(٣٣) الدين ليس هشاً حتى يُخاف عليه


تمثل هذه المقولة وصفًا صحيحًا لا يُختلف عليه، فدين الإسلام قوي ببراهينه وأحكامه، ولا يُخشى عليه من الشبهات والأفكار المخالفة، لأنه دين رب العالمين، وهو يكتسب قوته من قوته، والله من قبل ومن بعد حافظ دينه.
لكن من قال إن الخوف هنا هو على الإسلام ذاته والذي سيحفظه الله؟
حقيقة الأمر: أن الخوف على دين المسلم أن يضل عن الإسلام، وليس خوفاً على الإسلام نفسه.
فالمسلم يخشى على نفسه أن يضل عن الحق، ويترك الهداية، ويتنكب عن الصراط المستقيم، وليس الخوف على الحق والهداية والصراط المستقيم.
فلا معنى إذن لذكر هذه المقولة عند الحديث عن أهمية الثبات على دين الإسلام، وتذكير المسلم بواجبه في المحافظة على دينه، وضرورة صيانته مما قد يضره ويضعفه، وهو ما أمر الله تعالى به في إشارة قرآنية لطيفة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). فهذا الأمر الرباني بالموت على الإيمان لا يمكن تحقيقه إلا بالثبات على الإسلام طيلة مشوار الحياة، ليضمن المرء إسلامه لحظة وداعه للدنيا.
ومن تدبر هذا انفتح له باب فهمِ سبب دعاء المسلم ربَّه في يومه وليلته مرات كثيرة: (اهدنا الصراط المستقيم)، فهذه الهداية متضمنة للثبات على ما تحقق منها، وتطلب المزيد من هدايات الرب سبحانه وتعالى.
فالخشية إذن ليست على الدين وإنما هي على أنفسنا الضعيفة، أن تُخذل فتترك الدين، ويكفي أن تستحضر قول الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم سيد البشر وإمام المتقين: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)، فالتثبيت هو من الله سبحانه وتعالى، وليس مجرد قرارٍ يتخذه الفرد استقلالاً، وإنما هو هداية وتوفيق، والتوفيق مفتاحه صدق اللجأ والاستعانة بالله، وعدم الاتكال على هذه النفس الضعيفة، والاطمئنان إليها، وإذا قال ربنا تعالى عن خليله صلى الله عليه وسلم أنه لولا تثبيت الله له لكاد أن يركن للكفار شيئاً قليلاً، فكيف لا يخشى أحد بعد هذا على إيمانه؟!
ويكفيك في هذا أن تتأمل في تفاعل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الحقيقة، وعميق إدراكه لها، وما رتبه عليها من نتائج، حيث كان يستعيذ بالله العظيم من (الحور بعد الكور)( ) ، وهو (الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني الرجوع من شيء إلى شيء من الشر)( ) . وكان يحدث صحابته بقوله: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء). ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ مُصَرِّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك) . فمقتضى العلم بجملة الحديث الأولى هو الفعل الواقع منه صلى الله عليه وسلم في الجملة الثانية.
وعجيب حقًا ذلك الأثر العميق الذي خلفته هذه الحقيقة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم حتى صارت هذه الدعوات من أكثر دعائه، حتى قيدت أم سلمة هذه الملاحظة عنه صلى الله عليه وسلم، فعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: (يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ) فتلا معاذ: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) .
بل إن هذه الحال كانت هي حال النبي صلى الله عليه وسلم المستمرة حتى خارج بيته، فعن أنس بن مالكٍ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (اللهم ثبت قلبي على دينك)، فقال رجلٌ: يا رسول الله ، تخاف علينا وقد آمنا بك، وصدقناك بما جئت به، فقال: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها) .
ولله ما أجمل تلك الملاحظة الذكية التي أبداها ذاك الصحابي حين فهم من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الدعاء أنها دعوة لهم للاقتداء به، وأنهم مقصودون بالتذكير بهذا المعنى الإيماني العميق.
فالمؤمن يخشى على دينه أن يضعف أو يسلب، إذ هو أنفس ما يملك، وخشيته هذه هي ما يبعث في نفسه الصيانة والعناية والاهتمام بشأن دينه، وهذه الخشية متى ما تحققت على النحو المطلوب كانت ذريعة للمؤمن لتحصيل حلاوة الإيمان، والتي لا تكون إلا بمحبة الدين حبًّا يكره معه أن يعود إلى الكفر بعد إذ استنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وما من شك أن من أكبر المهددات للدين الاستغراق في النظر في الشبهات وملاحقتها، إذ (القلوب ضعيفة والشُبَه خطافة) .

فكثرة الواردات الفاسدة على النفس له دور هائل في إفساد القلب، فإن القلب المنهمك في مطالعة الكتب أو تصفح المواقع المتضمنة للتصورات الفاسدة، والتشكيكات، والشبهات عرضةٌ لتشرب تلكم المفاهيم المنحرفة، بما ينعكس سلباً على برد اليقين، وصلابة الإيمان، وقد أحسن ابن تيمية النصح لتلميذه ابن القيم حين قال له: (لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً للشبهات أو كما قال) .
بل إن الانهماك في هذا ما يحمل بعض الناس عن الانصراف عن الحق وطلبه كليًّا، فتراه يستكثر من الشبهات حتى تقوى في نفسه وتستقر، فيعمى قلبه، ويكون قلبًا أغلف ينزع من صاحبه الرغبة في الحق، ويصده عنه.
وإذا تدبرت في الكتب المعنية بتتبع آثار السلف خصوصاً في الأبحاث العقدية فسينكشف لك مدى التحوط الذي كان يبديه أئمة السلف في تعاطيهم مع الشبهات والإشكالات مع عظيم تدينهم وصدق إيمانهم، وهي آثار كثيرة جداً، فمن صور ذلك التحوط العقدي:
أن رجلاً جاء إلى الحسن البصري فقال: يا أبا سعيد، تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه .
وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب السختياني: يا أبا بكر؟ أسألك عن كلمة قال: فولى أيوب، وجعل يشير بإصبعه: ولا نصف كلمة ولا نصف كلمة .
ودخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله. قال: لا. قال: تقومان عني وإلا قمت. فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرآ آية؟ قال: إني كرهت أن يقرآ آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي.
وكان ابن طاووس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة، فجعل يتكلم قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بني، أدخل إصبعيك في أذنيك، واشدد، ولا تسمع من كلامه شيئاً، قال معمر: يعني أن القلب ضعيف .
وليس هذا التحوط في حقيقته ناتج عن ضعف معرفي، بل صحة التصور عندهم مبنيةٌ على حجج وبراهين ومعرفة للحق في مثل هذا الثوابت الشرعية، فلا مصلحة من إصغاء الأذن بعدها إلى شيء من الباطل والذي قد يجتذب القلب صوبه.
خصوصاً وأن الأمر جد، إذ هو متعلق بأعظم المهمات في حياة الإنسان المسلم، ورحم الله مالك بن أنس إذا قال: الداء العضال التنقُّل في الدين، وقال: قال رجل: ما كنتَ لاعباً به فلا تلعبَنَّ بدينك .
وإذا تدبرت في أحوال كثير ممن يتقصدون موارد الشبه والإشكالات وجدت قدراً من هذا التقصد عائداً إلى شيء من الغرور المعرفي الذي يظن صاحبه بنفسه علماً عظيماً وفهماً كبيراً فينكشف جهله مع بواكير ما اطلع عليه من الشبهات، فالسلامة لدين المرء متى ما قدر -ولم تكن ثم مصلحة شرعية معتبرة- هي في الابتعاد عن مثل هذه الموارد، والتعرف على الحق بدلائله الصحيحة، أما البروز لكل شبهة وإشكال فطريق طويل، وصاحبه عرضة لكثير من الزلل والخطأ.
فإن اقتضت المصلحة الشرعية الاطلاع على الباطل، والنظر في الشبهات، للرد عليها مثلًا، فالأمر ليس متروكًا لكل أحد، بل له ضوابطه وشروطه، كما أن هذا الأمر يتفاوت باعتبارات متعددة، باعتبار حال الشخص ومدى علمه بالشرع، كما يختلف الأمر أيضاً بحسب عقل الشخص وطبيعته النفسية، ويختلف الأمر أيضاً باعتبار مستوى الشبهة، فأصول الشبهات غير تفاصيلها، كما يختلف الأمر باعتبار عموم البلوى بمصدر الشبهة، فالقراءة في المواقع العامة التي تعم البلوى بها، يختلف عن الكتب الممنوعة التي يتكلف صاحبها جلبها وقراءتهـا، ويختلف الأمر أيضاً باعتبار حال السائل وقربه من عالم أو طالب علم متمكن يزيح عنه الشبهات ويراجعه في الأمر، إلى غير ذلك من اعتبارات.
ومهما قدر المسلم على تجنب الخوض في الشبهات، والنظر فيها فإنه أصون لدينه وأبرأ، وبه يحقق حفظ لدين، إذ لا نزاع بين العلماء أن حفظ الدين رأس الضروريات التي جاء الإسلام بصيانتها ورعايتها، فشرع ما يزيده ويثمره في الواقع، ومنع من كل ما يلحق الضرر به، ولا شك أن إطلاق النفس للنظر في الشبهات دون حاجةٍ معتبرةٍ مما قد يلحق الضرر بهذا الأصل.
قد يقال هنا: لكن الذي يخشى من هذه الشبهات هو المؤمن الضعيف، الذي لم يتسلح بالحجة والبرهان، ولم يستعمل عقله ويعتمد على استقلاله، بخلاف القوي المطلع المنفتح فإنه لا يخشى على دينه.
وهذه في الحقيقة عبارات شعاراتية فارغة، تستغل بعض المعاني الحسنة كالقوة والعقل لتضليل الناس، وتمرير أفكار ضعيفة هشة نظراً لأنها صيغت بشكل مقبول.

إن من يفقه حقيقة الإيمان يعرف أن كل إنسان ضعيف أمام المؤثرات التي تضر بالدين، وأنه معرض لترك دينه ما لم يتداركه الله برحمته، وكيف يظن مسلم أنه قوي لا خوف على إيمانه بعد إدراكه لما سبق من حال نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهي حال مطردة عند الأنبياء، فقد كانوا صلوات الله وسلامه عليهم يدعون الله بالثبات على الدين، فهذا إبراهيم الخليل يدعو ربه: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام)، ويوسف الصديق يقول: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) ويوصي إبراهيم ويعقوب ذريتهم بهذه الوصية الجامعة: (إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
وهذا في الحقيقة ليس من الضعف، بل هو من الوعي الواجب المبني على فهم عميق لحقيقة الإيمان، وطبيعة النفوس، ومشكلة القضايا الفكرية المثارة، وهو ما يفرض منهجية واعية صلبة في التعاطي معها تتجاوز مجرد الشعور بالضعف والقوة إلى البحث عن كيفية الاستفادة الإيجابية وتجنب الآثار السيئة.
فالحق، أن من يكرر: لا تخف على إيمانك، والمؤمن القوي لا يخاف على إيمانه، وعندك من العقل والبرهان ما لا تخشى على الإيمان، هو في الحقيقة لم يفقه حقيقة الإيمان، ولا حجم الضرر الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه العبارات.
فعندنا هنا خمس حقائق يغفل عنها كثير من الناس، وهي:
الحقيقة الأولى: أن الدخول في الإسلام من أجلِّ نعم الله على عبده: (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم) يختار الله لها و: (يختصّ برحمته من يشاء) وأمرها إليه سبحانه: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء).
الحقيقة الثانية: أن الله يحول بين بعض الناس والهداية، فلا يتمكن من فهم الحقّ ولا ينشرح صدره له: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)، (أتريدون أن تهدوا من أضل الله)، فلا ينتفعوا بما يسمعون من حجج وبراهين: (ختم الله على قلوبهم وسمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) (وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً).
الحقيقة الثالثة: أن الله قد حكى في القرآن أن سبب ضلال كثيرٍ من الناس ليس عدم فهمهم للأدلة، وإنما لأمراض سكنت نفوسهم، من حب المال والدنيا، والتعصب للآباء، والحسد والإعراض، وغيرها: (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً)، (ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم) (قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) ، وآيات كثيرة تؤكد هذا المعنى.
الحقيقة الرابعة: أن الإيمان ليس مجرد المعرفة والإقرار، بل هو التزام وانقياد وامتثال لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الامتثال يتطلب تزكيةً للنفس وتطهيرًا للقلب.
الحقيقة الخامسة: قيام الدنيا على الابتلاء والتمحيص، فمن سنّة الله أن يجري على أهل الإيمان الابتلاء والاختبار: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء)، وقد بيّن الله حكمة هذه السنّة الربّانية: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)، فقضايا الإيمان ليست مجرد مسائل عقلية تفهم أو لا تفهم، بل تحتاج النفوس مع ذلك إلى اختبار وامتحان ليظهر الثبات والصبر وتقديم مراد الله.
يأتي في هذا السياق تسويغٌ للانفتاح على الأفكار والشبهات من دون أي تحفظ بدعوى أن الشك هو طريق اليقين، وأن مثل هذا الانفتاح هو الذي يجعلنا نكتسب الإيمان المبني على الحجة والقناعة وهو إيمان قوي راسخ، بخلاف إيمان الذي يخشى على الشبهات فهو إيمانٌ ضعيف، لأنه مبني على تقليد.
وهذه في الحقيقة عبارة تسويقية مبنية على ركامٍ حِجاجي هش، يتبين هذا من خلال فحصها في الأوجه التالية:
الوجه الأول: أن من وصل إلى اليقين لا حاجة له أن يعود شاكاً في يقينه مرة أخرى، فما دمتَ موقناً حقاً بأن الإسلام هو دين الله الحق، فما معنى أن تدعو الناس إلى التشكيك في الإسلام الذي تراه هو الحق يقيناً بحثاً عن هذا اليقين؟!
هذا في الحقيقة لا يستقيم إلا في حالة وجود شك في الإسلام، فهنا يقال لمن وجد هذا الشك يجب عليك أن تبحث عن الحق وتزيل ما علق بك من شكٍ حتى تصل إلى اليقين، أما أن نوقن بأن الإسلام هو الحق قطعاً، وفي نفس الوقت نحرض الناس على الشك في الحق لأجل العودة إليه مرة أخرى فهذا ضربٌ من العبث.
الوجه الثاني: أن الشك ليس طريقاً إلى اليقين دائماً، فهذه عبارة غير موضوعية ولا واقعية، فالشاك قد لا يصل إلى اليقين، ومن لم يشك قد يكون موقناً، بل إن من عوَّد نفسه على الشك في اليقينيات وجعل هذا منهجاً له في كل أحواله لن يستقيم له إيمان بتاتاً، لأنه حتى ولو تحصل له اليقين فسيتحرك عنده الشك مرة أخرى، بسبب خلل منهجه وفساد طريقته.

الوجه الثالث: أن الإيمان الذي لم يتعود على الشكوك ليس إيماناً ضعيفاً هشاً كما يتوهم، فليس قوة الإيمان وضعفه مبنية على القدرة على معرفة الحجاج الأدلة في القضايا الدينية الجدلية، ولهذا تجد عند كثير من عوام المسلمين من قوة الإيمان بالدين، والثقة بالله، والتوكل عليه، واليقين بأحكامه ما لا تجده عند كثيرٍ ممن هو أحسن منهم معرفة بطرائق النظر والتفكير والاستدلال، لأن قوة الإيمان ليست مرتبطة لزومياً بمعرفة الأدلة والحجاج، فهي سبب نافعٌ لزيادة الإيمان، لكن قد لا ينتفع به بعض الناس، كما أن الإيمان يتأثر بعوامل غيرها كالعبادات والذكر والتربية وغيرها.
فهذه الطريقة إذن لن تتسبب في الحقيقة إلا في زيادة الشكوك وتعميق الحيرة بين المسلمين، لأنها تحرّض على الشبهات بلا وعي بحالها ولا إدراك لحال الناس ولا فقه بحقيقة الإيمان، ولو كان مقصده التأكيد على ضرورة تقوية إيمان المسلمين بالحجج والبراهين التي تصونهم من تأثير الشبهات المعاصرة فهذا حق لا إشكال فيه، لكن هذا يختلف عن مثل هذا التحريض الفوضوي على الشبهات.
سيقال هنا: هذا يعني أن نعطل عقولنا فلا نعترض ولا نسأل ولا نناقش؟
والمشكلة الحقيقية ليست مع السؤال بأن يستفسر المسلم عما أشكل عليه من قضايا دينه، بل مع منهجية تعامل المسلم مع الأسئلة، فالخلل في طريقة التعامل هو الذي يسبب الاضطراب والانحراف.
وقد كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما يشكل عليهم ويجيبهم عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أمرين:
الأمر الأول: ضرورة اتساع صدر الآباء والأمهات والمربين للأسئلة التي تأتيهم، وأن يجيبوا عليها بما يزيل إشكالها ويقوي الإيمان في النفوس.
الأمر الثاني: أن السؤال عما يشكل من أمر الدين ليس محرماً ولا مذموماً بإطلاق.
إنما يأتي الخلل حين يتسبب السؤال في إضعاف يقين المسلم، ويشككه في أصول دينه، نظراً لأنه لم يحسن التعامل معه، فلم يبحث عن العلم الذي يدفع هذه الشبهة.
بل وحتى إن لم يجد المسلم جواباً مقنعاً عن استشكالٍ معين اعترضه، فوجود إشكالٍ في جزئية معينة لا يؤدي إلى الشك في الأصل كله والانحراف عن الإسلام، فالإشكال لا ينافي اليقين، فيمكن للمرء أن يظل موقناً بأصول الدين وقطعياته مع بقاء إشكالاتٍ محددة لم يدرك وجه الجواب عنها في بعض الجزئيات.
فالأمر هنا ليس تعطيلاً للعقل، ولا دعوةً لإيقاف التساؤل والبحث والنظر، إنما هو تأكيدٌ على ضرورة فقه حال الإيمان فلا يتسبب الشخص في الإضرار به من حيث أراد تقويته بسبب غفلةٍ وتوهماتٍ فاسدة، متأثراً بشعارات تتجمل بالعقل والانفتاح، بل يتعامل معها وفق منهج موضوعي يضمن له الانتفاع بها والسلامة من ضررها.
يقال اعتراضاً على هذا التقرير: إن هذا التخوف يحرمنا من الاطلاع والانفتاح والاستفادة مما عند الآخرين من علوم وأفكار نافعة؟
التخوف من الشبهات لن يحول بين المسلم وبين أي علمٍ نافع، بل هو في الواقع منهج موضوعي يساهم في صرف المسلم عن إضاعة الوقت والجهد في جزئيات محددة ضارة أو قليلة الثمرة ليبقى منشغلاً بالأمور النافعة والعلوم المفيدة في كافة المجالات، فتجنب الشبهات يعمق الوعي بضرورة التمييز بين العلوم النافعة والضارة في الانفتاح، وأن لا يَقبل المسلمُ الانفتاحَ على الضار بدعوى البحث عن النافع.
فالشبهات متعلقة بجانب معين محدد مما يشكك في الدين وقطيعاته، فليس في الانفتاح على هذا الجزء من نفع حقيقي للمسلم وقد مَنَّ الله عليه باتباع الوحي والاستنارة بهديه، خصوصاً حين يقبل عليها بلا علم ولا منهج، وأما بقية العلوم النافعة فهي مما يُحث على الاستفادة منها.
كما أن الإشكال ليس في أصل الاطلاع، وإنما في الانشغال به مع جهل الإنسان وعدم معرفته المعرفة الكافية بما يقوي أثر الشبهة عليه، بسبب ضعفه لا بسبب قوتها، فالاطلاع على المواد التي تثير الشبهات والشكوك على أصول الدين يتطلب من المسلم أن يكون عالماً بدينه حتى يستطيع أن يناقشها ويرد باطلها، وهذا يتطلب وقتا ًوجهداً لا يبذله أكثر من يطالعون الشبهات، فقد يكون منشغلاً بدراسة علمية نافعة ثم في أوقات يسيرة من فراغه يطالع كتباً منحرفة، فهو لا يجد وقتاً ولا يملك جهداً موازياً لاطلاعه، فيغرق في الشبهات بسبب تقصيره، فالخير له في تركها ما دام أنه لن يبذل ما تستدعيه من واجب شرعي في العلم والتعلم.
والخلاصة: أن مقولة (الدين ليس بهذه الهشاشة فيخاف عليه) تسعى لتهوين شأن الشبهات في نفس المسلم، وتعطيه شعورًا زائفًا بالعلو العلمي، الذي كثيرًا ما يتبدد مع لحظة الارتطام بأول شبهةٍ، وإن كانت سهلةً تافهةً في كثير من الأحيان.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى