(٣٥) لستَ مسؤولاً عن الخلق


حين يبادر المسلم لإنكار أي قول أو فعل مخالفٍ للشريعة فإنه غالباً لن يسلم من سماع مثل هذه المقولة: (لستَ مسؤولاً عن الخلق) أو: (لستَ مسؤولًا عما يحدث) أو: (دع الخلق للخالق) أو: (عليك بما يخصك) أو غيرها من العبارات التي تفتُّ في عضد كل من يريد الخير للناس بنصحهم عن خطأ، أو دلالتهم على صواب، بأن هذا ليس من مسؤوليتك، أو أنه يمثل نوعًا من التطفل والتدخل في خصوصيات غيرك، فلا حاجة لأن تشغل نفسك بها، ولا أن تجر على نفسك الهم والقلق بسببه، فأنت مسؤول عن فعل نفسك فقط.
والسؤال المهم هنا: هل نحن غير مسؤولين حقاً عما يحدث من حولنا ؟ وهل تقتصر دائرة مسؤوليتنا على تصرفاتنا وأفعالنا، وليس علينا مسؤولية تجاه غيرنا من الناس؟
لا شك أن هذا الكلام باطل، فالمسلم مسؤول عما يحدث من حوله، وليس صحيحاً أن المسؤولية تقتصر على ما كان من فعله هو فقط، بل من فعله الواجب والذي يحاسبه الله عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا من الواجبات المحملة على عاتق كل مسلم ومسلمة، وبهذا استحقت هذه الأمة الثناء العظيم في القران: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وقال سبحانه: (ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وذم الله تاركي هذه الشعيرة فقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
فمن مسؤوليتك الشرعية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو حكم شرعي محكم لا يصح أن يكون حوله منازعة أو جدل.
والأمر بالمعروف يشمل نصح الناس ودلالتهم على ما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم، والنهي عن المنكر يشمل تحذيرهم عن أي شيء يمكن أن يضرهم في دينهم ودنياهم، فما يحدث من حولك مما تراه أو تسمعه فإن من مسؤوليتك أن تبادر بإصلاحه قدر طاقتك فتقوم الخطأ، وتصحح الانحراف بالحكمة والموعظة الحسنة.
إن من يستشعر هذه المسؤولية الشخصية عليه فيما يحدث من حوله هو شخص إيجابي نافع، فهو لا يتعامل مع الأحداث بسلبية ولا مبالاة، وإنما يحرص على أن ينفع الناس ويبذل الخير لهم، ومن يكتفي بمقولة (لستَ مسؤولاً) هو شخص أناني يكتفي بدائرته الخاصة ولا يبالي بمن حوله، والفرق كبير بين شخصين: يسعى أحدهم في الإصلاح قدر طاقته، ويؤثر نفعاً فيمن حوله، ويكون له أثر نافع حال وجوده، وشخصٌ سلبي لا أثر لوجوده، فصلاحه وخيره قاصر على نفسه، فهل يستويان؟
ولذا كانت هذه الكلمة (عليك بنفسك) في مثل هذا السياق من أقبح الكلمات عند الله، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وإن أبغض الكلام إلى الله عز وجل أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك)( ) .
ومما يكشف لك عن احتفاء الشريعة بالمصلحين ما جاء فيها من أصول محكمة تكشف عن تفضيل الإصلاح على مجرد الصلاح، وأن اقترانهما هو مطلوب الشرع لا إلغاء جانب الإصلاح لصالح الصلاح فقط، ومن تلك الأصول المحكمة دلائل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الشارع مصير الأمة إن تركت هذا الواجب، بالإضافة إلى ثناء الله تعالى على أهل التواصي بالحق والتواصي بالصبر: (والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فالإنسان واقع في الخسران، ولا ينجيه من ذلك الاقتصار على الصلاح الذاتي بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، بل النجاة التامة لا تكون إلا لمن حقق ذلك ثم تواصى مع غيره على الحق تذكيرًا به وأمرًا، وزجرًا عن الباطل، وتواصى على الصبر عليه، وعلى ما يمكن أن يلاقيه بسببه.
وأنت إذا تدبرت في الدافع الحقيقي لمقولة: (لست مسؤولاً عما يحدث) فستجد أن الأمر ليس على ظاهره، فلا تجد الناس في الجانب العملي يحمدون فعل شخصٍ لا يبالي بمن حوله، بل يعدونه نموذجًا للأنانية والعجز والكسل. وإنما هذه المقولات تستعمل للتثبيط عن الإنكار في جانب معين من الأخطاء وهي المتعلقة بالمحرمات والواجبات الشرعية، فهي التي يُزَهَّدُ فيها بأنك لست مسؤولاً عنها.
ولهذا لو أن أحداً رأى شخصاً قد تعرض لاعتداء، أو أصيب بمرض، أو حلت به كارثة، فلا أحد سيقول حينها: لست مسؤولاً عما يحدث، بل الجميع يُبَجِّلُ أي مواقف خير ونصرة لهذا المحتاج.
فحقيقة الأمر هو تزهيد في الواجب الشرعي المتعلق بالحث على الواجبات والنهي عن المحرمات الشرعية، وكلها مما يحمد للإنسان القيام والأمر به، فكل ما أمر الله به من واجبات شرعية متعلقة بالعبادات أو المعاملات أو الحقوق الخاصة أو نصرة المظلوم أو إغاثة الملهوف، وحفظ الحقوق، كلها أحكام شرعية يحمد لمن يأمر بمعروف فيها، أو ينهى عن منكر فيها، والتعامل مع بعض المنكرات بأنك لستَ مسؤولاً عنها، هو في الحقيقة تزهيد بها وانتقاص من مكانتها، وهو الباعث على الحث على عدم مبالاة الشخص بها وترك الأمر والنهي فيها.

الغريب أن هذا التصور الفاسد في قصر المسؤولية الدينية على الشخص دون من حوله يشكل وهمًا قديمًا نشأ من سوء فهم لمثل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم لما كنتم تعملون) وقد جاء تصحيح هذا التصور الفاسد على لسان الصديق رضي الله عنه، فقد صح من حديث قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه).
فبيَّن رضي الله عنه أن الآية لا تدل على الانطواء على النفس وترك النصح الواجب للخلق، بل أكد على أهمية أداء واجب الاحتساب، وأن الأمة متى تخلت عنه فهي المهددة بعقاب الله تعالى، وأن مقصود الآية بيان أن فعل الآخرين لا يضرك إذا قمتَ بالواجب الشرعي عليك بالأمر والنهي، فهنا لا يكلفك الله أن ينتهي البشر عن أفعالهم، فهذا مما لا قدرة لك عليه وليس تحت التكليف، فإذا اهتديت وأمر بالمعروف ونهيت عن المنكر فلن يضرك فعل أحد.
ولهذا ذكر الله في القرآن أن النجاة متعلقة بالإصلاح: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)، فالإصلاح هو الذي يحفظ من عقوبة الله وليس مجرد الصلاح الذي لا يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما نبه إليه صلى الله عليه وسلم حين سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» .
بل صرح عليه الصلاة والسلام بما هو أوضح في تحقيق هذا المعنى وما يمكن أن يلحق المجتمع من المصائب إن هم تركوا واجب الاحتساب، فقال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» .
ولهذا حين ذكر الله قصة أصحاب السبت ختمها بذكر الفئة التي استحقت النجاة، وهي التي كانت تأمر وتنهى، فقال: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون).
إذن، عند الحديث عن فعلٍ محرم لا معنى أن يقول أحد: لستَ مكرهاً على الحضور، فمن شاء حضر، ومن شاء لم يحضر، فهذا الاعتراض لا يمكن أن يرد على ذهن مسلمٍ فَقِه معنى الأصل الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تأتي هنا مقولة مثبطة أخرى، تقول: لو أراد الله أن يمنعها لمنعها.
وهذا صحيح، فلو أراد الله أن يمنع هذه المحرمات لمنعها، لكن ما الذي تريده من هذا؟
لم يمنعها ربنا تبارك وتعالى لحكمة بقاء الخير والشر جميعاً، وأن يبتلينا جميعاً في أن نقوم بالخير ونأمر به، ونترك الشر وننهى عنه.
فتوظيف مثل هذه المقولة في سياق التثبيط من هذه الشعيرة هو في الحقيقة احتجاج بالقدر على ترك الواجب الشرعي ومثل هذا الاحتجاج باطل، وهو من جنس احتجاج المشركين لشركهم بما ذكره الله عنهم: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).
والقول بأن الله لو أراد أن يمنعه لمنعه، هو من قبيل الاستدلال بالقدر على الشرع، وهي مقولة متكررة، تأتي هنا، وتأتي أيضاً في سياق الدعوة إلى تقبل الاختلافات الفكرية مهما كانت مصادمة.
والحق أنه لا يصح أن يستدل بالحكم القدري على الحكم الشرعي، فالسنة الكونية يراد بها ما خلقه الله وأراده قدراً، ومثل هذا الاختلاف بين الناس فهو سنة قدرية، ولا راد لما قضى الله، والله إنما قدرها لحكم عظيمة، لكن هذا لا يعني أنه مشروع ومحبوب لله، فليس ثم تلازم بين الإرادة القدرية المتعلقة بالخلق، والإرادة الشرعية، فهناك أمور يشاؤها الله قدراً لكنه لا يرضاها شرعاً، وذلك مثل المحرمات الشرعية كالقتل والزنا والسرقة وغيرها، فلا يجوز أن يستدل أحد على مشروعيتها بوجودها وأن الله خلقها، فمن يستدل بالاختلاف الموجود بين الناس على أنه مشروع مطلقًا هو مثل من يستدل بوجود الخمر والزنا والقتل على أنه مشروع، وهو أمر باطل ظاهر البطلان.
ومن المقولات الرائجة حديثاً، والتي تتضمن تثبيطًا عن أداء واجب الاحتساب التحذير من (الاستشراف): فيسمي بعض الناس من يأمر وينهى وعنده أي تقصير بأنه مستشرف!
وهي لفظة غريبة يبدو أنها مشتقة من الشرف، حيث يدعي مطلقها بأن الناصح يزكي نفسه حين ينصح غيره ويدعي لنفسه شرفًا غير مستحق، ويشيع رمي هذا الاتهام في وجوه الناصحين ممن هو واقع في التقصير في بعض الواجبات أو المحرمات الظاهرة، فيعيّره بهذه الكلمة تثبيطًا له عن ممارسة الاحتساب، وربما سخروا منه بأنهم من جماعة أحب الصالحين ولست منهم!

والحقيقة أن مثل هذه التهمة للناصحين لا وجه لها ولا معنى لها إطلاقًا في الشريعة، وهو ما يتجلى من خلال ملاحظة المعاني التالية:
المعنى الأول: أنه يتعارض مع جملة من المفاهيم المركزية في التصور الإسلامي، كمفهوم الاحتساب، والتواصي، وما يمكن أن يترتب من العقوبات الإلهية على ترك هذه الواجبات.
المعنى الثاني: أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متحتم على كل مسلم سواءً كان واقعًا في الذنب والمعصية أو بريئًا منه، قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فهو أمر نبوي لكل مسلم رأى منكرًا، ولا يصح من المسلم ترك واجب الإنكار ظاهرًا إلا بالعجز عنه فيتعين عليه مع ذلك الإنكار بقلبه.
المعنى الثالت: أنه لا يخلو مسلم من الوقوع في الذنوب والمعاصي: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) ، فملاحقة المقصرين بتهمة الاستشراف يلزم منها ترك واجب الاحتساب مطلقًا، فالمحتسب إن لم يكن واقعًا في عين الذنب الذي يحتسب على غيره فيه، فهو واقع في ذنب آخر، ولمطلق هذه التهمة أن يذكره بهذا فتتعطل هذه الشريعة، وقد أحسن الشاعر جدًا إذ قال:
إذا لم يعظ النّاس من هو مُذنبٌ *** فمن يعظ العاصين بعد محمّد
قال الحسن البصري لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر( ). وقال مالك: عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شي، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شي!( )
ولقائل أن يقول: وما نفعل بمثل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)، وقوله تعالى ذمًا لليهود: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟) ألا تدل هذه النصوص على ذم العاصين من المحتسبين؟
فيقال: لا شك أن الواجب على المحتسب الالتزام بما يأمر الناس به من الواجبات الشرعية، وأن يتجنب ما ينكره على غيره، والناس بطبيعتها تنفر من التناقض الذي يقع بين التصور والسلوك، والقول والعمل، وهو معنى حاضر في القرآن الكريم في قصة شعيب عليه الصلاة والسلام: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ).
ولذا كان من حكمة الشريعة ذم من يخالف قولُه فعله (يا أيها الذين لم تقولون ما لا تفعلون)، فهو مستحق للذم بمخالفته لما يقول، وقد يكون في صنيعه هذا فتنة لغيره، فيقول المنصوح: لو كان صادقًا لأتى ما ينصح به ولما تركه. وتتأكد هذه المشكلة من العلماء، وفي علماء السوء يقول ابن القيم عليه رحمة الله: (علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق) .
فما سبق حقٌ لا شك فيه، وليس موضعًا للنقد، وأن الواجب على المحتسب أن يلتزم بنصائحه لا أن يخالف بأفعاله أقواله، ولكن السؤال هنا هل يشكل هذا مسوغاً لترك الاحتساب من العصاة، وأن المذنب لا يجوز له أن ينكر على غيره؟
إذا دققتَ النظر في تلك السياقات القرآنية وغيرها، وجدت الذم متعلقاً بمخالفة القول للعمل، لا أنه واقع على الاحتساب نفسه، فلدينا هنا أمران ينبغي ملاحظتهما:
الأمر الأول: وجوب موافقة القول للعمل.
الأمر الثاني: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فهل الذم واقع على ترك الأمر الأول أم هو واقع على فعل الأمر الثاني، أم هو واقع على الجمع بينهما بترك الأول وفعل الثاني؟
والحق أنه واقع على ترك الواجبات وفعل المحرمات، وأنه يقبح من الناصح أن يصر على ترك الواجب وفعل المحرم، فهذه النصوص الشرعية إنما تسعى لإحداث التغيير في سلوك المقارف للذنب والمعصية، لا دعوته إلى ترك الاحتساب الواجب.

فالعاصي يتعلق به واجبان، واجب ترك المعصية، وواجب الاحتساب على من رآه واقعًا فيه، فقبيح منه أن يجمع إلى معصيته الذاتية معصية ترك الاحتساب الواجب، بل المطلوب منه إصلاح حاله وترك المعصية، ليكون قوله موفقًا لعمله، وهذا نقيض ما يطمع به من يتهم كثيرًا من المحتسبين بالاستشراف، إذ مقصودهم الدعوة إلى ترك الاحتساب الواجب، لا ترك الذنوب والمعاصي.
والحقيقة أن هؤلاء المعترضين لنقد بعض المحتسبين وإسكاتهم لا يستحضر هذا الإشكال في سياقات أخرى، مع أنها في الحقيقة مطابقة لموضع نقده، كمنع الأب مثلًا أبناءه من التدخين مع كونه مبتلى به، فعامة الناس يتفهم هذا المنع ولا يقول للأب ما دمت مدخنًا فاترك أبناءك يدخنون، بل يتوجهون للأب بالنصيحة ويدعونه إلى ترك التدخين ليكون قوله متوافقًا مع عمله، وليكون للمنع تأثير أبلغ فإن الأبناء قد يتأثرون بالسلوك العملي للأب.
قد يقول بعضهم: المشكلة في الاقتصار على النهي عن المنكر، دون تحقيق الأمر بالمعروف؟
والحقيقة أن هذه العبارة لا معنى لها، وهي تنم عن سوء تصور لطبيعة علاقة المعروف بالمنكر، إذ هما من الأضداد التي يعبر بهما عن موضوع واحد، فكل أمرٍ بالمعروف هو نهي عما يضاده من المنكر، وكل نهيٍ عن المنكر هو أمر بما يضاده من المعروف.
فالنهي عن منكر الكذب، هو أمر بمعروف الصدق، والنهي عن العقوق، هو أمر بمعروف البر، والنهي عن منكر التبرج، هو أمر بمعروف الحجاب، والنهي عن منكر الزنا، هو أمر بمعروف العفة، وهكذا.
والعكس كذلك، فالأمر بمعروف صلة الرحم، هو نهي عن منكر القطيعة، والأمر بمعروف إطابة المطعم، هو نهي عن منكر المطاعم المحرمة، والأمر بمعروف العدل، هو نهي عن منكر الظلم والبغي والاعتداء.
وحتى تتضح الصورة أكثر، فمن يقول: لماذا تنهون عن المنكر ولا تأمرون بالمعروف؟ هو تمامًا كمن يقول لمحتسب في شأن الصلاة: لماذا تنهى منكر ترك الصلاة، ولا تأمر بمعروف إقامتها! أو يقول لمحتسب على مفطر في نهار رمضان: لماذا تنهاه عن الفطر، ولا تأمره بالصيام!
فهل مثل هذا الكلام مقبول أم معقول؟! أم أنها تكشف أن القضية برمتها فارغة من أي مضمون.
ومما يجب إدراكه أن تمدد واجب الإنكار في المجتمع سيتمدد بطبيعة الحال طرديًا مع تمدد المنكرات فيه، فكلما زادت هذه في الواقع تبعها زيادة في جرعة الإنكار، «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»( ).
وهو أمر صحي يدل على سلامة تدين الناس، وانتشار الخير بينهم، وهو ضمانة صيانة المجتمع وحفظه «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»( ) والأمة التاركة له متوعدة بمقت الله وغضبه (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وهذا الإنكار كما سبق يصب في صالح الأمر بالمعروف وإشاعته بين الناس، للتلازم الواقع بينهما كما سبق بيانه.
وهب أن الأمر منفصل بينهما كما يريد صاحبنا أن يصور، فإن الواجب حينئذٍ أن يُسد النقص الواجب، ويحرص على الأمر بالمعروف، لا أن يكون النقد متجهاً للتقليل ممن يقوم بواجب النهي عن المنكر.
وهو ما يكشف لك في الحقيقة عن البواعث المؤثرة هنا، فإن هذه المقولة غالبًا لا يؤتى بها إلا للتثبيط من الجهود المطلوبة شرعًا، لا أنها تسعى إلى إحداث موازنة متوهمة بين طرفين متلازمين في الحقيقة، يكون في إشباع أحدهما إشباعًا للآخر.
ومن تأمل واقع الخطاب الدعوي المعاصر وجد فيها حزمة كبيرة جدًا من مظاهر الأمر بالمعروف كالأمر بتوحيد الله وعبادته، وتوقير النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، واحترام صحابته رضي الله عنهم، والأمر بالصلاة، والزكاة، والصدقة، والصيام، والحج، والعمرة، والعدل، والإحسان، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، وحسن الجوار، وإصلاح ذات البين، وإعانة المحتاجين، ورفع الظلم عن المظلومين، إلى غير ذلك.

والخلاصة، أن صاحب مقولة (لست مسؤولاً عما يحدث) لو أتبعها بقوله: بعد أن تقوم بالواجب الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكان مصيبًا في صنيعه، ولكان منبهًا إلى أن هذه السيئة لن تضر إلا صاحبها، وأما مع التفريط في أداء واجب الاحتساب فالمضرة ستلحق الجميع، من عمل السيئة، ومن ترك الأمر والنهي، بل وعموم المجتمع، وعلى كلٍّ من التبعة بقدر ما ارتكب.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى