لا يصادر رأيًا، بل يدعو للسلم والتعايش.
وهذه الأوصاف ترد غالباً في سياق الرد على بعض المواقف والاجتهادات التي تصدر عن بعض المسلمين، سعيًا من قائلها لإثبات أن هذه الاجتهادات تعبر عن تشددٍ وتضييق ينافي دعوة الدين إلى التعايش، وتقبل الآخر، والانفتاح على الجميع.
حسناً، أن يدافع الشخص عن دينه، ويظهر انتماؤه إليه واعتزازه به وعدم مخالفته له، مع انتقاد كل انحرافٍ عن الدين وتبرئة الدين الحق منه، كل هذه دوافع إيجابية، وأعمال حسنة، يرجى المسلم ثوابها عند الله.
إنما الذي نريد فحصه هنا، ونرجو أن لا تؤثر هذه المقاصد في الفهم الصحيح لهذه المقولات هو في النظر في طبيعتها وفحص مضامينها بعيدًا عن حسن النوايا، فما معنى كون الدين متعايشاً، منفتحاً، متقبلاً، متصالحاً، إلى غير ذلك من الأوصاف؟
في الحقيقة أن هذه أوصافٌ مجملة، وغير واضحة بشكل دقيق، ولو سألت من يطلقها عن مقصوده منها لاختلفوا في ذلك اختلافًا عريضًا، ولظهر التباين الكبير بينهم في مفهوم هذه الأوصاف، وفي حدودها.
وهذه أهم جزئية يجب أن يعيها المسلم المعاصر في فحص كثير من المقولات المؤثرة في الانحراف الفكري المعاصر، وهي مشكلة الإجمال في المصطلحات، فحين يعتمد شخصٌ مقولة مجملة، تحتمل عدة معانٍ، وتختلف الأفهام في تفسيرها، ثم هو يتمسك بها، وينافح عنها بناءً على فهمٍ معين لها، يترتب على هذا أن تمرر من خلال هذه المقولة بعض المفاهيم الباطلة التي ربما يكون هذا الشخص منكراً لها، لكن إجمال المقولة جعله ينافح عما لا يعتقده بدون شعور.
ولهذا فأول ما ينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه عليه: ترك الاعتماد على المقولات المجملة، فلا يأخذه بريق المصطلح، وكثافة استخدامه ليردده بلا وعي، بل الأولى به أن يترك التعبير بمثل هذه المجملات ويتقصد المعاني الواضحة البينة.
فالإجمال في هذه المصطلحات يجعلها عائمة تحتمل حقاً وباطلاً، وتجعلها عرضة لتفسيرات قد تكون صحيحةً، وقد تكون باطلةً، فهي مرتهنة لإرادة من يفسرها، فإن فسرها تفسيراً صحيحاً أصبح المعنى مقبولاً، وإن فسرها بما يتضمن انحرافاته الفكرية فالمعنى باطل، وقد لا يحسن بعض الناس التعبير عن فكرته بشكل تام، فيقع في اللبس الذي يحتمل الحق والباطل.
فقد يقصد به ما يقع من التعايش مع غير المسلمين ولكن في حدود الشريعة، وبما لا يخالف أصولها وفروعها مما هو معروف في كلام العلماء المستند إلى نصوص الشريعة، سواءً على المستوى الاجتماعي أو السياسي، وسواءً كان بين الأفراد أو الجماعات، فيقصد بذلك أن المسلمين عاشوا جنباً إلى جنب مع غير المسلمين، وكان المسلمون يعاملونهم بالحسنى في حياتهم الطبيعية من بيع وشراء وحسن وجوار، وأن الإسلام كفل لهم حقوقهم، وحكمهم بالعدل خلال قرون طويلة من حكم الإسلام.
وقد يقصد به التعايش الليبرالي الذي يعتمد على مرجعية مخالفة للوحي، الذي يقوم فيه التعايش على الاحتكام إلى مرجعية مختلفة، ومثل هذا المعنى يقال في مفاهيم التصالح والانفتاح والتقبل، فهذه المعاني يمكن أن يقصد بها معنى شرعياً مقبولاً، وفي نفس الوقت ممكن أن تقدم في وضع يخالف الشريعة قطعاً.
مشكلة مثل هذه المجملات أنها أصبحت وسيلة بيد كل مصادم لأصول الشريعة وقطعياتها ليمرر انحرافاته من خلالها، فهو يمرر على الناس مفاهيم تنازع الشريعة بألفاظ مجملة، فيقبلها بعض الناس بناءً على وجود حق فيها، وهي تعمل عملها في ترسيخ بعض المعاني الباطلة دون شعور.
فمن يدعو إلى إلغاء قاعدة الولاء والبراء في الشريعة والذي جاءت فيه دلائل شرعية كثيرة، لا يقوى على نفي هذا الحكم مباشرة وبشكل مكاشف، فيأتي بها تبعاً لمقولة: (الدين متعايش ومتقبل للآخر)، وهو في ذات السياق قد يمرر نفي أحكام شرعية أخرى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقوبة الردة، كل ذلك تحت غطاء الدعوة إلى التعايش.
ومن يدعو إلى التزهيد في القطعيات الشرعية، وفتح مجال الاجتهاد في الأصول والكليات، والبحث عن الحق في غير الشرع يأتي بها ضمن مقولة (الدين منفتح). وهكذا يتم انتقاء بعض الكلمات المواربة للتعبير عن بعض مظاهر الانحراف حتى لا تصادم الجمهور، فيمر الانحراف بهدوء عبر التسليم بصحة تلك المقولات المجملة.
ولهذا فالحل مع الإجمال الموجود في هذه المقولات في أمرين:
الأمر الأول: تجنب استعمال هذه المصطلحات، وعدم اتخاذها أصلاً ينطلق منه، ولا قاعدة يرجع إليها. فإن احتيج إلى ذكره لاعتبار ما، فيكون ذلك مبينًا ومفصلًا بما يدفع أي وهمٍ فاسدٍ يمكن أن يحدثه.

الأمر الثاني: الاستفصال من أصحاب هذه المقولات في حال الشك في تمرير بعض المفاهيم المنحرفة بحيث لا يكون الإجمال الموجود جسرًا لقبول بعض الباطل، فالاستفصال هو ما يستخرج من هذه الألفاظ معاني الحق فيها، أو الباطل.
وفي هذه المقولة مشكلة أخرى، وهو أن دين الإسلام في الحقيقة أعظم من أن يخنق بمثل هذه المصطلحات العصرية المتأثرة بالفضاء الحداثي الغربي، فهو دين رب العالمين، دين الرحمة والعدل والإحسان والهداية والنجاة في الدنيا والآخرة، فمن يظن أن التعبير عنه بالانفتاح والتعايش والتصالح مما يُجمَّل به الدين فقد أساء جداً من حيث لم يشعر، فالإسلام أعظم من أن يُحسَّن في أعين أهله بمفاهيم ثقافية ملتبسة، وما في الشريعة من الأحكام والنظم المتعلقة بالموضوعات المتعلقة بما يسمونه انفتاحاً وتعايشاً وتصالحاً هو أعظم بكثير من أن يختزل في أوصاف رخيصة ليقال عن ديننا بأنه منفتح ومتعايش، فمثل هذه المقولات بإجمالها وإطلاقها لا يفرح بها، بل الواجب تقييد الثناء بما كان خالصًا فيه، لا ما يمكن أن يعود بالذم على بعض أحكامه وقطعياته.
وإذا تدبرت أحوال كثير ممن يردد مصطلح التعايش وجدته في خضم حماسته للدعوة إليه، يروج لقضايا ومفاهيم معينة (كالدعوة إلى الأخوة الإنسانية)، أو يطعن في بعض مفاهيم الشريعة وتصوراتها، (كالولاء والبراء، والتكفير)، بذريعة أنها تتصادم في مخياله مع مسألة التعايش المنشود، وهذه هي المشكلة الكبرى مع كثير من دعوات التعايش الموجودة في الواقع كما سبق بيانه وتقريره.
فلنستعرض هنا طرفًا من الموقف الشرعي من هذه المفاهيم، وكيف تشكل دعوة البعض للتعايش انتهاكًا مكشوفًا لها، والتعرض لهذه المحكمات بطبيعة الحال سيكون بالقدر الذي يعالج إشكالية هذه المقولة، وإلا فتفصيل القول فيها واستعراض مختلف الجوانب المتعلقة بها سيطول جدًا، وليس هو بمقصود هنا.

1-الولاء والبراء
فمن محكمات الشريعة دعوة أهل الإيمان إلى بناء ولائهم وبرائهم على أساس دينهم، فالولاية حبًا ونصرة مبذولة لأهل الإيمان، والبراءة تكون من الكفار، وهذه معان قطعية في الوحي جاء ذكرها وعرض أحكامها في كثيرٍ من النصوص القرآنية والنبوية، حتى صار أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض فيه.
ومن محاسن هذا المعنى الشرعي العظيم أن فيه:
– تحقيق التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، ولشريعته ودينه، فأصل محبة العبد منصرفة إلى الله تعالى، فهو المحبوب لذاته سبحانه، ثم تدور في فلك حبه هذا بقية محابّه كمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبة دينه، ومحبة المؤمنين، وعنه تنشأ أيضًا مشاعر بغضه، فيبغض ما أبغضه الله من الأقوال والأعمال، كما يبغض من أبغضهم الله.
– أنه يحمل المسلم على الاعتزاز بهويته الإيمانية، فتراه متميزًا في هديه، لا يقبل على نفسه أن يتشبه بغيره، أو يتنازل عن شيء من مكونات دينه أو هويته المميزة.
– أنه يشكل حاجزًا نفسيًا من التأثر بدين الكفار، فهو على الدوام يستشعر نعمة الله عليه بالإسلام، وينظر بازدراء إلى كفر هذا الكافر، ثم يرى لزوم أن يكون حبه مبذولًا لله تعالى، فمن أحبه الله فهو المحبوب، ومن أبغضه الله فهو المبغوض.
– أنه يبعث في المسلم شعور الشفقة على الكفار، فيكون حريصًا على بذل الخير والنصح لهم، ودعوتهم إلى دين الله استنقاذًا لهم من النار.
وقد يرى بعضهم أن هذا الأصل الشرعي ينافي التعايش المطلوب، فكيف يمكن أن نتعايش مع من نتبرأ منهم ولا نوادهم؟ وإنما مناط البراءة والبغض في الشريعة هو الكفر دون الكافر، أو أن الأمر يتعلق بالكافر المعادي فقط.
والجواب أن يقال: لا يملك أحد حق تغيير مناطات الأحكام الشرعية، فالنصوص الشرعية الكثيرة تدل على أن الولاء والبراء معلق بالإيمان والكفر، كما أنه معلق بمن قامت بهم هذه الأوصاف، ومن أدلة هذا في القرآن الكريم:
– (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ).
– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
– (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
– (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).
فتأمل كيف جعل الوحي مناط بغضهم ما تلبسوا به من الكفر، وأن هذا البغض سيرتفع في حال إيمانهم.

والحق أن مثل هذا التصور في تخصيص الولاء والبراء بالفعل دون الفاعل، تصور بعيد عن فهم طبائع النفوس وما يعصف بها من مشاعر، فهو تصور غير واقعي، وهو يمثل نوعًا من القراءة الرومانسية للواقع باستسهال عزل الفعل عن الفاعل، وصرف طاقة الحب أو البغض لأحدهما دون الآخر. وبناء على هذا الفقه لمسائل الحب والبغض فلا يصح بتاتًا بغض المعتدين والظالمين، وشحن النفوس ضدهم، وتلويث المشاعر ببغضهم، بل يجب أن يكون البغض للاعتداء فقط، أما فاعله فله كامل الحب والتقدير.
إن هذا تصور ساذج وغير واقعي لهذا الباب، ومتى استحضر المسلم أن الله تعالى يبغض الكفار ويمقتهم ويعاديهم كما قال تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ)، وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، وقال: (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا)، استثار ذلك في نفسه هذا المعنى الإيماني العميق ليبغض من أبغضهم الله، فعداوة المؤمن في الحقيقة تبع لعداوة الله تعالى، فمن كان عدوًا لله فهو عدو لأهل الإيمان، (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا). وهو معنى عقلي بيّن. فكيف إذا تعضد بدلائل الشريعة المتواترة المؤسسة لمفهوم الولاء والبراء، إن الأمر سيكون محسومًا بالنسبة للمؤمن.
أما تعليق البغض وجعله مصروفًا لمن اعتدى من الكفار دون من لم يقع في جريمة الاعتداء، فغير صحيح أيضًا، وتواتر الأوامر الشرعية في هذا الشأن وتكاثر أدلته تأباه، إذ بغض المعتدي هو معنى فطري، وقضية جبلية طبعية لا يستطيع المرء أن يدفعها عن نفسه أصلًا، فكيف يتوهم أن هذه الدلائل المتكاثرة من النصوص الشرعية جاءت لتقرير مثل هذه القضية البدهية، التي يمكن أن تلمس آثارها في عالم الحيوان فضلًا عن الإنسان.
وأنت إذا تأملت فيما سبق من نصوص وغيرها مما حفل به القرآن والسنة استبان لك أن مناط البغض للكفار إنما هو بسبب كفرهم بالله لا بسبب اعتدائهم، ولا ريب أن الاعتداء موجب زائد للبغض، لكنه ليس معنى يصح أن يحصر موجب البغض فيه دون الكفر، خصوصًا لمن يضيق مفهوم الاعتداء ويجعله مجرد اعتداء واقع على النفس. فكيف يطيب لمسلم أن يعتقد أن الله تعالى عدو للكافرين، وأنه لا يحبهم ويمقتهم، ثم يعلن متحديًا: أما أنا فلن أبغض إلا من عاداني أو اعتدى عليّ! ويتغافل عن أن الكفر هو من أعظم الظلم والاعتداء، إذ هو ظلم واعتداء على الرب تعالى وعلى رسوله ودينه، وهو من أعظم موجبات البراءة من الكفار، قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). ولا يذهب بك الوهم أن محادة الله تعالى لا تكون إلا بإعلان الحرب، فتقول بأن المحاد هو المحارب ليس إلا، بل المحاد في لسان الشريعة أوسع دائرة من هذا، فإن الله تعالى يقول في صنف من المحادين: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) فهؤلاء قوم مختلطون بأهل الإيمان غير محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين له، إذ كل كافر فهو محاد لله تعالى.
قد يقول قائل: كيف يستقيم تقرير مبدأ الكراهية للكفار مع ما أجازته الشريعة من نكاح الكتابيات، أليس الزواج والنكاح من أعظم مداخل الحبّ؟
والذي يرفع الإشكال هنا هو في إدراك الفرق بين المحبة الطبعية الغريزية والمحبة الدينية الشرعية، فمناط التكليف الشرعي متعلق بالثاني لا بالأول، وبغض الكفار هو من هذا القبيل بغض في الدين، أما ما يمكن أن ينطوي عليه القلب من محبة طبعية لموجبٍ كالأبوة والبنوة أو القرابة أو الزوجية أو التهادي أو الإحسان أو تفريج الكربة أو غير ذلك فليس ممنوعًا منه، ولا يعارض ما يجب تحقيقه من البغض، فإن الجهة منفكة، فالوجهُ الموجبُ للكراهية غير الوجه الموجب للمحبة، كمحبة المريض للدواء المر لما فيه من الشفاء مع بغضه لمرارته.
وحتى تحسن تصور هذه المسألة فالإنسان مجبول على حب المال، فإذا تصدق بأنفسه اجتمع في نفسه حب وبغض، حب للمال وكراهية لبذله، لكنه من وجه آخر يحب ما يحبه الله تعالى، فيخرج ماله حبًّا لله، (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).
والمسلم أيضًا مأمور بمحبة أخيه المسلم، فإذا وقع عليه من أخيه ظلم واعتداء فسينقدح في قلبه كراهيته وبغضه، فالكراهية هنا كراهية طبعية لا تتعارض مع بذل الحب الديني الواجب.
وبهذا يرتفع الإشكال، فنحن ندرك أن سيطرة المرء على عواطفه الجبلية قد صعبًا وغير مستطاع، وهو ما حمل النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقول في دعائه: (اللهم هذا قسمي، فيما أملك فلا تلمني، فيما تملك، ولا أملك) ( )، قال أبو داود: يعني القلب.

فالمشاعر الجبلية هي من قبيل العفو، ومحل البحث ليس فيها، وإنما في المحبة الدينية وهي محبة طوعية اختيارية تلحظ آثارها عند تعارضها مع ما يضادها من معان طبعية، فإذا أوجب هذه المحبة الشرعية قولًا أو فعلًا فلها التقديم وإن كان الأمر مبغوضًا للنفس طبيعة وجبلة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
وبه تفهم ما جرى من عمرٍ رضي الله عنه حين كان النبي صلى الله عليه وسلم آخذًا بيده، فقال له: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»( ) .
وقد لا يرتاح بعض الناس لتقرير هذا الأصل بناءً على تصوره أن هذا قد يدفع نحو الاعتداء على الكفار، أو هضم حقوقهم، أو تعطيل الاستفادة والتبادل الإيجابي معهم، ونحو ذلك.
والذي يرفع مثل هذا الوهم الفاسد، استحضار ما أمرت به الشريعة في هذا الباب، حيث إنها:
– منعت من البغي والظلم والاعتداء على المخالفين وأوجبت العدل، فقال تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) وقال سبحانه: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة)( )
-وفتحت المجال واسعًا للتعاون مع كل الناس في الخير والمعروف وما فيه مصلحة عامة، فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت)( ) .
-وشرعت بذل البر والإحسان لمن لم يكن معتديًا من الكفار، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
– وأوجبت رعاية من كان له حقٌ من الكفار، فقال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا).
فالشريعة مبناها على العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، فالمسلم يجمع بين المعاني الشرعية كلها، ولا يضرب بعضها ببعض.
والحقيقة أن كثيرًا ممن لا يستسيغ عقيدة الولاء والبراء لوقوعه أسير أوهام خطاب التعايش لم يتخل عن ممارسةٍ تندرج في مفهوم الولاء والبراء، وإنما تغيرت عنده الأرضية التي يجب إقامتها عليه. فهو في الحقيقة لا يمانع من ممارسة سلوكيات معينة تندرج في مفهوم الولاء والبراء ولكن وفق مبررات ومسوغات غير دينية، كالقومية والوطنية والقبلية أو غيرها.
فالأمر ليس تخليًا كليًا عن مفهوم الولاء والبراء، وإنما إعادة ترتيب لمن يستحقه، فيتحول حبه وبغضه من مركز الحب في الله والبغض فيه، إلى مركز جديد يبتعث ذات المشاعر والسلوكيات ولكن وفق معطيات هذا المركز الجديد.
وهذا مشهد يتكرر في عدد من الملفات الفكرية الساخنة، تظل المفاهيم المنتقدة للتصور الشرعي قائمة في نفس الناقد، ولكنها تتمظهر بمظاهر جديدة، وتتحول في وعيه وتفكيره وسلوكه إلى خانةٍ أخرى.
فالقتال الذي ينتقده حين يعالج التصور الشرعي للجهاد، ليس هو محل الانتقاد من حيث هو، وإنما الإشكال في محركاته وبواعثه، والتي حولها لتعمل في منطقة جديدة.
وحد الردة الذي ينتقده بشدة، ليس مشكلًا إن عبئ بمعطى جديد.
وقل الأمر نفسه في قضية الإلزام وما يجب وما يحرم، فتثور مشكلاته في هذه الملفات إن كان موجب الإلزام الشريعة، أما إن كان الأمر عائدًا لأجندة يؤمن بها لم تثر في نفسه أي مشكلة، وهكذا في سلسلة طويلةٍ من الملفات والقضايا.
وهو ما يستدعي إعادة النظر في كثير من المخاصمات التي يقيمها بعضهم لبعض مفاهيم الشريعة، إذ الأمر لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لها ولكن وفق مرجعية جديدة، يراجع من خلالها ما يجب أن يدخل ويخرج عن تلك المفاهيم، مع استمرار صاحب هذه المخاصمة على إظهار النقد المطلق لتلك المفاهيم.
2-الدعوة للإخوة الإنسانية
من المفاهيم التي تمرر كثيرًا تحت بنود التعايش مفهوم الأخوة الإنسانية، فما هي مرامي هذا المفهوم والذي يسعى الكثيرون اليوم لإشاعته وترسيخه في العقول والأذهان؟ وما الموقف الشرعي منه؟
يمكن استكشاف ما يتعلق بهذا المفهوم عبر ملاحظة المعاني التالية:

المعنى الأول: أن استعمال الوحي لمفهوم الأخوة لم يرد إلا في صنفين فقط وهما (أخوة النسب) و(أخوة الدين).
فمن استعمالات أخوة النسب والدم: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا). (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا). (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا). فهذه الأخوة النسبية قد تضيق وتتسع، وهي ما علق عليه الشارع أحكاماً متعددة كصلة الرحم، والنفقة، والميراث، والعاقلة، وغيرها مما هو مبسوط في المدونة الفقهية.
أما الأخوة الدينية: فهي أخوةٌ تشتمل أهل الإيمان جميعًا، وتربط لاحقهم بسابقهم، سواءً كان من هذه الأمة أو من غيرها. وبواعثها انتساب الكل إلى دين واحد وهو الإسلام، فكل مسلم فهو أخٌ للمسلم في الدين، قال تعالى: (وكونوا عباد الله إخوانًا) وقال صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)( ) .
المعنى الثاني: أن مفهوم الأخوة الإنسانية مفهوم حادث لم يرد في نصوص الشرع، ولم يستعمله علماء الاسلام، وإنما تم صكه في السياق الحضاري المعاصر، والمنهج الشرعي في دراسة هذه المصطلحات هو في تحليل مضامينها الداخلية، ثم فرزها لإدراك هل هي من الحق فيقبل أم من الباطل فيرفض أم مزيج منهما فيميز بين هذا وهذا.
قد يقول قائل: ما المانع من استعمال هذا المصطلح، خصوصًا وأن البشرية كلها ترجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام، فكلنا لآدم وآدم من تراب.
فيقال: ليس الاعتراض هنا متوجهًا إلى مجرد تركيب الكلمات ورصفها، ولا إلى توليد مصطلحي يمكن تسويغه في ضوء سعة العربية، وتعدد استعمالات كلمة الأخ في معاجم اللغة، وإنما المقصود التنبيه إلى مشكلات مَنْشَأ المصطلح، وما يراد أن يُمرّر من خلاله.
المعنى الثالث: باستعراض واقع التداول المعاصر لهذا المفهوم سيتجلى حجم التباين بين المعاني المندرجة فيه، والسؤال الذي يهمنا هنا: ما المعنى الذي يراد تمريره تحت لافتة الأخوة الإنسانية؟ خصوصًا وأن هذا النمط من الأخوة يشتمل على الناس جميعًا، الظالم والمظلوم، والمجرم والبريء، والمسلم والكافر، فما هو المعنى الزائد الذي نستفيده من إدراك اشتمال وصف الإنسانية هنا، وما الأحكام التي يراد ترتيبها عليه؟
إن قصد بذلك تجسير الفرق بين المسلم والكافر بذريعة أنهم أخوة في الإنسانية فلما لا يقال ذلك في حق المجرم والبريء، أو الظالم والمظلوم، فهم جميعًا شركاءٌ في الإنسانية أيضًا، وهم ممن يدخلون في مفهوم الأخوة الإنسانية.
وهذا ما يكشف تعثرات هذا المصطلح في الواقع، وأن جزءًا من البواعث المحركة لاستعماله هو توظيفه في مجالاتٍ تتناقض مع محكمات الوحي، دون أن يُسعى في تمديد سلطانه ليشمل بقية الدوائر الإنسانية.
وقد سبق بيان أن من محكمات الشريعة قطع معان الولاء الديني بين المسلم والكافر، ولو كان هذه الكافر أبًا أو أخًا أو قريبًا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ).
فالأخوة الدينية معنى يبذله المسلم لأخيه المسلم، كما أن الكافر يبذل أخوته لأخيه الكافر، فأخوة الدين لا تقتصر على الأخوة بين المؤمنين فقط والتي قال الله فيها: (إنما المؤمنون إخوة)، بل غير المسلمين أخوة أيضًا فيما بينهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ).
قد يقول قائل: إن المقصود هو التنبيه في ذكر الأخوة الإنسانية إلى إعطاء وصف التكريم للناس جميعًا، فهذا من مقتضيات وصف الإنسانية وهو من مقتضيات الأخوة.
وهذا وإن كان صحيحًا في أصل الخلقة، فالإنسان في الأصل مخلوق مكرم، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)، لكنهم بعد ذلك يتمايزون فضلًا وكرامة، وهو ما أشارت إليه الآيات التالية مباشرة فقال تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا).

فالتكريم في الآية ليس تكريمًا مطلقًا كما يظهر من سياقها، بل هو تكريم لخلق الإنسان مقارنًا بخلق ما دونه من الحيوانات، ثم هو قد جاء في سياق الامتنان حثًا على تحقيق العبودية، ثم قد جاء بعده ما يكشف عن قدر الإنسان عند الله تعالى متى ما كفر به، (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، والتكريم على كل حال لا يقتضي ما يتوهم مما سبق ذكره من المعاني الفاسدة من الإخوة الإنسانية.
والمقصود: أن جوهر المشكلة هنا ليست في أصل إطلاق الأخوة الانسانية، وإنما فيما تتضمنه من دعوة إلى إسقاط أحكام الأخوة الإيمانية على الأخوة الإنسانية، أو هدر أحكام الأخوة الإيمانية، وهو ما يتناقض مع أصول الإسلام الذي اختص أهل الإسلام بمعانٍ من الأخوة لا يشركهم فيها أحد: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).
3-التكفير
من الأصول الشرعية المقررة في مباحث الأسماء والأحكام في كتب العقائد أن الناس يتمايزون فيما بينهم إلى مؤمن وكافر: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وأن هذه الأوصاف تستتبع أحكامًا عقدية أو عملية، وهي ما تجد تفاصيله في مدونات العقيدة والفقه، وليس القصد هنا تحرير ما يتعلق بحقيقة الكفر أو أحكامه، وإنما الإشارة إلى ما تضمنته بعض دعوات التعايش من تخفف لما تراه مستشكلًا في هذا الاصطلاح (الكفر)، وهو ما يحملها على السعي لاستبداله بمصطلحات مخففة كالآخر مثلًا ظنًّا أن هذا أدعى لتحقيق السلم والتعايش المنشود، ولست أدري ما يصنع هؤلاء بهذه التوصيفات المتواترة في القرآن بتسمية من وقع في الكفر كافرًا؟! وكيف سيحلون مشكلتهم مع سورة يحفظها كل مسلم جعل اسمهما (الكافرون)؟! وهو أمر يكشف عن خطورة ابتلاع المصطلحات المضللة والانطلاق منها لمعالجة الواقع.
إن تعليق وصف الكفر على عددٍ من المعتقدات أو الأقوال أو الأفعال يعد أمرًا ظاهرًا في نصوص الوحي، لا يستدعي الاسترسال في التأكيد على دلائله، فالتكفير وصف شرعي مرده إلى الشريعة، فهي التي هي تحدد ما يكون كفرًا، ثم تنزل تلك الأوصاف على الأشخاص بحسب الميزان الشرعي المبني على ضرورة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وليس في هذا أي ظلمٍ لشخص أو طائفة، لأن هذا من تسمية الأمور بأسمائها.
والحق أن التمييز بين الإيمان والكفر شأن بدهي، وإلغاء هذا الفرق يحيل الإيمان إلى مادة هلامية تقبل الشيء ونقيضه، فبمجرد أن تسعى إلى ضبط مدلول الإيمان وتحديد ما يدخل في إطاره فأنت ترسم تلقائيًا حدود الكفر وتقر بوجوده، ولذا فما من نحلة أو دين إلا وهي تعتقد أن من لم يلتزم بعقائدها وتصوراتها كافر، وفي ضوء هذا التصور قال بعضهم وقد أحسن: دين لا تكفير فيه ليس بدين.
وليس في الاعتراف بهذا القدر مضرةٌ، وإنما تحصل المضرة متى ترتب على هذه الأوصاف ظلم حقيقي. ولذا فالشريعة راعت في موضوع التكفير أمرين مهمين:
الأمر الأول: عدم التعجل بإسباغ هذا الوصف لغير المستحق، وذلك لخطورة ما يترتب عليه من أحكام.
الأمر الثاني: ترتيب ما يناسب هذا الوصف من أحكام شرعية تميزه في الواقع عن الإيمان، وفي ترتيب تلك الأحكام تمام العدل، إذ مبنى الشريعة على التفريق بين المختلفات، ولا فرق أظهر وأجلى من الفرق بين الكفر والإيمان، فمن العدل أن يعطى الإيمان حقه، وأن يعطى الكفر حقه، وليس في هذا غضاضة أو إشكال.
بقي التنبيه أنه ليس المقصود مما سبق منع استخدام لفظة الآخر مطلقًا في توصيف الكافر، أو التحفظ من ذكر وصف الكفر لأي مصلحة شرعية، وإنما ملاحظة تجاوز المصطلح الشرعي واستبداله قصداً بغيره.
(4) الجهاد:
يتمدد أثر المفهوم السلبي للتعايش في عصرنا ليصل إلى تحريف مفهوم الجهاد في الإسلام أيضًا، حيث إن التعايش يقتضي وجود سلامٍ بين الشعوب قائم على معاهدات مشتركة تمنع قيام الحروب، وتفتح المجال لكافة العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين الدول، وأما القول بوجود جهادٍ في الإسلام فهو يعني تقويض هذا السلام، وإعلان الحرب على الجميع.
وقد أوقع هذا الإشكال كثيراً من المعاصرين في مأزق، اضطروا بسببه إلى نفي وجود مفهومٍ للجهاد في الإسلام يتجاوز الدفاع عن النفس ضد العدوان، فلا وجود في نظرهم لأي جهاد يقصد إعلاء كلمة الله وإقامة نظامٍ يحكم بالشريعة، وبناءً عليه رجعوا إلى نصوص الشريعة، ووقائع التاريخ الإسلامي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين بالتأويل بحمل ذلك على كونه دفاعاً محضاً ضد عدوان الآخرين.
والحق أن القول بالتعايش السلمي المعاصر لا يقتضي مثل هذا التحريف، فلا أحد من علماء المسلمين في عصرنا يقول بجهاد الطلب في هذا العصر، بل ولا يقول مثل هذا عاقل، لما فيه من ضرر بيّن، وفساد ظاهر، وهو من الاعتبار القطعي الذي لا يخفى على عموم المسلمين، فما بالك بعلمائهم.

إذا أدركتَ هذا علمتَ أنه لا أثر لمفهوم جهاد الطلب في التأثير على التعايش السلمي المعاصر، فتحريفه ونفي وجوده هو محض بحث جديد لا علاقة له بوجود حاجة ماسة معاصرة إلى التعايش السلمي، فالمفهوم كما سبق لا يوجد من يدعو إليه في عصرنا، ولا من يقرره.
الذي حصل إذن، أنهم عادوا إلى النصوص الشرعية فحرفوا مفاهيمها، وقدموا وقائع التاريخ الإسلامي في غير صورتها الحقيقية، فمفهوم التعايش كان أثره نفسياً في دفع بعض النفوس إلى تحريف المفاهيم من دون وجود أي حاجة حقيقية لهذا التحريف من الأساس.
ونفي وجود هذا الجهاد في الإسلام أو تاريخ المسلمين هو محض مكابرة، فالأدلة فيه ظاهرة محكمة، ويكفي استحضار وقائع الجهاد في تاريخ الخلفاء الراشدين ليدرك المسلم قطعاً أن هذه الوقائع لم تكن كلها من قبيل جهاد الدفع المحض.
ولا يعني القول بوجودها أننا نقرر هنا مشروعيته في هذا العصر، أو ندعو لرفض المعاهدات المعاصرة، فهذه كما سبق لا يقول بها عالم ولا عاقل.
وإنما القصد التأكيد على أهمية المحافظة على محكمات الشريعة من التحريف، فالجهاد الشرعي محكمٌ ديني لا يمكن تجاوزه أو تحريفه لعظيم مكانته في الشرع، وكثرة ما ورد فيه من النصوص والدلائل، ، وهو أمر لا يبعث على التواري منه خجلًا بسبب طعن طاعن أو لمز لامز.
فظاهرة التحريف لا تراعي هذا كله، ولا تتعامل مع الموضوع بما يتطلبه من موضوعية علمية، بل بسبب انصياعها لقيم الحضارة الغالبة تظن أنها تحسن صنعاً، إذ ترى مثل هذا من صيانة الإسلام بنفي ما تراه باطلاً، ولا تدري أنها حين تقر بأن هذا باطل وأنه ضرر وعدوان محرم، فهي تطلق العنان للخصم للاستطالة على الإسلام أكثر، لأن أدلة ثبوت هذه الأحكام أقوى، فما دمتَ مُسَلِّمَاً بكونها باطلة وتضر بسمعة الإسلام فقد أقررت بوجود طعن في الإسلام. بينما من نصر الحق كاملاً، فراعى الواقع وحاجاته، وحافظ على المفاهيم فلم يحرفها، لم يجد الطاعن عليه مدخلاً.
خلاصة الأمر: أن التعايش في الاستعمال المعاصر مصطلح مجمل، يمرر من خلالها عدة مفاهيم متأثرة بحمولة فكرية تتصادم مع بعض الأحكام الشرعية، وحين نطيل الحديث في فحص مضامينها فليس في ذلك دعوة إلى إهدار ما فيها من مضامين صحيحة ومعانٍ معتبرة، وإنما ضرورة التفطن إلى ما تتضمنه من إشكالات لئلا تتسرب من خلال هذه المعاني الصحيحة.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى